
مشاعره في اللحظة دي كانت خليط من الغل الأعمى والإحساس بالإهانة. هو؟ سيّد الناس؟ الراجل اللي قال “أعلى ما في خيلك اركبيه”، تطلع الست اللي مستضعفها وراكنها على الرف وتسبقه بخطوة؟ وتججره في المحاكم من غير ما تديله علم؟ حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، وغروره اتمهك تماماً في الطين. التفكير المريض اللي كان مخليه يفسر طلبي للطلاق على إنه “حيلة عشان يرجعلي” اتقلب عليه، وعِرف إنه كان مغفل، وإن الست اللي سابها تلات سنين مكنتش بتمـ,ـوت في غيابه، دي كانت بتبني سجن قانوني تقفل بيه صفحته للأبد.
تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت اسمه. المرة دي مكنش بيتصل ببرود، التليفون كان بيزن بهستيريا، كأنه عيل صغير تاه في الضلمة. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة وعشرة ومردتش. كنت شامة ريحة شياط كبريائه من ورا الشاشة. لما زهق، بعت رسالة طويلة كلها شتيمة ووعيد، بس نبرة الخوف والتهديد الفاضي كانت واضحة بين السطور: “إنتي بتلعبني يا أماني؟ بترفعي عليا قضايا ومحاكم من ورايا؟ وعزة جلال الله لأسففك التراب وأحرمك من العيال!”
مسكت الموبايل، وبكل برود الدنيا، بعتله رسالة من كلمتين اتنين بس: “أعلى ما في خيلك اركبه.. ونقعد في المحكمة يا ابن الناس.”
قفلت الموبايل وأنا باخد نفس عميق، وحسيت بنصر ملوش مثيل. الراجل اللي دخل بيتي من كام يوم وهو حاطط رجل على رجل وفاكر نفسه بيمّ عليا بوجوده، قاعد دلوقتي بياكل في نفسه من الغيظ، وشه أحمر، وعروقه بارزة، ومش عارف ياخد احتياطاته ولا يهرب فلوسه لأن الفأس وقعت في الرأس خلاص. القض//ية اتسجلت، والأدلة اتثبتت، وهو دلوقتي في نظر القانون “مدعى عليه”، بعد ما كان فاكر نفسه الآمر الناهي. دورت وشي لولادي، وبستهم، وقولت لنفسي: “النهاردة بس.. حقي وحقكم بدأ يرجع.”
الرسالة دي كانت بمثابة رصاصة الرحمة اللي نسفت البقية الباقية من ثباته المزيف. تخيلت شكله وهو بيقرأ الجملة اللي هو نفسه قالهالي من كام يوم، وهي بتترد له زي السهم في قلبه. النرجسي مبيستحملش حد يغلبه بلعبته، ومبيقدرش يعيش في دور الضحية اللي القانون هيحاسبها، هو متعود دايما يكون القاضي والجلاد.
تليفونه مبطلش رن طول الليل، بعت قرايب وأصحاب، وناس مكنتش بشوف وشهم من سنين فجأة افتكروا إن لينا بيت وعيال، وبدأوا يتدخلوا ويقولوا: “عيب يا أماني، المحاكم بتخرب البيوت، والراجل شاري وعايز يرجع ويعدل”. كنت برُد بكل برود وكلمة واحدة: “البيوت اتخربت من تلات سنين مش من النهاردة، والكلام بقا مع المحامي”.
لما لقى كل المحاولات دي فشلت، وجِه ميعاد الجلسة الأولى، جِه بنفسه المحكمة. كنت واقفة مع المحامي بتاعي في الطرقة مستنيين دورنا، ولمحته جاي من بعيد. ملامحه كانت متغيرة تماماً، الوش المبتسم المستهزئ اختفى، وحل مكانه وش باهت، وعيون مليانة غل وقلق في نفس الوقت. كان بيحاول يمشي وسط الناس بنفس الهيبة القديمة، بس خطوته كانت مهزوزة. أول ما وصل عندي، وقف وربع إيده وقال بصوت واطي ومخنوق عشان محدش يسمع:
“برافو يا أماني.. برافو عليكي، لعبتيها صح وضبطتيها من ورايا. فاكرة نفسك كسبتي؟ المحاكم دي حبالها طويلة، وأنا هقعدك فيها سنين وموراياش حاجة، والطلاق ده مش هتنوليه غير لما تطلعي من المولد بلا حمص!” بصيت في عينيه مباشرة، ومفيش أي شعور بالخوف جوايا، بالعكس، كنت حاسة إني ببص لشخص غريب تماماً ملوش أي سلطة عليا. قربت منه خطوة وقولتله بنبرة واطية بس حادة وزي الموس:
“الحبال الطويلة دي أنا قعدت فيها تلات سنين لوحدي مع ولادك يا ابن الناس، يعني متعودة على النفس الطويل. أما بخصوص الحمص.. فأنا كسبت نفسي وكسبت كرامتي، ودول عندي بالدنيا وما فيها. أنت جاي دلوقتي تهدد في المحكمة بعد ما كنت جاي بيتي تمنّ عليا بتلات أيام؟ قولتلك من الأول.. أنت لسه متعرفش أنا بقيت مين في التلات سنين اللي أنت غبتهم.” في اللحظة دي، حاجب المحكمة نادى على اسمنا.. “رول رقم ٣٥.. دعوى أماني سيد ضد…”
المحامي بتاعي طبطب على كتفي وقالي: “يلا يا مدام”. سيبته واقف في مكانه، وشه بيجيب ألوان، وعينه بتلف في المكان كأنه بيدور على مخرج من الورطة اللي حط نفسه فيها بغروره. دخلت قاعة المحكمة وأنا رافعة راسي، وكل خطوة بخطيها كانت بتدّوس على تلات سنين من الظلم والكسرة، وكنت عارفة ومطمنة إن السطر الأخير في الحكاية دي.. أنا اللي بكتبه وبإرادتي.
بعد القلم اللي أخده في المحكمة، وبعد ما عِرف إن التهـ,ـديد والوعـ,ـيد مش جايبين معايا نتيجة، نبرته اتقلبت ١٨٠ درجة. النرجسي لما بيحس إن الحبل بيلف حوالين رقبته، وإن الضحية اللي كان مستضعفها هربت من تحت إيده وبقت أقوى منه، بيتحول فجأة من دور “الوحش الكاسر” لدور “الضحية المسكينة”، ويبدأ يستعمل سلا//ح جديد: المَسكنة والوعود الكدابة.
في يوم، لقيت جرس الباب بيرن. المرة دي الرنة مكنتش فيها الغشم والاستعلاء بتاع المرة اللي فاتت، كانت رنة هادية، متوجسة. فتحت الباب، ولقيته واقف وشايل في إيده أكياس كتير فيها لعب للولاد وحاجات حلوة، وشه كان هادي، ومفيش فيه أي أثر للغل اللي كان مالي عينيه في المحكمة. دخل وهو بيبص للأرض، حط الأكياس على الترابيزة، والتفت ليا وبنبرة صوت هادية ومليانة حزن مصطنع قال: “أماني.. أنا مش جاي أخانق، ولا جاي أفرض شروط. أنا جاي أقعد مع أم ولادي، الست الأصيلة اللي شالت اسمي واستحملت كتير.”
قعد على الكنبة، بس المرة دي محطش رجل على رجل، كان حاني ضهره لقدام، وباصصلي بنظرة رجاء وقال: “أنا فكرت في كل اللي حصل.. وعرفت إني غلطت في حقك وحق العيال. تلات سنين الغربة والبعد عموا عيني، والمكالمة الأخيرة دي الشيطان هو اللي كان بيحركني فيها. أنا اتهزيت لما حسيت إنك ممكن تضيعي مني وتكوني لراجل تاني.. الغيرة عمتني وخليتني أقول كلام غبي مكنتش أقصده.” قرب خطوة، وحاول يمسك إيدي بس أنا سحبتها بسرعة وبرود. أخد نفس طويل وكمل وهو بيحاول يبان صادق:
“أنا مستعد ألغي كل اللي فات.. البيت التاني ده أنا هقفله، أو على الأقل هخليه مجرد ورق، وأنا هبقى هنا معاكي ومع ولادي طول الوقت. هعوضك عن كل ليلة عيطتي فيها، وكل مليم قصرت فيه. بلاش المحاكم يا أماني.. بلاش شكلنا قدام الناس والعيال، إحنا عشرة عمر، والصلح خير.. ارجعيلي، وأنا هكونلك السند والأب اللي بتتمنيه للعيال، ومش هتشوفي مني غير الوش اللي يرضيكي.”
كنت قاعدة بسمعه وأنا حاطة إيدي على خدي، وببص له بنظرة فاحصة زادت من توتره. زمان.. الكلام ده كان ممكن يخليني أعيط وأصدق وأقول “عشان خاطر العيال”. لكن النهاردة؟ كنت شايفة اللعبة بوضوح. الراجل ده مش جاي عشان بيحبني، ولا عشان ندمان على تلات سنين ضاعوا من عمر ولاده.. الراجل ده جاي مرعوب من خسارة القض//ية، مرعوب من النفقة والمؤخر وشكله قدام أهله وأصحابنا لما يتقال إن مراته خلعته أو طلّقته للضرر.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقولتله بمنتهى الهدوء: “خلصت كلامك يا ابن الناس؟” بصلي بلهفة وقال: “يعني إيه يا أماني؟ هتقفلي المحاضر دي ونرجع نلم شملنا؟” وقفت من مكاني، وبصيت له من فوق لتحت وقولتله بنبرة حاسمة زي السيف:
“الدموع والمَسكنة دول كانوا ينفعوا من تلات سنين، يوم ما جيت قولتلك أنا اتجوزت عليكي وأعلى ما في خيلك اركبيه. وقتها كنت محتاجة أسمع الكلمتين دول، كنت محتاجة أشوف في عينك نظرة ندم. لكن دلوقتي؟ الوش الجديد ده مش لايق عليك، ومبقاش ياكل معايا. أنت مش ندمان عليا ولا على العيال، أنت ندمان على كبريائك اللي اتهان في المحكمة، وخايف من حكم القاضي اللي جاي.” اتغيرت ملامحه للحظة، وحاول يتكلم بس أنا قاطعته بإيدي:
“الكلام خلص، والصلح اللي بتتكلم عنه ده ميعاده فات والقطر تحرك. أنا ولادي مش لعبة تركنها تلات سنين ولما تزهق تيجي تشتريلهم لعب وتفتكر إنك أب. وفر كلامك ووفر وعودك للجلسة الجاية.. لإن الق//ضية مكملة، وأنا مش هتنازل عن حريتي وعن كرامتي تمن لأي وعد كداب.” اتنفض من مكانه، ووشه بدأ يرجع لطبيعته التانية، الغل بدأ يظهر تاني ورا قناع المسكنة، وعرف إن الحيلة مفلحتش. أخدت نفسي وشاورت له على الباب وقولت: “خطوتك عزيزة.. المحكمة بينا.”
مرت سنة كاملة.. سنة كانت كفيلة إنها تقلب كل الموازين وتثبتلي إن ربنا لما بيقفل باب، بيفتح وراه أبواب من وسع. ق//ضية الطلاق للضرر خلصت وأخدت حريتي بقوة القانون، والورقة اللي كانت رابطاني بشخص أناني اتقطعت للأبد.
وبعد السنين العجاف دي كلها، ربنا عوضني.. ارتبطت واتجوزت راجل بمعنى الكلمة، راجل كان “ونعم الزوج والأب”. مكنش مجرد زوج ليا، كان السند والأمان اللي كنت بتمناه لولادي، دخل حياتنا بحنية وطيبة، احترم ولادي وعاملهم كأنهم حتة منه، عوضهم عن كل لحظة غياب وكل جفاء شافوه من أبوهم الحقيقي. لأول مرة من سنين، حسيت يعني إيه بيت فيه دفا وأمان، يعني إيه ست تنام وهي مطمنة إن في ضهر وسند حقيقي واقف معاها وبيشاركها كل تفاصيل الحياة.
وفي نفس الوقت اللي كنت ببدأ فيه حياتي الجديدة والنضيفة، كانت الدايرة بتدور على طليقي في الناحية التانية.. والعدالة الإلهية بتخلص حقي منه حتة حتة وبمنتهى الشياكة.


