روايات

حـ,ـبست مراتى فى البلكونة

شريف عقد حواجبه باستغراب ماعرفهاش، مين دي؟ حازم بص له بنظرة جادة جداً بس فايزة تعرفها. دول أصحاب من أيام الثانوي في طنطا. وميرفت دي شغالة في مصنع كيماويات ومبيدات زراعية. في اللحظة دي، باب الشقة فوق اتفتح. فايزة نزلت على السلم ببطء خطوة خطوة. شريف وقف على رجله وبص لها فايزة قالها بهدوء يرعب مين ميرفت عبد العال؟ وليه شعرتها تظهر في بلكونتي في الليلة اللي مراتي كانت هتمـ,ـوت فيها؟

فايزة وشها اتخـ,ـطف وبقى أبيض زي الحيطة. ولأول مرة من ساعة ما الموضوع ده بدأ، ما عرفتش تطلع كذبة سريعة تدافع بيها عن نفسها. الجزء الثالث والاخير فايزة ساندت ظهرها على الحيطة كأن رجليها مبقتش قادرة تشيلها. شريف قرب منها خطوة أنا سألتك سؤال، ردي عليا. فتحت بقها، بس مخرجش منه غير صوت شهقة عياط مكتومة شريف، أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل للدرجة دي. الكلمتين دول كانوا كفاية عشان يهدوا آخر حبل ثقة كان شريف بيحاول يتمسك بيه.

مكنتيش تعرفي إيه؟ سألها بزعيق مكنتيش تعرفي إن مراتي عيانة؟ إن فيه حد بيسمها؟ إنك ذلتيا وهنتيها لدرجة إنك خليتيها تحس إنها غريبة ولوحدها في بيتها؟ فايزة غطت وشها بإيديها أنا كان كل همي أساعدك وأحميك. شريف ضحك ضحكة ناشفة مليانة وجع تحميني؟ أنا كنت شيفاك شقيان وتعبان وترجع من شغلك هلكان، وهي عمالة تحول فلوس من ورا ضهرك. ميرفت هي اللي قالتلي إن نور دي ست خطيرة، وإنها خربت بيت قبل كده. قالتلي إن فيه طريقة نخوفها بيها، نضعفها شوية عشان تعترف بكل حاجة.

شريف حس بغثيان وقرف تضعفوها؟ فايزة انفـ,ـجرت في العياط حلف تلي إن المادة دي مش هتمـ,ـوتها! قالتلي إنها هتعملها شوية دوخة وهمدان بس، عشان أنت تفتح عينيك وتشوف الحقيقة. مكنتش أعرف موضوع المهدئات ده، ومكنتش أعرف إن نور هتحاول تعمل في نفسها… مقدرتش تكمل الجملة. شريف افتكر نور وهي محبوسة في البلكونة، حاضنة نفسها من البرد، وفاكرة إن جوزها شايفها حرامية . وافتكر الورقة المكرمشة اللي كانت قفشة عليها في إيدها، واللي قراها في المستشفى.

كان مكتوب فيها سامحني. ماما محتاجة عملية جراحية ضروري. مكنتش عايزة أشيلك الهم وأقلقك. أنا مش زوجة وحشة، أنا بس مكنتش عارفة أقولك إزاي لأني خايفة. شريف انهار وقعد على أقرب كرسي الفلوس كانت عشان أمها قالها وصوته مخنوق بالدموع طنط آمال عندها ورم. نور كانت بتجمع القرش على القرش عشان تمن العملية ومكنتش عايزة تشيلني هموم زيادة. وأنتِ… أنتِ شاورني عليها وكأنها حرامية وبتسـ,ـرقني. فايزة رفعت راسها وعينيها كانت ورمة من العياط

مكنتش أعرف. عشان معمرك ما سألتي رد شريف بقهر زيي بالظبط، أنا كمان مسألتش. السكوت اللي ساد الأوضة بعد كدة كان أصعب وأقوى من أي زعيق. بعدها بشوية، حازم جه ومعاه أمينين شرطة. وأخدوا فايزة عشان يتسمع أقوالها في القسم. مكلبشوهاش ومجرجروهاش، بس كانت ماشية بنظرة مكسورة، نظرة شخص لسه فاهم حالا إن كلمة تفتيش وشك ممكن تقلب البيت لجنازة.

في نفس اليوم الظهر، الشرطة قبضت على ميرفت عبد العال من المصنع اللي شغالة فيه. وفي شقتها، لقوا قزازة مستخبية، ومسجات ممسوحة من على تليفونها، وأجندة مكتوب فيها تواريخ. التواريخ دي كانت مطابقة بالظبط للأيام اللي فايزة كانت بتجيب فيها الأعشاب الفلاحي لشقة شريف ونور. بس الصدمة الأكبر مكانتش هنا. الصدمة كانت في الاعتراف اللي قالته ميرفت. من تلات سنين، نور كانت شغالة في مصنع تعبئة في منطقة طلوخ. وحصلت حـ,ـادثة بسبب مكنة قديمة الإدارة كانت رافضة تصلحها. فيه عامل اتزنق جوه المكنة دي… كان اسمه عادل عبد العال.

كان أخو ميرفت الكبير. نور حاولت تنقذه بكل قوتها، دخلت وسط حديد المكن، وإيدها اتجرحت، وقعدت تصرخ عشان حد يفصل الكهربا. بس لما الإسعاف وصلت، كان فات الأوان. المصنع رما التهمة على خطأ بشري عشان ميرفعوش تعويضات. وأهل عادل كانوا بيدوروا على أي حد يرموا عليه غلهم وكرههم… وميرفت اختارت نور. فصليت تلات سنين عايشة على وهم إن نور هي السبب في مـ,ـوت أخوها، تلات سنين بتكبر جواها غل مش عارفة توديه فين.

ولما فايزة حكتلها عن شكوكها في التحويلات، ميرفت لقت الفرصة الذهبية قدامها. وقالت لفايزة الست دي مـ,ـوتت واحد قبل كده، ودلوقتي جاية تقضي على أخوكِ. وفايزة، اللي كان عميها الخوف وحب السيطرة، صدقتها وعينها مقفولة. ميرفت خططت لكل حاجة بصبر. قربت من فايزة وبقت تدلها على نصايح، وتديها الأعشاب المسـ,ـمومة، وتخترع قصص عن ستات بيخونوا أزواجهم، وعلمتها إزاي تبص لكل حركة بتعملها نور وكأنها دليل إدانة. ليلة البلكونة، ميرفت دخلت العمارة

بنسخة المفتاح اللي فايزة كانت شايلاها مع البواب عشان لو عوزناها في أي وقت. طلعت الشقة بعد ما شريف قفل على نور البلكونة. كانت عايزة تشوفها وهي بتتعذب، وتجبرها تعترف بحاجة معملتهاش. بس لقت نور شبه غايبة عن الوعي. نور من كتر اليأس والخوف، أخدت مهدئات بجرعة زيادة. مكانتش عايزة تمـ,ـوت بالمعنى الحرفي؛ كانت عايزة تنام، تهرب من الوجع، وماتسمعش صوت جوزها في دماغها وهو بيقولها يا كدابة. ميرفت خافت.

حاولت تحركها، فنور وقعت وسندت على سور البلكونة، وده اللي ساب الأثر المبلول. والمية اللي كانت في الصالة كانت بسبب كوباية ميرفت قلبتها وهي داخلة ومسحتها برجلها وهي رايحة البلكونة. وعُقب السيجارة ورا الزرع كان من ميرفت وهي بتدخن وبتفكر تطلب الإسعاف ولا تهرب؟ في الآخر، هربت وسابتها. ولولا إن جارتهم كانت نازلة تشتري عيش الفجر وشافت نور واقعة تحت وكلمت الإسعاف، كانت نور مـ,ـاتت. لما شريف عرف التفاصيل دي كلها، محسش بالراحة.

حس بالخزي والعـ,ـار من نفسه. لأن آه ميرفت هي اللي سمت نور. وآه فايزة كانت شريكة بجهلها وكبريائها ورغبتها المريضة إنها تطلع صح. بس هو… هو اللي قفل الباب بايديه. هو الزوج اللي فضل الشك على إنه يسأل ويطمن. الزوج اللي ساب أخته تهين مراته على سفرته وفي بيته. الزوج اللي شاف دموع مراته واعتبرها دليل إدانة. في اليوم التالت، نور فوقت تماماً. شريف دخل أوضة المستشفى وإيديه بترتعش. كان جايب معاه ورد، بس لما شاف وشها الباهت عرف قد إيه الحركة دي تافهة وملهاش معنى. مفيش ورد في الدنيا يقدر يداوي اللي حصل.

نور كانت ساندة ضهرها وبتبص من الشباك. كان تحت عينيها هالات سودا غويطة، وفيه شاش على إيدها مكان الكانيولا. نور همس بصوت واطي. ملفتش وشها ليه علطول. ولما بصتله أخيرًا، شريف حس بحاجة بتتكسر جواه. مكانش فيه كره في عينيها… الكره كان هيبقى أسهل بكتير. كان فيه تعب. تعب شديد، كأن مبقاش فيها حيل حتى تعاتب أو تصرخ. أنا عرفت كل حاجة قالها موضوع والدتك، وميرفت، وأخوها. نور غمضت عينيها

أنا حاولت أنقذه والله. عارف. محدش صدقني وقتها. شريف نزل راسه الأرض ولا أنا صدقتك. أخدت نفس عميق، ونزلت دمعة من على خدها دي أكتر حاجة وجعتني. شريف قعد على الكرسي اللي جنب السرير بس ممدش إيده يلمسها أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني النهاردة، ماليش حق أصلاً. أنا جاي أقولك إني هروح أشهد بكل حاجة. اللي عملته ميرفت، واللي عملته فايزة، واللي عملته أنا. لأن حتى لو القانون مش هيعاقبني زيهم، أنا عارف إني خـ,ـنتك وخذلتك.

نور بصتله بسكوت ماما محتاجة العملية. تمنها اتدفع خلاص رد شريف بسرعة كلمت المستشفى في طنطا وحجزنا كل حاجة. ومش بعمل كده عشان أشتري رضاكي أو سماحك، بعمل كده لأن ده اللي كان المفروض يتعمل من الأول… إني أكون ضهرك وسندك. نور غطت بقها بإيدها وبكت من غير صوت. شريف هو كمان بكى. مفيش مشهد تصالح من بتوع المسلسلات حصل. كانوا مجرد اتنين مكسورين، قاعدين في أوضة بيضا، عارفين ومدركين إن فيه جروح مبتلمش بكلمة آسف.

الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن تحقيقات، وجلسات، ومستشفى، وسكوت تقيل. ميرفت اتأحالت للمحاكمة بتهمة الشروع في القـ,ـتل والتسـ,ـميم. محاميها حاول يتكلم عن الوجع، والصدمة، وفقدان أخوها، بس القاضي كان حاسم الوجع ميديهاش الحق تخرب حياة غيرها. حكم عليها بالسجن المشدد. فايزة متسجنتش، بس خسرت حاجة بالنسبة لها كانت أوحش من السجن خسرت مكانتها وأخوها وللأبد. قبل ما ترجع طنطا، راحت المستشفى. وقفت عند باب الأوضة ومجرتش تدخل نور قالت بصوت مكسور مش طالبه منك تسامحيني. أنا بس عايزة أقولك إني قـ,ـرفانة من نفسي وندمانة.

نور بصت لها من على السرير، وفضلت ساكتة كام ثانية، بعدها ردت الندم مش هيرجعلي الليلة اللي قضيتها وأنا فاكرة إن جوزي بيكرهني وشايفني خـ,ـاينة. فايزة حطت إيدها على صدرها بوجع عارفاة. خلاص، عيشي بالوجع ده قالت نور وأنا هحاول أعيش باللي حصلي. فايزة مشيت وهي بتعيط. شريف وصلها لحد موقف الأتوبيس. مكنش فيه عتاب ولا لما ميبقوش عارفين هل هما بيودعوا بعض لكام شهر، ولا العمر كله؟ خلي بالك منها يا شريف قالت فايزة وهي بتركب.

شريف ضغط على سنانه ده اللي كان المفروض أعمله من الأول. لما نور رجعت الشقة، كل حاجة كانت زي ما هي السفرة، الكوبايات، قوارير الزرع، الستائر. بس بالنسبة لها، مكانيش حاجة زي الأول. البلكونة كانت لسه واقفة مكانها، ساقعة، ساكتة، وذكرى الليلة دي لازقة في الإزاز. في يوم الظهر، وقفت قدام باب البلكونة بتطالعها. شريف كان مراقبها من المطبخ. أنا مش قادرة أعيش هنا قالت من غير ما تلتفت له كل ما ببص للبلكونة دي، برجع أسمع صوت الترباس وهو بيقفل عليا.

شريف حط الكوباية اللي في إيدها وقال هنمشي. مش لازم تعمل كده عشان حاسس بالذنب. مش عشان الذنب قالها عشان البيت ده مبقاش أمان ليكي. عزلوا ونقلوا لبيت صغير في حي المعادي، قريب من شارع هادي ريحته الصبح بتبقى قهوة وعيش طازة وريحة الشجر المبلول بعد المطر. نور أخدت زرعها معاها، وشريف أخد حاجات قليلة جداً، والباقي كله باعوه أو تبرعوا بيه. ولشهور طويلة، عاشوا بالراحة وخطوة خطوة. كان فيه أيام حلوة فطار هادي، تمشية في الهدوء، ومكالمات مع طنط آمال بعد ما عملت العملية ونجحت والحمد لله.

وكان فيه أيام وحشة نور تقعد ساكتة بالساعات مش بتتكلم، وشريف يصحي الفجر مفزوع يطمن عليها ويشوفها لسه جنبه ولا لاء، كأنه راجل محكوم عليه يعيش يفتكر غلطته طول العمر. وفي ليلة مطر، نور عملت شاي بمرمية، وقعدوا في البلكونة الصغيرة الجديدة. ومحدش فيهم اتكلم لوقت طويل. شريف قالت أخيرًا أنا مش عارفة لو كان هيجي يوم وأسامحك زي الأول ولا لاء. هز راسه فاهم ومقدر ده. بس في نفس الوقت، مش عايزة أعيش عمري كله وأنا بكرهك.

شريف حس بغصة ونغزة في حلقه. ونور بصت للمطر وهو بينزل على الزرع اللي حصل ده علمني حاجة مرعبة.. إن الست ممكن تنام جنب جوزها في نفس السرير، وتكون لوحدها تماماً. غمض عينيه بألم مش عايزك تحسي إنك لوحدك معايا تاني أبداً. دي حاجة مش بتتأصل بالوعود يا شريف قالت له دي حاجة بتثبتها الأيام والأفعال. من وقتها، شريف اتعلم يسأل قبل ما يتخيل أو يشك. اتعلم يسمع الإجابة كاملة قبل ما يدافع عن كبريائه ورجولته. اتعلم إن الأهل مش دايماً بيحموا؛ ساعات بيقتحموا، ويحشروا نفسهم، ويشكوا، ويخربوا البيوت باسم الحب.

واتعلم كمان إن سكوت الست مش دايماً دليل إدانة أو كدب. ساعات بيبقى قلة حيل وتعب. ساعات بيبقى خوف. وساعات بيبقى طريقة انتـ,ـحار بطيئة عشان متقلقش حد عليها وهي بتتفرفط من الجوه. نور مرجعتش زي الأول، بس مستسلمتش. رجعت كملت كورس الحلويات بتاعها، وبقت تزور أمها كل أسبوعين. وبدأت تبتسم تاني، مش بنفس البراءة بتاعت زمان اللي فاكرة إن الحب كفاية، بس بقوة الست اللي مرت بالخيانة والوجع ووقفت على رجليها تاني.

بعد سنة، شريف استلم جواب من فايزة مكتوب بخط إيدها مش بطلب نرجع نتكلم. أنا بس عايزاك تعرف إني كل يوم جمعة بولع شمعة وبدعي لنور. هي علمتني متأخر إن حبك لشخص مش معناه إنك تملك حياته أو تقرر مكانه. لو جه يوم وقبلت تشوفني، هاجي. لو رفضت، هفهم وأحترم ده. شريف ورى الجواب لنور. قرأته بهدوء، وطبقته وشالته في الدرج لسه مش دلوقتي. شريف مألحش عليها. وده كان درس تاني اتعلمه السماح ملوش جدول مواعيد.

مش بيتفرض. مش بيتسرع.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى