روايات

عيد ميلاد

في سجن ليمان طره، كان كريم الشناوي لابس البدلة الزرقا، قاعد في ورشة السجن وشه باهت وعينيه مطفية. المهندس اللي كان بيتقال له “يا باشمهندس” وبيتمنظر ببدله وعربياته، بقى مجرد نمرة في دفتر السجن. الأيام بتعدي عليه كأنها سنين، وكل ليلة لما النور يطفي، بيسمع في ودنه صوت كسر الكباية وصراخ ندى وهي بتقول له: “أنا بمـ,ـوت من الوجع”.. والندم بياكل في قلبه، بس ندم بعد فوات الأوان. وأمه، الحاجة سهير، اتنقلت لدار رعاية تابعة للمستشفى تحت حراسة عسكرية، عايشة على الأجهزة، مشلولة ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بتدوق من نفس كاس الوحدة والعجز اللي سابت ندى فيه.

في نفس الوقت، كان شارع شريف في وسط البلد منور. يافطة نحاسية ضخمة وجميلة كانت بتتعلق على باب عمارة عريقة، مكتوب عليها بماء الذهب: **”مكتب الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن والأستاذ سيف المنشاوي — للمحاماة والاستشارات القانونية”** المكتب كان مليان ورد، والمهنئين من رجال القانون والمحامين وأصدقاء العمر مالين المكان. ندى كانت واقفة في وسط المكتب ببدلة عمل أنيقة، ملامحها قوية وواثقة، وجنبها سيف اللي كان بيبص لها بفخر مش سايعه.. سيف رجع فتح مكتبه في مصر، وقرر يدمج شغله مع شغل ندى عشان يكونوا إيد واحدة في كل قضية.

اللواء أحمد دخل المكتب، وشايل على إيده أحمد الصغير اللي بقى عنده حوالي تلات شهور، ولابس بدلة صغننة شبه بدل جده. اللواء أحمد بابتسامة وقورة قال: — مبروك يا سيادة المستشارة.. مبروك يا سيف يا ابني. المحكمة دي مكانك الطبيعي يا ندى، وإنتي اتخلقتي عشان تجيب حوق الناس.. والنهاردة حقك وحق ابنك هو أول قضية كسبتيها في حياتك الجديدة. ندى باست إيد أبوها، وأخدت منه أحمد اللي أول ما شاف أمه ضحك ضحكة منورة ملأت الأوضة طاقة وأمل. سيف قرب منهم، وبص لندى وقال بصوت واطي مليان مشاعر وعود صادقة:

— ندى.. أنا استنيت سنين، وعديت بحور عشان اللحظة دي. أنا مش عايز أضيع ثانية واحدة تانية من عمري بعيد عنك وعن أحمد.. سيادة اللواء عارف بكل كلمة هقولها دلوقتي، وأنا بطلب إيدك قدام ربنا وقدام أبوكي.. تقبلي تتجوزيني يا ندى؟ وتقبلي تخليني أكمل عمري ضهر وأمان ليكي ولابننا؟ الكل سكت في المكتب، والعيون كلها اتجهت لندى اللي قلبها كان بيدق بسرعة.. بس المرة دي دقات فرحة، دقات حياة جديدة بتولد من وسط الرماد. بصت لأبوها اللي هز راسه بالموافقة والارتياح، وبصت لسيف اللي عينيه كانت مليانة صدق وأمان ملمستهوش مع حد تاني.

ندى ابتسمت والدموع لمعت في عينيها وقالت: — موافقة يا سيف.. موافقة أبدأ معاك من جديد. الفرحة ملأت المكان، والزغاريد اشتغلت من سكرتارية المكتب، والكل كان بيبارك ويهني.. لكن وسط الفرحة دي كلها، وتحديدًا بعد الجواز بأسبوع واحد وبداية الاستقرار.. ندى كانت قاعدة في مكتبها بالليل، بتراجع أوراق قضية جنائية كبيرة، وسيف كان في الأوضة التانية بيجهز مذكرات الدفاع. فجأة، تليفون ندى الشخصي رن.. الرقم كان غريب ومش مسجل، ومكتوب عليه “اتصال دولي من خارج مصر”.

ندى استغربت وفتحت الخط: — ألو.. السلام عليكم.. مين معايا؟ جاء صوت راجل غريب، نبرته حادة وفيه بحة مرعبة، وقال بجملة واحدة جمدت الدم في عروق ندى: — الأستاذة ندى عبد الرحمن؟ مبروك عليكي المكتب الجديد والجوازة الجديدة.. بس افتكري إن كريم الشناوي ليه إخوات من أبوه عايشين بره مصر.. وإلي اتعمل في كريم وأمه مش هيمر بالساهل.. وابنك أحمد، إحنا أولى بيه! وقبل ما ندى تنطق بكلمة، الخط اتقفل!

الجزء العاشر والأخير: ندى حست إن الأكسجين هرب من الأوضة، والتليفون وقع من إيدها على مكتبها الخشب. جسمها كله بدأ يرتعش، وبصت للخط المقفول وهي مش مصدقة.. هل الكابوس لسه مخلصش؟ هل الشجرة الملعونة دي لسه ليها فروع برة مصر وعايزة تنهش في حياتها وحياة ابنها؟ سيف دخل الأوضة وفي إيده كباية قهوة، أول ما شاف وشها الشاحب وعينيها الزايغة، حط الكباية بسرعة وقرب منها: — ندى! في إيه؟ مالك يا حبيبتي وشك عامل كدة ليه؟

ندى صامدة وبتحاول تطلع صوتها: — سيف.. في مكالمة جتلي دلوقتي.. مكالمة دولي. واحد بيقول إن كريم ليه إخوات من أبوه بره مصر، وبيتنططوا وبيقولوا إن حق كريم وأمه مش هيضيع.. ويهددوني بـ أحمد ابني! سيف ملامحه اتحولت في ثانية للغضب والجدية، أخد التليفون وشاف الرقم، وضم قبضة إيده بقوة. لكنه أخد نفس طويل وبص في عين ندى بكل ثبات وأمان:

— ندى.. بصيلي هنا. كريم الشناوي انتهى، واللي بره دول لو كانوا يقدروا يعملوا حاجة مكنوش استخبوا ورا تليفون دولي ماسكينه وجايين يهددوا بيه ست في مكتبها. إنتي مش لوحدك، إنتي معاكي سيف المنشاوي، ومعاكي اللواء أحمد عبد الرحمن. وزي ما دوقنا كريم الأدب بالقانون، أي حد هيفكر يمس شعرة منك أو من ابننا.. هندفنه مكان ما هو واقف.

في نفس الليلة، سيف بلغ اللواء أحمد بالمكالمة. اللواء أحمد مأخدش الموضوع باستهتار، وخلال 24 ساعة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والإنتربول الدولي، اتعرفت هوية صاحب الرقم.. طلع أخو كريم من أبوه، عايش في دولة عربية وهربان من قضايا شيكات ونصب هناك. وبأمر سيادي، تم إدراج اسمه على قوائم الترقب والوصول، وبقى ممنوع يدخل مصر، واتعملت عليه قضية تهديد وترويع دولي.. وبكدة، اتقطعت آخر فروع الشجرة دي قبل ما تفكر تنبت من تاني.

بعد مرور خمس سنين.. الزمان: يوم مشمس وجميل في حديقة فيلا اللواء أحمد. المكان: حفلة عيد ميلاد صغيرة ومبهجة، بس مش زي حفلات زمان.. دي كانت حفلة مليانة حب حقيقي ودفا. أحمد الصغير بقى عنده خمس سنين، لابس قميص أبيض وبنطلون جينز، وعينيه بتلمع بالذكاء والشقاواة، وعمال يجري ورا الكورة في الجنينة ويضحك بصوت عالي: — بابا سيف! شوت الكورة يلا يا بابا!

سيف كان بيجري وراه وبيضحك من قلبه، وشاط له الكورة وأخده في حـ,ـضنه ورفعه لفوق في الهواء، وأحمد بيضحك وصوت ضحكته مالي المكان. اللواء أحمد كان قاعد على كرسي هزاز، لابس نظارته وباصص لهم وابتسامته واصلة لقلبه، حاسس إنه أدى الأمانة وصان بنته وحفيده.

ندى كانت واقفة بره البلكونة، ماسكة كباية عصير، ولابسة فستان رقيق.. بطنها كانت بارزة شوية، لأنها كانت حامل في الشهر الخامس بـ “بنت”، وسيف صمم يسميها “ندى” على اسم أمها. ندى بصت لأحمد وهو في حضن سيف، واضايقت للحظة لما افتكرت الماضي، بس بسرعة الابتسامة رجعت لوشها.. لأنها عرفت إن ربنا عوضها بـ “الراجل” اللي بجد، اللي شال ابنها في قلبه وعينه قبل ما يشيله على إيده.

وفي زاوية ضلمة من الدنيا.. وتحديدًا في مصحة الرعاية الحكومية، كانت الحاجة سهير قاعدة على كرسي متحرك، مشلولة تمامًا، عينيها متبتة في الحيطة، ومش قادرة حتى تذوب دبانة عن وشها، تفتكر ابنها اللي في السجن، وتبكي دموع عاجزة من غير صوت. وكريم، جوه زنزانته، لسه بيعد الأيام والسنين اللي باقية من عقوبته، وحيد، منبوذ، وضاعت حياته وهيبته تحت حيطان ليمان طره. سيف ساب أحمد يجري، وقرب من ندى، حط إيده على كتفها وبص معاها على ابنهما وهو بيلعب:

— بتفكري في إيه يا سيادة المستشارة؟ ندى سألت راسها على كتفه وأخدت نفس عميق من الهوا النظيف: — بفكري في حكمة ربنا يا سيف.. وفي الطريق اللي مشيناه. ### الحكمة من القصة: > **”البيوت لا تُبنى بالوجاهة الاجتماعية والبدل الأنيقة، بل تُبنى بالمودة والرحمة والصون في أوقات الشدة.”** > إن الرجولة ليست مجرد كلمة أو مظهر خارجي يُزين المرايا، بل هي “مواقف وأمان”. المرأة قد تتحمل الفقر، وقد تتحمل قسوة الظروف، لكنها أبداً لا تنسى “الرجل” الذي تركها تنزف وحيدة ليشتري رضا كبريائه وأنانية أهله.

> والعدالة الإلهية بطيئة لكنها حاسمة؛ فمن ترك نفسًا تمـ,ـوت عجزًا ووحدة، دارت الأيام وسقاه الله من نفس الكأس ليذوق مرارة العجز والوحدة وهو حي يرزق. حقق الله العدالة لندى، ليس فقط لأن أباها لواء، بل لأن دموع المظلوم في جوف الليل هي أسرع سهم يصل إلى عرش الرحمن. **تمت القصة.** الكاتب رومانى مكرم

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى