
كريم قام بيجري كأنه غريق وشاف قارب نجاة. افتكر إن أمه جابت واسطة كبيرة عشان تخرجه، أو إن المحامين لقوا ثغرة في القضية. خرج بسرعة وراه العسكري لحد أوضة الزيارة اللي يفصلها سلك حديد ضخم. أول ما دخل، لقى اللي قاعدة مستنياه مش أمه.. دي كانت الدكتورة دينا فؤاد، وبجوارها الأستاذ رفعت محامي اللواء أحمد، ومعاهم ضابط تنفيذ أحكام. كريم اتصدم ورجع لورا: — إنتي؟ جاية ليه؟ فين أمي؟ فين المحامين بتوعي؟
الدكتورة دينا بصت له بنظرة احتقار شديدة، وطلعت من شنطتها ورق وحطته على السلك: — مفيش أم ومفيش محامين يا كريم. أنا جاية هنا بصفتي الطبيبة اللي كانت متابعة حالة ندى، وبصفتي شاهدة إثبات رئيسية في القضية الجنائية اللي مرفوعة عليك. أنا جيت أقولك إن شهادتي في النيابة النهاردة اتقفلت.. وأنا قدمت كل الرسايل والتحذيرات اللي بعتهالك على تليفونك، وقدمت تقرير الطوارئ اللي بيثبت إنك كنت قاصد تسيبها تمـ,ـوت. المحامي رفعت اتدخل بصوت جهوري وهادي:
— ومش بس كدة يا باشمهندس.. أنا جاي أسلمك الإعلان ده بصفتي وكيل عن الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن.. قضية خلع وتنازل عن الولاية التعليمية والوصاية على الطفل، مع حرمانك من الرؤية لحين صدور حكم نهائي في قضية الشروع في القتـ,ـل والإهمال. إنت انتهيت يا كريم.. رسميًا وقانونيًا. كريم بدأ يضـ,ـرب على السلك الحديدي بهيستريا ويصرخ: — مش هطلق! مش هسيبها تاخد ابني! دي مراتي! أنا معملتش حاجة.. أمي هي اللي قالتلي! روحوا قبضوا على أمي!
الضابط اللي واقف جنب المحامي قاله ببرود: — والدتك الحاجة سهير متقدم فيها بلاغ حاليًا بالتحريض والمشاركة في جريمة تعريض حياة مواطنة وجنينها للخطر، وقوة من مباحث مدينة نصر رايحة تفتش شقتها دلوقتي عشان تطلبها للتحقيق.. يعني مفيش حد برة هيشيلك يا كريم، إنتوا الاتنين هتحصلوا بعض جوة. كريم ركبه سابت تماماً واقعد على الأرض جوة القفص وهو بيصرخ ويبكي، والعساكر سحبوه لداخل الزنزانة وصوت صريخه مالي الممرات. بعد يومين.. ندى خرجت من المستشفى أخيرًا.
العربية وقفت قدام فيلا اللواء أحمد في التجمع الخامس.. المكان اللي هتبدأ فيه حياتها الجديدة. سيف كان هو اللي سايق العربية، ونزل بسرعة فتح الباب لندى، وشال عنها الشنط وهو بيطمن عليها في كل خطوة. ندى دخلت الفيلا وهي شايلا ابنها “أحمد”، وحست لأول مرة بنسمة هوا نضيفة تدخل صدرها بعد سنين من الخنق والتحكم والإهانة. اللواء أحمد جمعهم كلهم في صالون الفيلا، وبص لسيف وندى وقال بنبرة حاسمة:
— القضية هتنزل أول جلسة جنـ,ـايات الأسبوع الجاي.. وكريم وأمه هيتحاكموا محاكمة عادلة وهياخدوا جزاءهم. بس أنا عايز يقين نفسي لبنتي.. عايزها تبدأ حياتها وهي عارفة إن اللي جاي ملوش علاقة باللي فات. سيف بص لندى وقال وعينيه مليانة صدق: — وأنا مستعد أستنى العمر كله يا سيادة اللواء.. المهم ندى ترجع تقف على رجليها وتفتح مكتبها من تاني.. وأنا هكون أول واحد واقف في ضهرها. ندى بصت لسيف، ولأول مرة تحس إن قلبها بيطمن بجد، وإن الوجع اللي عاشته على بلاط المطبخ كان هو التمن الباهظ عشان تخرج من سجن كريم وترجع لحضن الأمان.
لكن.. في نفس اللحظة دي، وتحديدًا في شقة الحاجة سهير في مدينة نصر.. القوة الأمنية كانت واقفة قدام الباب المقفول، والضابط بيخبط بعنف: “افتحي يا مدام سهير.. معاكي أمر ضبط وإحضار من النيابة!”. جوة الشقة.. كانت الحاجة سهير قاعدة في الضلمة، وشها شاحب كأنه جـ,ـثة، وفي إيدها تليفونها وبتبص على صور ابنها كريم وهي بتترعش. فجأة، سمعت صوت كـ,ـسر الباب الخارجي ودخول العساكر.. الست قامت مفزوعة، وبصت من شباك البلكونة لقت عربيات الشرطة مالية الشارع والناس بتبص لفوق.
سهير مسكت قلبها وحست بوجع رهيب، نفس الوجع اللي ندى حست بيه وهي في المطبخ.. وجع غريب ومفاجئ، ووقعت على سجادة الصالون وهي مش قادرة تاخد نفسها، وعينيها بتلف في الأوضة الفاضية.. وهي بتهمس باسم ابنها اللي ضيعته وضيعها معاها. الجزء الثامن: العساكر كسروا باب الشقة ودخلوا والأسلحة في إيديهم، لكن أول ما الضابط خطى جوة الصالون، وقف مكانه واتصدم. الحاجة سهير كانت مرمية على السجادة، إيدها قابضة على صدرها بعنف، وتليفونها اللي عليه صورة كريم واقِع جنب راسها. وشها كان أزرق وعينيها مفتوحة على الآخر وبتبص للسقف بذهول، والنفس خارج منها بصعوبة وزي الحشرجة.
الضابط وطى عليها بسرعة، حط صوابعه على رقبتها يشوف النبض، وصرخ في العساكر: — اطلبوا الإسعاف فورًا! الست دي بتجي لها جلطة في القلب! المشهد كان فيه عدالة إلهية غريبة ومخيفة؛ الست اللي سابت ندى تنزف وتمـ,ـوت لوحدها عشان “برستيج” حفلتها، كانت دلوقتي بتمـ,ـوت لوحدها في شقتها، والشرطة اللي جاية تقبض عليها هي اللي بتحاول تنقذها. عربية الإسعاف جت وشالتها ونقلوها على مستشفى عين شمس التخصصي تحت حراسة مشددة. الدكاترة دخلوا بيها على الرعاية المركزة، والتقرير المبدئي قال: “احتشاء حاد في عضلة القلب (جلطة) نتيجة ضغط عصبي شديد، والحالة غير مستقرة”.
في نفس الوقت، وتحديدًا بعد مرور أسبوع، كانت محكمة جـ,ـنايات القاهرة في التجمع الخامس مقلوبة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها بالصحفيين والمحامين، لأن القضية بقت قضية رأي عام، والكل بيتكلم عن “مهندس مدينة نصر اللي ساب مراته الحامل بنزيف عشان يحضر عيد ميلاد أمه”. كريم الشناوي دخل القفص الحديدي، وكان في حالة يرثى لها. شعره المحلوق ميري، وجسمه اللي خس النص، والكلبش اللي رابط إيده بإيد عسكري الحراسة. كان بيبص حواليه برعب، لحد ما عينه جت على المقاعد الأمامية في القاعة.
هناك.. كانت قاعدة ندى عبد الرحمن. لابسة فستان أسود أنيق، ووشها رجع له النور والصحة، وجنبها كان واقف سيف المنشاوي ببدلته، واللواء أحمد عبد الرحمن قاعد بهيبته ووقاره في أول صف. ندى بصت لكريم نظرة واحدة.. مكنش فيها غل ولا انتقام، كانت نظرة “قرف وشفقة”، كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة في حياتها. كريم أول ما شافها، دموعه نزلت وصاح من ورا القضبان بصوت مكسور: — ندى! سامحيني يا ندى! أنا اتدمرت جوه.. أبوس إيدك تنازلي عن القضية.. أنا ابننا محتاجني!
ندى لفت وشها الناحية التانية ببرود تام، وسيف حط إيده على كتفها عشان يطمنها ويثبتها. “محكمة!”.. صرخ الحاجب، والكل وقف في ثانية. دخل المستشار رئيس المحكمة ووعلى يمينه ويساره اليمين واليسار من القضاة الأجلاء. بدأت الجلسة، ووقف الأستاذ رفعت، محامي ندى، وفجر مفاجأة قانونية جديدة هزت القاعة. وقف قدام المنصة وقال بصوت جهوري:
— سيادة الرئيس، نحن لا نطالب فقط بتطبيق مواد قانون العقوبات الخاصة بالامتناع عن الإغـ,ـاثة والإهمال، بل نطالب بتعديل القيد والوصف في القضية إلى “جناية الشروع في القـ,ـتل العمد مع سبق الإصرار”! المتهم كان يعلم يقينًا خطورة حالة المجني عليها، وباعترافه في تحقيقات النيابة، قال إنه أراد “تأديبها” لأنها أرادت إفساد حفل والدته.. والتأديب بترك امرأة تنزف حتى المـ,ـوت هو شروع في قتـ,ـل صريح! قاعة المحكمة ضجت بالهمسات، وكريم بدأ يصرخ ويبكي:
— لاء يا فندم! أنا مكنتش عايز أمـ,ـوتها! أنا بس سبتها كام ساعة! القاضي خبط بالشاكوش بعنـ,ـف: — سكوت في القاعة! المتهم يتكتم خالص وإلا هحكم عليه بطرد من القلسة بتهمة إهانة الهيئة! في نفس الجلسة، اتطلب شهادة الدكتورة دينا فؤاد، اللي وقفت وقالت بكل أمانة طبية إن التأخير لو كان زاد عن 10 دقائق كمان، كانت ندى وابنها هيبقوا في عداد الأموات، وإن الرحم بتاع ندى اتهتك بالكامل. المستشار رفع عينيه وبص لكريم وقال له:
— لسه متمسك بأقوالك يا متهم؟ كريم انهار تمامًا وقعد على ركبته في أرضية القفص وهو مخبي وشه بين إيديه ومش بيرد. بعد ساعات من المداولة الساخنة، القاضي رفع الجلسة للقرار. وفي الاستراحة، سيف قرب من ندى وقال لها بحنان: — خلاص يا ندى.. كابوسك بيقفل بابه الأخير النهاردة. حقك وحق ابنك بيرجع قدام عيون مصر كلها. ندى أخدت نفس عميق وقالت: — أنا مش فارق معايا هو هياخد كام سنة يا سيف.. أنا اللي فارق معايا إن ابني أحمد يكبر وهو عارف إن أبوه الحقيقي مش الراجل اللي في القفص ده.. أبوه هو اللي صان أمه ووقف جنبها.
سيف بص في عينيها وقال بنبرة مليانة وعد: — وأنا هكون له الأب والظهر يا ندى.. من بكره مكتب المحاماة بتاعك هيتفتح من تاني، وأنا هكون أول شريك ليكي في كل خطوة. رجع القاضي للمنصة، وساد صمت رهيب في القاعة لدرجة إن صوت أنفاس كريم المكتومة كان مسموع. القاضي مسك ورق الحكم، ونظارته على طرف مناخيره، وقرأ بصوت هز جدران المحكمة:
— بعد الاطلاع على المواد القانونية، وبناءً على ما استقر في يقين المحكمة وثبوت الأركان الجنائية وبشاعة الجرم الذي يتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية.. حكمت المحكمة حضوريًا على المتهم كريم الشناوي بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات.. غيابيًا على المتهمة سهير الشناوي بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات بتهمة التحريض والمساعدة.. مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة. رُفعت الجلسة! خبطة الشاكوش الأخيرة كانت بمثابة إعلان وفاة لكريم، اللي صرخ صرخة مرعبة واغمى عليه جوه القفص، والعساكر سحبوه كأنه جـ,ـثة هامدة لزنزانة الترحيلات ومنها لسجن ليمان طره عشان يقضي عقوبته.
خرجت ندى من المحكمة وهي ماسكة في إيد أبوها اللواء أحمد، وإيد سيف الناحية التانية. الشمس كانت حامية، لكن ندى حست إن الهوا النهاردة طعمه مختلف.. خلاص، العدالة اتحققت. بعد يومين.. ندى كانت قاعدة في صالون فيلا أبوها، بتلاعب ابنها أحمد اللي بدأ يكبر وصحته بقت ممتازة. التليفون رن، لقت المتصل المستشفى التخصصي. ردت، وجاء صوت الطبيب المعالج للحاجة سهير:
— أيوة يا فندم.. الأستاذة ندى؟ إحنا بنبلغ حضرتك إن المريضة سهير الشناوي فاقت من الغيبوبة بعد جلطة القلب.. وحالتها شبه مستقرة، لكن الجلطة سابت أثر.. جالها شلل نصفي كامل وفقدت القدرة على النطق.. وهي حاليًا بتشاور بـ إيدها وعايزة تشوفك أنتي وابن كريم.. تحبي تيجي؟ ندى مسكت التليفون، وبصت لابنها الصغير اللي بيضحك في حضنها، وبصت لسيف اللي كان لسه داخل من الباب ومعاه ورد وشنطة أوراق قضية جديدة بيجهزوها سوا..
ندى سكتت ثواني، وأخدت قرارها اللي هيغير مسار الحكاية كلها.. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم للقصص الكامله الجزء التاسع (وقبل الأخير): ندى فضلت ماسكة التليفون، وصوت الدكتور على الناحية التانية مستني ردها. بصت لسيف اللي كان داخل بابتسامته الدفية وفي إيده الورد، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان بيراقبها بنظراته الحكيمة الوعية. أخدت نفس طويل، وقالت للدكتور بنبرة هادية بس حاسمة:
— لاء يا دكتور.. مش هاجي، والبيبي مش هيشوفها. أنا مش شمتانة في مرضها، ربنا يتولاها ويسامحها.. بس الست دي وابنها خرجوا من حياتي وحياة ابني بلا رجعة. اللي يفرط في روح طفل وفي حياة بني آدم عشان كبريائه، ملوش مكان في دنيتنا. شكرًا لحضرتك. قفلت ندى الخط، وحست بوزن جبل عتيق بيتشال من فوق صدرها. سيف قرب منها، حط الورد على الترابيزة وقعد جنبها، وبص للبيبي أحمد اللي كان بيناغي وبيتحرك بخفة:
— في حاجة حصلت يا ندى؟ ندى ابتسمت وبصت في عين سيف: — كابوس الماضي اتقفل بضبت ومفتاح يا سيف.. دلوقتي وبس، أنا بقيت جاهزة للمستقبل. بعد مرور شهرين.. الأوضاع اتغيرت تمامًا.




