روايات

الساعه ٢ بالليل  

الجزء الخامس بعد أيام قليلة، شعرت نادية بآلام الولادة المبكرة، فتم نقلها فوراً لمستشفى خاص تحت إشراف أطباء مختصين، وبقيت سليم في انتظار خارج غرفة العمليات، لا يغادر المكان ولا يهدأ له بال، وكأنه ينتظر ولادة قريبة له، وليس لامرأة تعرفها منذ الطفولة. مرت الساعات بطيئة كأنها سنين، حتى خرج الطبيب في النهاية بابتسامة مشرقة، وأخبره أن المولود بخير، وأن الأم تجاوزت الخطړ، وأنها أنجبت طفلاً ذكراً يتمتع بصحة جيدة وقوة.

دخل سليم للغرفة، ورآها مستلقية على السرير، شاحبة لكنها تبتسم، وبجانبها طفل صغير يلفه غطاء أبيض، ينام بسلام، وكأنه لم يمر بكل ما مر به من مخاطر قبل ولادته. اقترب منها ببطء، ونظر للطفل، ثم نظر لها، وقال بصوت دافئ مليء بالفرح مبروك يا نادية.. طفل جميل.. يستحق كل ما تعبتِ من أجله. دمعت عيناها من السعادة، ومدت يدها لتلمس يد سليم، وهي تقول شكراً.. شكراً لإنك جيت في الوقت المناسب.. لولاكِ ما كنت عرفت وصل لفين.. ولا كنت قدرت أحميه.

أنا ما فعلتِ إلا واجبي.. والفضل يرجع لكِ أنتِ، لصبركِ وقوتكِ التي لا تضاهى، رد وهو يربت على يدها. وما رأيكِ في اسم؟. فكرت نادية قليلاً، ثم نظرت للطفل، وقالت أريد أن أسميه أمان.. عشان يكون أماني، وعشان يكون ذكرى بالوعد اللي وعدتني به زمان، واللي حققته لي دلوقتي. أمان.. اسم جميل ومبارك، وافق سليم فوراً.

بقيت نادية في المستشفى بضعة أيام، ثم انتقلت لشقة فسيحة وهادئة في منطقة راقية، جهزها لها سليم بكل ما تحتاجه، بعيداً عن ضوضاء القاهرة، وفي مكان آمن لا يصل إليه أحد إلا من يسمح له سليم بذلك. وبدأ يزورها بانتظام، ليسأل عن حالها وحال أمان، ويساعدها في أمور الحياة، ويعرفها بأهل الخير، ويوصل لها كل ما تحتاجه من دعم نفسي ومعنوي.

لم يكن يخفي إعجابه بها، ولا تقديره لما تملكه من شجاعة ونقاء، وبدأت المشاعر القديمة التي د.فنتها السنين تعود للظهور، تتشكل من جديد، مشاعر لم تكن مجرد ذكريات طفولية، بل كانت أساساً لحب ناضج، قوي، مبني على المعاناة المشتركة والوفاء بالعهود. كانت نادية في البداية تتردد، تظن أنها لا تستحق السعادة، وأن الماضي سيلاحقها دائماً، لكن سليم لم ييأس، وظل يثبت لها كل يوم أنها تستحق كل خير، وأن الماضي قد انتهى، وأن المستقبل مفتوح لهما معاً.

في تلك الأثناء، صدرت الأحكام النهائية في القضية حُكم على كريم الجبالي بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً پتهمة الإيـ,ـذاء المتعمد، والټهـ,ـديد پالقتـ,ـل، والابتـ,ـزاز، وتعويض نادية بمبلغ مالي كبير، وحُكم على خالتها وفاء بالسجن لمدة ثلاث سنوات لخېا.نة الأمانة والمشاركة في الإضر.ار بالغير. انتشرت أخبار القضية في الحارة القديمة، وتناقل الناس الحكاية، وكيف أن الصبي الذي كان يسكن الحارة أصبح من يرفع الظلم عن أهلها، وكيف أن القدر كان يخبئ لهذا اللقاء نهاية سعيدة بعد كل هذا الظلم.

زار سليم مع نادية الحارة ذات يوم، سارت في شوارعها التي لم تغيرها السنين كثيراً، التقت ببعض الجيران القدامى، الذين كانوا يتعاطفون معها، ويسألون عن حالها، ويدعون لها بالسعادة، وعرفوا منهم أن والديها كانا من أطيب الناس، وأنهم كانوا يتمنون لها الخير دائماً، مما زادها طمأنينة وثباتاً. وقفت أمام السور القديم الذي سقطت منه منذ سبعة عشر عاماً، نظرت لسليم، وابتسمت قلتلك زمان إنني مش خاېفة.. بس الحقيقة إنني كنت خاېفة جداً.. لحد ما جيت أنتِ.

وأنا قلتلك إنني سأحميكِ طول عمري.. ولن أتخلى عنكِ أبداً، رد هو بجدية. الجزء السادس مرت السنتان التاليتان كأحلام سعيدة، تعافت نادية تماماً من كل ما أصابها، واستعادت صحتها ونشاطها، وتعلمت الكثير من المهارات، وساعدها سليم في إنشاء مشروع صغير خاص بها، لصنع الحلويات والمعجنات، كان يلاقي إقبالاً كبيراً من الناس، فأثبتت لنفسها وللجميع أنها قادرة على النجاح والاستقلال، وأن الظلم لم يستطع كسر روحها.

كبر أمان، وأصبح طفلاً ذكياً نشيطاً، يحب اللعب والضحك، ويتعلق بسليم كثيراً، وغالباً ما كان يطلب منه أن يبقى معه، أو يأخذه في جولاته، وكأنه يعرف أن هذا الرجل هو من سيعوضه ما فقده من أب، وسيكون له السند والرفيق في الدنيا. وفي يوم عيد ميلاد أمان الثاني، جهز سليم حفلة بسيطة و

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى