روايات

ابو ولادى

الغريب والمضحك في نفس الوقت إنه مترجم طلبي للطلاق على إنه “حيلة نسوان” عشان أجرجره! كمية النرجسية دي مكنتش متخيلة إنها توصله للعمى ده. مش قادر يستوعب إن الست اللي شالت وراجلت في غيابه تلات سنين، هي الست اللي نفضته من حساباتها تماماً. هو فاكرني لسه واقفة في نفس النقطة اللي سابني فيها.. الست المكسـ,ـورة، المصدومة، اللي بتبكي على أطلال حبها وبيتها. مش عارف إني كبرت، وإني في التلات سنين دول اتولدت من جديد، وعرفت قيمتي وقيمة نفسي، وعرفت إن ولادي محتاجين راجل بجد يسندهم، مش خيال مآتة بيفتكرهم بالريموت كنترول وقت ما يحب.

فوقت من أفكاري على صوت خطوت ولادي في الطرقة. بصيت لهم وهم داخلين عليا بضحكتهم الصافية، وببراءة سألوني: “في إيه يا ماما؟ بابا قالك إيه؟”

حسيت بغصة في حلقي، بس بلعتها بسرعة ورسمت على وشي ابتسامة قوية. مكنش ينفع يشوفوا في عيني أي انكسار. بصيت في عيونهم وقولت في بالي: “وعز جلال الله يا ابن الناس، ما هتشوف المرة دي الست الضعيفة اللي كنت بتلعب بدموعها. أنت جاي وفاكر إنك داخل تفرض شروطك وتكسر مناخيري بكلمتين الاستعلاء بتوعك.. بس أنت هتيجي تلاقي سد منيع، تلاقي ست تمنها غالي قوي، ومبقاش يرضيها فُتات من وقتك ولا من حياتك. وزي ما قولتلي أعلى ما في خيلك اركبيه.. أنا بقى هوريك خيلي أنا هتوصلني لفين!”

قومت من مكاني ودخلت المطبخ أعمل لنفسي كبّاية شاي دافي، كنت محتاجة أي حاجة تهدّي النار اللي قايدة في صدري. وقفت قدام البوتاجاز وأنا بتابع حركة المية وهي بتغلي، وحسيت إن الغليان ده هو بالظبط اللي بيحصل جوايا. تلات سنين كاملين وأنا عاملة زي الهدوم المركونة في الدولاب، مستنية فرج ربنا، ومستحملة نظرات الشفقة من القرايب، والأسئلة المخنوقة في عيون ولادي. تلات سنين وأنا بدفن شبابي بالحيا عشان المركب تمشي، وهو كان عايش دور “العازب” اللي ملوش رابط ولا ضابط، ودلوقتي فجأة افتكر إنه رب عيلة وله بيت وعايز ييجي يمارس عليا دور السيادة!

سمعت صوت عربية بره في الشارع، قلبي انقبض للحظة وقولت: “مش معقول يكون جه بالسرعة دي!”، بس لما ركزت لقيتها عربية حد من الجيران. أخدت نفس طويل وطلعت قعدت وسط ولادي في الصالة. كنت ببص لهم وهم بيذاكروا وبيتكلموا، وبقول في بالي: العيال دول كبروا طول تلات سنين من غير ما يلمحوا ضله في البيت، كبروا وأنا الأب وأنا الأم، وأنا اللي بتابع وبشيل وبحل المشاكل. جاي دلوقتي يقول “راجل غريب يدخل على ولادي؟”. طب ما أنت كنت غريب عنهم تلات سنين يا ابن الناس!

الغريب مش اللي ملوش صلة دم، الغريب هو اللي هان عليه لحمه ورمى ولاده للدنيا ومسألش فيهم. المشكلة إنه مش باصص غير لنفسه، مش شايف غير كبريائه اللي اتهز لما عرف إن في احتمال ييجي راجل تاني ياخد مكانه ويصلح اللي هو أفسده. التفكير المريض ده هو اللي مخليه مش شايف الحقيقة؛ فاكر إن الدنيا لسه واقفة في يوم ما سابنا ومشي. مش قادر يستوعب إن المركب مشيت من غيره، وإننا اتعلمنا نعوم في البحر الغريق اللي رمانا فيه، ودلوقتي لما وصلنا للشط وجايين نتنفس، عايز يرجع يغرقنا تاني في أنانيته وتحكماته.

بصيت في الموبايل اللي كان محطوط على الترابيزة قدامي، وكأني مستنية رسالة تانية منه أو مكالمة يكمل فيها وساخته واستفزازه. مسكته ودخلت على الشات بتاعه، كنت عايزة أكتبله كلام يوجعه، كلام يخليه يعرف حجمه الحقيقي في حياتنا دلوقتي. كتبت: “أنت ملكش مكان هنا، والبيت ده اتقفل في وشك من يوم ما بعتنا عشان نزوتك”، بس قبل ما أدوس إرسال، مسحت الكلام كله. قولت لنفسي: لأ، الكلام مع اللي زيه خسارة، والاستفزاز بالرسائل هيخليه يحس إنه لسه مؤثر عليا وإنه لسه قادر يحرك مشاعري حتى لو بالغل.

الزهد هو أعلى درجات العقاب، وأنا هسيبه ييجي، هسيبه يخبط على الباب وهو فاكر إنه الداخل المنتصر، وعايزة أشوف وشه لما يتصدم بالواقع الجديد.

التفتّ لولادي وقولتلهم بنبرة هادية بس ثابتة: “بابا كلمني وبيقول إنه جاي يزوركم”. العيال سكتوا وبصوا لبعض، ومكنش في عيونهم الفرحة اللي أي عيل بيشوفها لما يعرف إن أبوه جاي بعد غياب؛ كان في عيونهم علامات استفهام، ووجل، كأنهم ضيوف مستنيين حد غريب يدخل عليهم. المنظر ده كسر قلبي بس قسّاني أكتر، وأكدلي إن طريقي اللي بدأته مش هيرجعني فيه لا تهديد ولا وعيد. يا أنا يا هو في الأيام اللي جاية، وكرامتي اللي عشت أحميها تلات سنين، مش هفرط فيها عشان ليلة سخرية ولا كلمتين برود من شخص مبيعرفش يعني إيه مسئولية ولا يعني إيه بيت.

عشان كده كانت اول خطوه اللى ربيته بيها مسحت المحادثة كلها من قدامي وأخدت نفس طويل، وعرفت في اللحظة دي إن الكلام ملوش أي لازمة، وإن المواجهة مع شخص بالعقلية دي والنرجسية دي في التليفون أو في الصالة عندي مش هتجيب غير حرق الدم. هو فاكر إنه ماسك كل الخيوط في إيده، ومطمن قوي لدرجة الاستهزاء، وفاكر إن مفيش ست تقدر تكسر كلمته أو تخرج برة طوعه. بس أنا خلاص، الست اللي كانت بتخاف من كلام الناس ومن المحاكم ومن لقب “مطلقة” ماتت من تلات سنين.

قومت من وسط ولادي ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليا وبدأت أفكر بترتيب وعقل بارد، بعيد تماماً عن العاطفة أو الغل. قولت لنفسي: “هو جاي وفاكر إنه هيدخل البيت يفرض شروطه ويقسم الأسبوع على مزاجه؟ لاء، ده بُعده”. أنا مش هستناه لما ييجي يمارس عليا الأستاذية بتاعته، ولا هدخل معاه في خناقة يلم فيها علينا الجيران ويهز فيها صورتي قدام عيالي. أنا هتحرك في الساكت، ومن وراه.

فتحت الموبايل وكلمت قريبتي اللي كنت عارفة إنها بتتعامل مع محامي شاطر وكبير في قضايا الأحوال الشخصية. أخدت منها الرقم والعنوان، وكل ده وأنا حريصة إن نبرة صوتي تكون عادية ومفيش أي حاجة تبان عليا. اتفقت مع المحامي على ميعاد تاني يوم الصبح علطول.

الخطة في دماغي كانت واضحة وزي الشمس: هرفع قض//ية “طلاق للضرر”. أنا معايا كل الأدلة اللي تثبت إنه هجرني وهجر ولاده تلات سنين، معايا رسايله اللي بيعترف فيها إنه متجوز وعايش حياته ومقصر في حقنا، ومعايا شهادة الشهود من أهلي ومن الجيران اللي عارفين إنه عتبة البيت دي مداسهاش من سنين. والأهم من كل ده، إني مش هـنطق بحرف واحد قدامه.

مش هعرفه إني رايحة لمحامي، ولا هقوله إني هرفع قض//ية. هسيبه عايش في وهمه وغروره، فاكر إن الفيلم ده كله “لعبة” عشان أجرجله يرجعلي. لو عرف إني ناوية على المحاكم، هيبدأ يخطط ويفكر ويشيل الفلوس اللي في البنك أو يتهرب من النفقة، أو يروح يعمل حوارات ويلعب بالأوراق عشان يلوّي دراعي بالعيال. النرجسي لما بيحس بالخطر بيتحول لوحش ومبيسمّيش على حد، وأنا مش هيداله الفرصة دي أبداً عشان ياخد احتياطاته أو يسبقني بخطوة.

أنا هخليه ييجي، ويخبط، ويتكلم براحته ويهدد بأعلى ما في خيله.. وأنا هقابه بابتسامة باردة وهادية تقتـ,ـله من جواها. هسيبه غرقان في ثقته المريضة لحد ما يصحى في يوم على إعلان المحكمة نازل فوق دماغه زي الصاعقة. وقتها بس هيعرف إن الست اللي استضعفها واستخف بوجعها تلات سنين، هي هي الست اللي هتنهي حكايته بالقانون، وبمنتهى الشياكة والنظافة

نمت الليلة دي وأنا حاسة براحة غريبة مكنتش حساها من تلات سنين. النوم هرب من عيني شوية، بس مكنش بسبب الخوف، كان بسبب الأدرينالين اللي بيجرى في عروقي وأنا برتب خطواتي في دماغي خطوة بخطوة. الصبح صحيت بدري، جهزت فطار العيال ونزلتهم، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميكب خفيف يخبي إرهاق السنين، وكنت ببص لنفسي في المراية وبقول: “يا واد يا ثقيل، جه اليوم اللي هتاخدي فيه حقك وتنهي المهزلة دي”.

وصلت مكتب المحامي في الميعاد بالظبط. دخلت وكنت متخيلة إني هبقى متوترة، بس لقيت نفسي بتكلم بمنتهى الثبات والقوة. حكيتله الحكاية من طقطق لسلام عليكم؛ عن جوازه، وعن هجره لينا تلات سنين، وعن الرسايل والمكالمة الأخيرة اللي قالي فيها “أعلى ما في خيلك اركبيه”. المحامي كان بيسمع وهو بيهز رأسه ويدون الملاحظات، وفي الآخر ابتسم وقالي: “متقلقيش يا مدام، موقفك القانوني قوي جداً. طالما اتجوز عليكي وإنتي رفضتي الوضع، ومعانا إثبات الهجر والتقصير في النفقة، قض//ية طلاق للضرر مضمونة بإذن الله. بس أهم حاجة زي ما اتفقنا: مش عايزينه يحس بأي حاجة لحد ما الإعلان يوصله في إيده”.

طمنّي كلامه وخلاني أحس إن القانون واقف في ضهري. دفعتله الأتعاب وطلعت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة، كأن جبل كان كاتم على نفسي واتشال. رجعت البيت، ومفيش ساعتين ولقيت جرس الباب بيرن برنة كلها غشم واستعلاء. قلبي دق، بس المرة دي عرفت أتحكم في ملامحي تماماً. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي بكامل أناقته، والابتسامة السخيفة والغرور مالين وشه، وكأنه داخل قصر فتح خيبر. دخل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وقال بنبرة كلها ثقة: “أهو أنا جيت يا ستي، جهزتي نفسك وظبطي أمورك ولا لسه؟”

بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله: “أهلاً يا ابن الناس، نورت.. ادخل اقعد علبال ما أعملك حاجة تشربها”.

اتصدم من هدوئي، كان متوقع إني هعيط، أو هصرخ في وشه، أو على الأقل هعاتبه على السنين اللي فاتت. مكنش فاهم إن السكوت ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن الابتسامة دي مش رضا، دي ابتسامة الشماتة في المغفل اللي مش دريان إن حبل المشنقة القانونية بدأ يلف حوالين رقبته. دخل قعد وهو حاطط رجل على رجل ومطمن لآخره، وأنا دخلت المطبخ وأنا بقول في بالي: “عيش اللحظة يا سيّد الناس، واشبع بغرورك كام يوم دول.. لحد ما المحضر يخبط على بابك ويفوقك من الوهم اللي أنت عايش فيه!”

طلعت من المطبخ شايلة صينية الشاي، وبمنتهى الثبات حطيتها قدامه. قعدت على الكنبة اللي في الوش، وربعت إيدي وأنا ببص له ونظراتي ثابتة في عينه. هو أخد كباية الشاي، ورجع ضهره لورا بكل غطرسة، وبدأ يتكلم بنغمة الصوت اللي كان متخيل إنها هتكسرني: “أهو أنا جيت وجنبك يا ستي.. قوليلي بقى، إيه موضوع الطلاق والجواز اللي كنتِ بتهرتلي بيه في الرسائل؟ لسه برضه مصممة على الأوهام دي، ولا عقلتِ وعرفتي إن مالكيش غير بيتك وجوزك اللي هيستر عليكي وعلى عيالك؟”

كنت سامعة الكلمات وهي طالعة من بقه مليانة سم واستحقار، بس العجيب إني متهزتش. بالعكس، كنت ببص له وأنا حاسة بـ”شفق” عليه! الراجل ده عايش في غيبوبة نرجسية مخلية مش شايف غير خياله. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقولتله بنبرة هادية جداً: “والله يا ابن الناس، أنت قولت اللي عندك وأنا سمعتك.. ودلوقتي أنت جيت، يعني خلاص مفيش داعي للكلام والكلام المعاد.”

بصلي باستغراب، عينيه كانت بتدور في الوش عايز يلمح أي أثر للكسرة أو الغل، بس لقى جبل واقف قدامه. هدوئي ده جننه ولخبط كل حساباته، مكنش ده رد الفعل اللي مرتبه في دماغه. هو كان جاي مستني ست بتعيط وبتندب حظها، أو ست بتخانق عشان تاخد منه يوم زيادة في الأسبوع. لما لقاني باردة ومش مدياله حجم، بدأ يتوتر، نزل رجله من فوق الرجل التانية وقال بحدة:

“هو إيه اللي مفيش داعي للكلام؟ إنتي فاكرة الموضوع بمزاجك؟ أنا قولتلك التقسيمة اللي هتمشي من هنا ورايح، تلات أيام هنا وأربعة هناك، والعيال دول خط أحمر، راجل غريب مش هيدخل عليهم سامعة ولا لأ؟” هزيت رأسي بالراحة وقولتله: “سامعة.. سامعة كل كلمة بتقولها.” قومت من مكاني بكل هدوء وقولتله: “اسيبك بقى تشرب شربك براحتك، وادخل أشوف العيال عشان وراهم مذاكرة.”

سيبته قاعد في الصالة لوحده بياكل في نفسه من الغيظ، ودخلت أوضة ولادي. قفلت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفس طويل وببتسم من كل قلبي. المحامي قالي الصبح إن الأوراق هتتجهز في خلال أيام، والإعلان هيروح له على بيته التاني وعلى مكان شغله عشان نضمن إنه يستلمه بنفسه.

بصيت لولادي وهم قاعدين على مكتبهم، وقولت في سري: “خلاص يا حبايب قلبي.. هانت قوي. الكابوس ده هيتهي، والراجل اللي فاكر نفسه إله بيتحكم في مصايرنا، هيفوق على قلم القانون اللي هيجيبه الأرض. خليه يعيش الكام يوم دول في دور العنتر اللي مفيش منه.. مسيره يعرف إن الله حق، وإن الست اللي هانت عليه تلات سنين، هي اللي هتكتب سطر النهاية في غروره.”ياترى رد فعله ايهولما يعرف

مرت الأيام وهو عايش في وهمه، بييجي يومين في الأسبوع يدخل البيت كأنه فندق، يتعامل بتعالي وبرود، وفاكر إن السكوت بتاعي ده علامة استسلام وإني خلاص “اتلميت” ورضيت بالأمر الواقع. مكنش يعرف إن السكوت ده كان السكون اللي بيسبق العاصفة، وإني كنت بعدّ الأيام والثواني مستنية اللحظة اللي المحامي قالي عليها. وفي يوم، كان قاعد في بيته التاني، وسط حياته اللي اختارها، مطمن لآخره ومرتاح البال.. لحد ما جرس الباب رن.

فتح الباب وهو مربع إيده، لقى المحضر واقف قدامه وبيقوله بمنتهى الرسمية: “حضرتك الأستاذ فلان؟ اتفضل استلم إعلان دعوى طلاق للضرر مرفوعة من مدام أماني سيد.” في اللحظة دي، الدنيا لفت بيه. الصدمة نزلت على وشه كأنها قلم فّوقه من غيبوبة تلات سنين. المحامي حكالي بعد كده إن ملامحه اتخطفت تماماً، الضحكة الساخرة والبرود اللي كان بيقابلني بيهم اتمسحوا في ثانية، وحل مكانهم ذهول ورعب حقيقي. عينيه كانت بتتحرك على الورق وهو مش مصدق السطور اللي قدامه.. كلمة “طلاق للضرر” كانت بتضـ,ـرب في نرجسيته وكبريائه ميت قلمين.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى