روايات

أنا وسلفتى

الحاج توفيق (عم حمايا) حس بالحركة الغريبة في الشارع، ونزل جري على محمود وزعق فيه: * “إنت بتعمل إيه يا محمود؟! مين الناس اللي واقفة تحت البيت دي؟ إنت عايز تخرب البيت بجد؟ عيال الدرب الأحمر لو شموا خبر، البلد دي هتقوم مش هتقعد!” محمود بصله بعين حمرا ومليانة شر وقال: * “أنا مش همـ,ـوت مكسور يا عم توفيق.. اللي عايز يجي ياخد حقه يجي ياخده بدراعه! والرجالة دي جاية تحمي شرف البيت اللي ضاع يوم الخميس!”

## العاصفة تقترب.. عيون فهد الصاحية على الجانب التاني، في الدرب الأحمر، قبل ما نتحرك بـ3 ساعات.. كان “فهد” ابن عمي واقف مع اتنين من أصحابه اللي ليهم عيون في منطقة جوزي. التليفون رن، وفهد رد بسرعة: * “إيه الأخبار يا جابر؟ الرجالة هناك وضعها إيه؟” صوت جابر جه مهزوز وسريع من التليفون: * “الحق يا فهد.. محمود مش ناوي على خير! لم رجالة غريبة من برة البلد، ماليين القهوة وتحت مدخل البيت، ومعاهم سل*اح ظاهر ومستور.. ده عاملكم كمين عشان أول ما تدخلوا الشارع يطبقوا عليكم!”

فهد ضغط على سنانه ووشه اتغير تماماً. قفل السكة ودخل الصالة الكبيرة حيث كان عمي سيد وأبويا وخالي قاعدين بيشربوا القهوة وبيستعدوا للنزول. فهد وقف وقال بصوت جهوري: > **”عمي سيد.. أبويا عبد الحميد.. محمود الكلب غدر! عاملنا كمين تحت البيت برجالة جايبهم من برة.. ناويين يغدروا بينا أول ما نوصل الشارع!”** > أبويا قام وقف فجأة وعينه وسعت من الصدمة: “يغدر بينا بعد ما عطيناه كلمة رجالة وقعدة حق؟!”

عمي سيد وقف براحة هادية غريبة، خبط بعصايته في الأرض خبطة واحدة رنت في البيت كله، وضحك ضحكة قوية كشفت عن قوته وهيبته، وقال بنبرة تقطر تحدي وثقة: * **”الغدر شيمة الردي يا عبد الحميد.. والندل طول عمره بيفضل ندل! هو فاكر إنه بكام عيل جايبهم من الجبل هيخوف رجالة الدرب الأحمر؟”** لف عمي سيد وبص لـ فهد و”إبراهيم” ولاد عمي وقالهم:

> **”اتصل بكل رجالة الحتة.. عيال أبو فهد، ورجالة سوق الس*لاح، وولاد عمامكم كلهم.. الليلة دي مش قعدة صلح.. الليلة دي هتبقى درس لتعليم الأصول، والشارع ده مش هيدخله غير الرجالة اللي بجد.. اجهزوا يا رجالة، الطوفان طالع، والمرة دي الس*لاح صاحي ومش مستور!”** > ## المسير نحو الجحيم الساعة بقت 8 بالليل.. ميعاد القعدة. الشارع اللي فيه بيت جوزي كان واقف على شعرة. رجالة الجبل واقفين مستعدين، ومحمود واقف في بلكونة شقته عينه على أول الشارع مستني اللحظة اللي يدخل فيها موكب أهل سماح عشان يعطي إشارة البدء.

فجأة.. الصوت في أول الشارع اتقطع تماماً. كل العيون لفت وبصت.. موكب رجالة الدرب الأحمر ظهر.. بس مكنش زي المرة الأولى. المرة دي كانوا نازلين في تلات ميكروباصات وعربيات ملاكي قفلت أول الشارع وآخره. نزلوا الرجالة.. طابور طويل ملوش آخر، يتقدمهم عمي سيد وأبويا وخالي، ووراهم فهد وإبراهيم وشباب الحتة كلهم، وماشيين بخطوات سريعة وصامدة، والكل عينه في عين رجالة الجبل اللي واقفين على القهوة. “أبو نمر” كبير رجالة الجبل قام وقف من على الكرسي، وبص للمنظر وبدأ يدرك إن اللعبة أكبر بكتير مما محمود فهمه..

بدأت الخطاوي تقرب، والأنفاس تتحبس، والكل حاطط إيده على زناد الغضب.. يا ترى الرصاصة الأولى هتطلع من مين؟ ومين اللي هيشيل ليلته في عز الضهر؟ ## ليلة كسر العظم.. والصدام الكبير الشارع اتكهرب في ثانية واحدة، الهوا فجأة بقى تقيل وميتنفسش. رجالة الجبل اللي جابهم محمود وقفوا على رجل واحدة، “أبو نمر” رمى الشيشة من إيده على الأرض اتفتت ميت حتة، وعيونه اتسعت وهو بيشوف طوفان الدرب الأحمر اللي ملوش أول من آخر وهو بيقفل مخارج الشارع ومداخله. العربيات والميكروباصات وقفت بالعرض، ونزل منها شباب بعزيمتهم وهيبتهم، وكل واحد فيهم عينه بتنطق مـ,ـوت وجاهز للإشارة.

عمي سيد وقف في نص الشارع، على بعد خطوات قليلة من القهوة اللي واقف عليها رجالة الجبل. خبط بعصايته الأبنوس في الأرض وبص لـ”أبو نمر” ونادى عليه بصوت هز جدران البيوت: > **”يا أبو نمر!.. إنت راجل غريب عن الحتة دي، وإحنا ملناش معاك لا خصومة ولا طار.. لكن اللي جابك هنا غماك وضحك عليك، ومفهمكش إن اللي هتقف في وشهم دول هما رجالة الدرب الأحمر اللي بياكلوا الحديد لو شرف حريمهم اتمس!”**

> أبو نمر بص حواليه، لقى نفسه ورجالته محاصرين من كل اتجاه. رجالة السوق وشباب العيلة مغطيين الأسطح والمداخل، وبنظرة سريعة من راجل خبير في الأصول وفي لغة الس*لاح، عرف إن محمود وداه في داهية وحطه في وش المدفع مع ناس مبتخافش. أبو نمر خطى خطوتين لقدام، ورفع إيده لرجالته عشان محدش يتحرك، وبص لعمي سيد وقال بنبرة فيها احترام وهيبة:

* “يا حاج سيد.. إحنا مجيناش نعتدي على حد، ومحمود قالنا إن فيه ناس جاية تبلطج عليه في بيته وعايزة تاكل حقه غصب.. وإحنا صلة قرابة ومبنقبلش الضيم لنسيبنا.. بس طالما الكلام فيه شرف وأصول، والشارع واقف فيه رجالة الدرب الأحمر.. يبقى الكلام ملوش سكة س*لاح.. الكلام ليه سكة تانية!” ## الغدر ينقلب على صاحبه في اللحظة دي، محمود سلفي كان واقف في البلكونة، عينه كانت بتدور على الإشارة اللي كان مستنيها من أبو نمر عشان يبدأ الضـ,ـرب، لكنه اتفاجأ باللي بيحصل تحت. لما لقى أبو نمر بيتكلم مع عمي سيد بالود، اتجنن وزعق من البلكونة بأعلى صوته:

* “جرى إيه يا أبو نمر؟! إنتوا واقفين تسايسوهم؟! دول جايين يذلونا في بيتنا! اضـ,ـرب يا أبو نمر ومتخليش حد فيهم يرجع سليم!” عمي سيد بصله لفوق وضحك ضحكة قوية رنت في الشارع كله، وقال بصوت جهوري: > **”انزل يا جربوع.. انزل بدل ما نطلع نجيبك من وسط حريمك اللي مستخبي وراهم! بقى باعت تجيب رجالة من برة يداروا خيبتك وقلمك اللي علم على وشك؟ انزل عشان حسابك تقل معانا أوي الليلة دي!”**

> أبو نمر لف وشه وبص لمحمود باحتقار وزعق فيه: * “إخرس خالص يا محمود! إنت غشيتنا وطلعتنا في خناقة حريم وعايزنا نضـ,ـرب رجالة بجد في شرف بنتهم؟! إحنا ملناش يد في اللعبة دي يا حاج سيد، والرجالة بتوعي هينسحبوا حالا والبيت بيتك والمذنب يتحاسب!” وبالفعل، وبحركة سريعة، رجالة الجبل لموا حاجتهم وانسحبوا من الشارع بطلب من كبيرهم، وسابوا محمود واقف بطوله في البلكونة، وشه مفيش فيه نقطة دم واحدة، والكلابشات بدأت تضيق على رقبته.

## السقوط في الفخ.. واقتـ,ـحام العش الحاج توفيق وأشرف نزلوا جري على السلم والباب اتفتح. أشرف كان شكله زي اللي طالع من قبر، باصص للشارع المليان برجالتنا، وعينه جت في عين أبويا عبد الحميد. عمي سيد مشي بخطوات واثقة ودخل مدخل البيت، ووراه أبويا وخالي والشباب فهد وإبراهيم اللي كانوا ماسكين نفسهم بالعافية. طلعوا الشقة من تاني، ومحمود كان قاعد في الصالة وشه في الأرض، وحماتي ونجلاء واقفين ورا الباب بيترعشوا من الخوف بعد ما شافوا رجالة الجبل بتمشي وتسيبهم للريح.

عمي سيد وقف فوق راس محمود، وخبط الأرض بعصايته بقوة خلت محمود يتنفض من مكانه: > **”لعبت ولعبتك خابت يا محمود.. كنت فاكر إن الغدر هينجيك من حق سماح؟ القلم اللي بنتنا خدته بقوا قلمين.. قلم بجهلك، وقلم بغدرك! والنهاردة مش هتمشي من هنا غير وشروطنا سيف على رقبتك ورقبة عيلتك كلها!”** > أشرف جوزي خطى خطوة، وبصوت مليان انكسار وعياط، نزل على ركبته قدام أبويا “الحاج عبد الحميد” ومسك إيده وقال:

* “يا عم عبد الحميد.. أنا شاري.. والله شاري وسماح دي مراتي وحبيبتي وضهري.. أنا مستعد أمضي على شقة الزوجية بيع وشراء حالا، والقايمة الجديدة كتبتها بضعف المبلغ ومضيت عليها.. بس أبوس راسك بلاش الفـ,ـضيحة أكتر من كدة وبلاش محمود يتدمر بصل الأمانة!” أبويا بصله بنظرة قاسية بس فيها حزن على حال جوز بنته اللي ضيع نفسه بإيده وقاله:

> **”اللي بيشتري يا أشرف بيصون من الأول.. إنت سكت لما كرامة سماح اتداست، ودلوقتي جاي تعيط؟ الشروط دي مفيهاش فصال.. وعقد الشقة والقايمة يتسلموا حالا، ووصل الأمانة بتاع محمود هيمضي عليه ورجله فوق رقبته، وإلا الليلة دي مش هتعدي على خير والكل هيتحبس!”** > ## التوقيع الأخير.. والشرط الصعب نجلاء مراته جرت عليه وهي بتعيط وتقوله: “امضي يا محمود.. امضي قبل ما يخربوا البيت علينا!”

محمود، وعيونه مليانة ذل وكسرة عمره ما شافها في حياته، مسك القلم وإيده بتترعش.. كتب اسمه على وصل الأمانة بنص مليون جنيه لصالح أبويا عبد الحميد بضمان عدم التعرض ليا بأي شكل من الأشكال. وأشرف مضى على عقد بيع الشقة والقايمة الجديدة وسلمهم لعمي سيد. عمي سيد لّم الورق كله وحطه في جيبه، وبص لمحمود وأشرف وقالهم بصوت حاسم: * **”الورق ده معانا.. بس سماح مش هترجع الليلة دي.. سماح هترجع لما تشوفوا الشروط الأخيرة لرد الشرف وهي بتتنفذ في وسط منطقتنا بالدرب الأحمر يوم الجمعة الجاية قدام الكل.. والكل يجهز عشان ليلة الحساب الكبيرة!”**

نزلوا رجالتنا ومعاهم العقود والضمانات، وسابوا البيت يغلي في نار الغيرة والكسرة.. لكن لسه الليلة الأخيرة يوم الجمعة الجاية في الدرب الأحمر، يا ترى إيه اللي هيحصل لما محمود وأشرف يروحوا هناك؟ وهل القصة هتقف عند رد الشرف ولا فيه مفاجأة تانية هتقلب الموازين كلها؟ ## الجمعة الموعودة.. زفة رد الشرف في الدرب الأحمر وصل يوم الجمعة، والشرق والغرب في الدرب الأحمر كان عندهم علم باللي هيحصل الليلة.

الشارع الضيق اللي فيه بيت أبويا “الحاج عبد الحميد” اتفرش من أوله لآخره بفراشة هيبة تليق بالعيلة. الكراسي مرصوصة صفوف، والأنوار معلقة كأنها ليلة فرح، وكبار المنطقة ورجالة سوق الس*لاح والجمالية كلهم شرفوا وقعدوا في صدر المكان احترماً لأبويا وعمي سيد. أنا كنت واقفة ورا شيش البلكونة في شقة أبويا، باصة على الشارع وقلبي جواه مشاعر متلخبطة.. دموع القهر اللي نزلت من عيني يوم الخميس اللي فات بدأت تتبخر ويحل مكانها شعور بالعزة والكرامة اللي رجعت تترد قدام الدنيا كلها.

على الساعة تسعة بالليل، ظهرت من أول الشارع تلات عربيات ماشيين ببطء شديد. نزلت منهم عيلة جوزي.. * يتقدمهم **الحاج توفيق** وشه في الأرض من الحرج. * وراه **أشرف** جوزي، وشه دبلان كأن الهموم شيلته سنين فوق عمره. * وراه **محمود سلفي**، اللي كان ماشي وكتفه مكسور، عينه مبقتش قادرة ترفع وتبص في وش طفل صغير في الشارع، بعد ما كانت عينه بتطلع شرار. ## مجلس الحق.. وكسر الكبرياء الرجالة دخلوا الفراشة، والكل سكت تماماً لدرجة إن صوت الهوا كان مسموع. عمي سيد وقف واستقبل الحاج توفيق بالترحاب والأصول اللي اتربينا عليها، وقعدهم في نص المجلس قدام كبار وعواقل المنطقة.

عمي سيد وقف وسط الناس، وبصوت جهوري يملأ المكان هيبة وقار، قال: > **”يا رجالة الدرب الأحمر، ويا عواقل الحتة.. إحنا مجبناش الناس دي عشان نشهر بيهم، ولا عشان نذل حد.. إحنا ناس بتوع حق وأصول. وبنتنا سماح، بنت عبد الحميد، اتهانت في بيت جوزها، وودت وشها لأبوها وعينها مكسورة.. والنهاردة إحنا بنردلها كرامتها قدام ربنا والعباد، عشان الكل يعرف إن حريمنا خط أحمر، واللي يفكر يمد إيده على بنت أصول، يبقى بيمد إيده على رقاب رجالتها!”**

> الكل في المجلس هز راسه بالموافقة والتاييد، وعلت أصوات الرجالة بالدعم: “أصيل يا حاج سيد.. والندل ملوش دية!”

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى