
وعدت السنين زي اللمح البصر، والبنات كبروا قدام عينيا وبقوا كل دنيتي. الكبيرة دخلت كلية الهندسة اللي كانت بتحلم بيها، والصغيرة بقت في ثانوية عامة ومجنناني بمذاكرتها وشقاوتها اللي مبقتش تفارق البيت. طول السنين دي وأنا واقفة في ضهرهم، سد منيع، لا هانت عليا نفسي ولا هانوا عليا، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان موفرلهمش بس لقمة العيش، لأ، عشان أخليهم دايماً رافعين راسهم وميحسوش بنقص أو كسر.
في يوم، كنا قاعدين بنحتفل بتخرج بنتي الكبيرة، الصالة كانت مليانة زغاريد وفرحة من أم أحمد وبناتها، والبيت كله ورد وضهرنا وسندنا كان ربنا سبحانه وتعالى. وسط الفرحة دي، تليفوني رن.. رقم غريب مكنتش عارفاها، قومت في البلكونة بعيد عن الدوشة ورديت: “ألو.. مين معايا؟” جالي صوت من الناحية التانية.. صوت ضعيف، مكسور، فيه رعشة غريبة وعجز مكنتش أتخيله، قال بتلعثم: “أميرة.. أنا سامح”. قلبي مدقش ولا ثانية من الخوف، الإحساس اللي جالي كان زهد وعدم اهتمام، قولتله بنبرة هادية وقوية: “عايز إيه يا سامح؟”
قال والدموع باينة في صوته: “أنا خرجت من السجــ,,ـــــن يا أميرة.. خرجت ومحيليش اللضا، صحتي راحت، ومراتي الأولانية رمتني وعيالي مش عايزين يشوفوا وشي، والكل قفل الباب في وشي.. أنا متجنتش في الدنيا قد ما اتجنت بسبب اللي عملته فيكي وفي بناتك.. أنا جاي أطلب منك السماح، سامحيني عشان ربنا يفك كربي، أنا عايش في الشارع”. بصيت للسما، ونسمة هوا دافية خبطت في وشي، وافتكرت كل القهر والضــ,,ـــــرب والإهانة، وافتكرت دموع بناتي وخوفهم.. وبصيت جوة الصالة لاقيت بنتي الكبيرة بتضحك وصاحباتها بيصوروها بالشهادة.
قولتله بكل برود وثقة: “يا سامح، أنا لا بكرهك ولا شيلالك غل.. أنت بالنسبالي بقيت عدم، والعدم مبيسألوش منه سماح. حق بنات الأيتام اللي أنت جيت عليهم رب العرش جابهولي في الدنيا، ومفيش بيني وبينك كلام.. حسابك مع ربنا، وهو اللي هيجازيك”. وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك، ولأول مرة أحس إن الصفحة دي اتحــ,,ـــــرقت تماماً ومبقاش ليها حتى رماد. رجعت لوسط الصالة، وبنتي الكبيرة أول ما شافتني جريت عليا وحــ,,ـــــضنتني وهي بتعيط وتقولي: “الشهادة دي بتاعتك أنتِ يا ماما.. أنتِ اللي عملتينا، وأنتِ الراجل والست في حياتنا، ومن غيرك مكنّاش هنكون أي حاجة”.
ضمتهم هما الاتنين لصدـ,,ـــري، وكنت حاسة إن روحي طايرة في السما. بصيت في عيونهم وقولت في سري: “الله يرحمك يا أبو البنات، سيبتلي أمانة، وأنا صنتها وبقيت بـ100 راجل”. قفلنا بابنا علينا، وبقينا عايشين في دفا حبنا، أحرار، مرفوعين الراس، وعارفين إن اللي معاه ربنا وبيربي يتامى بضمير، عمره في يوم ما بيتكسر ولا بيضيع. وتوتة توتة، خلصت الحدوتة، بس حياتنا إحنا.. يلا دوب لسه بتبدأ بالخير والنور. تمت


