
**الجزء الرابع:** خطوات هدى وهي جارة الشنطة وراها كانت زي دقات الساعة اللي بتعلن نهاية كل حاجة حلوة في البيت. لمحت إيدها وهي بتفتح كالون الباب، وفجأة حسيت إن جدران الشقة بتضيق عليا. جيراني في العمارة أكيد سمعوا الصوت، وأمي تحت زمانها بتقيد نار وسط العيلة، ولو هدى خرجت من الباب ده بالمنظر ده، يبقى السكة اللي هنمشي فيها مش هيكون ليها رجوع.
جريت عليها، مسكت دراعها بقوة بس من غير ما أوجعها، وشديت الشنطة من إيدها رميتها في الصالة. زعقت بنبرة مخلوطة بالوجع والعصبية: “إنتي رايحة فين؟ هو كل ما تحصل مشكلة تلمي هدومك وتمشي؟ إحنا مش عيال صغيرة يا هدى! أنا جوزك، والبيت ده بيتي وبيتك، ومش هسمحلك تخرجي من الباب ده في وقت زي ده والناس تتفرج علينا!”
هدى لفت ليا، وعينها كانت حمرا زي الدم، ونبرة صوتها اتغيرت من الهدوء المرعب لغليان مكتوم: “الناس؟ إنت كل اللي هامك الناس يا كريم؟ مش هامك إني اتهنت في بيتي؟ مش هامك إن كرامتي اتدست عليها قدامك وإنت واقف تتفرج وتلومني أنا؟ سيب الشنطة يا كريم، أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة وأمي وأخوك شايفين إني حتة غريبة ملهاش كلمة في البيت ده!”
“أنا متفرجتش!” صرخت في وشها وأنا بض.رب كف بكف: “أنا واقف في النص بتم.ت! أمي نزلت غضبانة عليا وبتدعي عليا بخراب البيوت، وأخويا الصغير اللي باقيله شبر ويبقى مهندس كبريائه اتكسر وشايفني مش راجل عشان معرفتش أدخله الأوضة، وإنتي واقفة بتخيريني بينك وبينهم! أعمل إيه؟ قوليلي أعمل إيه عشان ترتاحي؟ أرضي مين وأزعل مين؟”
هدى سكتت، بصتلي بنظرة مليانة خيبة أمل، وقالت بصوت مجروح: “الحق مبيزعلش يا كريم. إنت كان ممكن تاخد أخوك من إيده، وتنزله تشتريله تكييف، أو تقعده في الصالة وتجيبله مروحة، أو حتى تاخده في ح.ضنك وتفهمه بالراحة إن الأوضة دي خط أحمر. لكن إنت سيبت أمك تتهمني في شرفي وتقول (إنتي جايبة الشقة من بيت أهلك)، وسيبتها تهدد بكسر بابي، ودلوقتي جاي تلومني إني قولت لأ؟ اللي بيحب مراته بيحميها، مش بيكشف ضهرها عشان يرضي الناس.”
الكلمات نزلت عليا زي التلج، فوقتني شوية بس العصبية كانت لسه عمياني. قبل ما أرد عليها، سمعنا صوت خبط رزع على باب الشقة اللي تحت، وصوت أبويا، الحاج “صالح”، وهو بيتكلم بزعيق وصوته جايب لآخر العمارة. أبويا كان مسافر في مشوار برة القاهرة ولسه راجع، وأكيد أمي استقبلته بالقصة متبلة ومتحبشة بالطريقة اللي تخلي أي راجل صعيدي دمه يفور. هدى بصتلي وقالت: “أهو حمايا جه.. وطبعاً الحاجة فاطمة قامت بالواجب. تحب ننزل نتبهدل تحت، ولا هيطلعوا يكسروا الباب علينا هنا؟”
وفعلاً، مفيش دقيقتين وسمعنا خطوات تقيلة وطالعة على السلم. الخطوات دي أنا حافظها، دي خطوة أبويا لما بيكون غضبان. الباب مكنش مقفول بالمفتاح، اتزق بقوة ودخل أبويا، ووشه مفسر بكل علامات الغضب، ووراه أمي واقفة بتبتسم ابتسامة نصر مكسورة بالدموع، وتامر واقف وراهم وحاطط عينه في الأرض. أبويا دخل وقف في نص الصالة، بصلنا إحنا الاتنين، وبص لشنطة الهدوم المرمية على الأرض. بصلي أنا الأول وقال بصوت رخيم وناشف: “بقى إنت يا بشمهندس، يا راجل يا متعلم، تقف تتفرج على مرأتك وهي بتهين أمك وأخوك؟ وتخلي أمك تنزل من شقتك عياطها سابقها؟”
حاولت أتكلم: “يا حج اسمعني بس…” لكن أبويا رفع إيده وقاطعني بحسم: “مش هسمع! البيت ده ليه كبير، وطول ما أنا عايش على وش الدنيا، مفيش ست تكسر كلمة أمي في البيت ده. البيوت دي إحنا اللي بانيينها بفلوسنا وشقانا.” والتفت لهدى اللي كانت واقفة بكل ثبات بس ملامحها بتقول إنها جابت أخرها، وقالها: “جرى إيه يا بنت الأصول؟ إحنا دخلنا بيتك حرامية؟ ولا أخو جوزك عيل صايع داخل يسـ,ـرقك؟ تامر ده ضفر رقبتك، وأوضة النوم دي تدخل وتخرج منها زي ما هي عاوزة طول ما إحنا أصحاب البيت
هدى أخدت نفس طويل، وبصت لأبويا وبمنتهى الأدب والحسم قالت: “على راسي يا عمي كلامك، بس أوضة نومي مش هيدخلها حد… ولو الشقة دي مش بيتي، يبقى أنا ماليش مكان فيها من الأساس.” أبويا وشه احمر وعينه برقت، وبصلي وقالي: “لو المفتكسة دي مأخدتش شنطتها دلوقتي ونزلت بوست على إيد أمك واعتذرت لها، وفتحت الأوضة دي حالا قدامنا… يبقى البت دي تلزمها طلقة دلوقتي قدام عيني، يا إما إنت مش ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”
الدنيا اسودت في عيني، وبقيت واقف بين كلمة أبويا اللي زي السيف، وعين هدى اللي بتقولي “لو عملتها هتكرهني وتكره نفسك طول العمر”… وما بين الكلمتين، كنت حاسس إن روحي بتتسحب مني. *الجزء الخامس:**
وقفت والزمن كأنه وقف معايا، الكلمة طلعت من بؤ أبويا وزلزلت الكيان كله. “طلقة؟! يا إما إنت مش ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”.. الجملة دي طارت في صالة الشقة وربتت على الحيطان زي الكابوس. أمي ورا أبويا سكتت فجأة، ملامح النصر اللي كانت على وشها اختفت واتبدلت بخوف، هي كانت عاوزة تكسر مناخير هدى وتثبت كلمتها، بس مكنتش متخيلة إن الحاج صالح هيوصلها للطلاق وبتر العلاقة بيني وبينه. وتامر أخويا قدم خطوة ولأول مرة يتكلم وصوته لعلع: “لا يا حج! مش للدرجة دي! أنا مش عاوز أدخل الأوضة وملعون أبو التكييف على أبو الحر، متخربش بيت أخويا عشان خاطري!”
لكن أبويا الحاج صالح لما دمه بيفور وكلمته تطلع، مبيشوفش قدامه، راجل صعيدي ناشف، اتربى على إن كلمة الراجل سيف، وإن الست ملهاش تكسر كلمة العيلة الكبيرة. بص لتامر وزعق فيه: “اخرس إنت خالص! الموضوع مبقاش موضوع أوضة وتكييف، الموضوع قلة قيمة وتطاول! مرات أخوك بتقولك يا غريب في بيت أخوك، وبتعصى كلام أمك، وإنت يا كريم واقف زي الحيطة!” بصيت لهدى، كانت واقفة، عيونها مدمعة بس مفيش دموع بتنزل، نظرتها ليا كانت كلها ترقب، كأنها بتشوف نتيجة السنتين اللي عشناهم سوا، هل هبيعها وأكسر كرامتها عشان أرضي أبويا وأهرب من غضبه؟ ولا هقف في وش الإعصار؟
حسيت بدمي بيغلي، والضغط اللي عليا من الشغل ومن أهلي ومن مراتي وصل لأخره. أخدت نفس طويل، وخطيت خطوة لقدام، وقفت بين أبويا وهدى.
“على راسي كلامك يا حج، وإنت فوق دماغي وأمي فوق دماغي..” صوته كان هادي بس مرعش من كتر الكتمان، كملت وأنا ببص في عين أبويا مباشرة: “بس الطلاق مش بالسهولة دي، وهدى مغلبتش، هدى بتطلب حقها وشرع ربنا. أنا غلطت لما زعقتلها وغلطت لما جيت عليها في الأول عشان أمشي المركب، بس لولا إنها بنت أصول وبتحافظ على حرمة بيتي وفي غيابي كمان، مكنتش قفلت الباب ده. إنت يرضيك يا حج، لو أنا مسافر، حد يدخل أوضة نومي وسط لبس مراتي وحاجتها؟ الأصول والشرع اللي إنت علمتهم لي بيقولوا إن أوضة النوم دي سر الراجل ومراته.”
أبويا بصلي بذهول، مكنش متوقع إني أقف وأرد عليه وأجادله، وعروق جبهته اتنفخت: “إنت بتكسر كلامي يا كريم؟ بتصغرني قدام أمك وأخوك عشان خاطر ست؟” “مش بكسر كلامك يا بويا، أنا ببوس على إيدك ورجلك كمان..” وقربت منه وطيت على إيده بوستها، وبصيت لأمي وبوست راسها: “يا أمي إنتي غالية عندي، وتامر ده أخويا الصغير وابني، بس هدى ملهاش ذنب، هي شافت إن خصوصيتها بتتجرح فدافعت عنها بالطريقة اللي تعرفها. يرضيكي بيتي يتخرب؟ يرضيكي ابنك يعيش مكسور؟”
أمي عيطت بجد المرة دي، وطبطبت على كتفي وهي بتبص لأبويا: “خلاص يا حاج صالح.. اهدى استهدى بالله، الواد هيمو.ت في إيدينا من الضغط، خلاص مش قصة.” لكن أبويا شد إيده مني بجمود، وبصلي بنظرة خالية من المشاعر وقال: “إنت اختارت يا كريم. اختارت كلامها على كلامي، ووقفت في صفها قدام أبوك وأمك. طالما الأوضة دي ليها حرمة غالية أوي كده لدرجة تصغرنا، يبقا الشقة دي كلها متلزمناش، والبيت ده من النهارده ماليش دخول فيه، ولا إنت ليك نزول عندي تحت، لحد ما تفوق لنفسك وتعرف مين الكبير ومين الصغير.”
ولف وشه وشد أمي وتامر ونزلوا، ورزع باب الشقة وراه رزع سمعت في العمارة كلها. الصالة فضيت تماماً، مفيش غير صوت نفسي العالي والمجهد. لفيت وشي وبصيت لهدى، لقيتها سابت الشنطة من إيدها، وقعدت على الأرض منهارة، ودفـ,ـنت وشها بين إيديها وبدأت تبكي بصوت عالي ومكتوم، وجع الساعات اللي فاتت كلها طلع في الصرخة دي. قربت منها وقعدت على ركبي قدامها، ومش عارف هل اللي عملته ده صح ولا أنا كده كتبت شهادة وفاة لعلاقتي بأهلي؟ وهل هدى هتقدر تعيش في بيت مقطوع من العيلة اللي ساكنة تحتها في نفس العمارة؟…
**الجزء السادس (قبل الأخير):** قعدت على الأرض قدام هدى، مش قادر حتى أمد إيدي وأطبطب عليها. حاسس إن جبل هبط على صدري، الشقة اللي كانت من شوية حتة جنة بندخل نستخبى فيها من تعب الدنيا، اتحولت لساحة حرب مفيش فيها فايز. صوت رزع باب أبويا كان لسه بيرن في وداني، وكلمته “ماليش دخول عندك ولا ليك نزول عندي” كانت بتدبـ,ـح فيا، أنا مهندس شقيان آه، بس عمري ما خرجت عن طوع أبويا ولا زعلت أمي.
هدى رفعت وشها، وعيونها كانت ورمة من العياط. بصتلي بنظرة ممزوجة بالأسف والخوف، وقالت بصوت متقطع: “أنا أسفة يا كريم.. أنا مكنتش عاوزه الأمور توصل لكده، والله العظيم ما كان قصدي أصغر أبوك ولا أزعل طنط فاطمة، بس أنا اتفاجئت بالهجوم، وحسيت إن كرامتي بتتداس لمجرد إني طلبت أبسط حقوقي.. إنت زعلان مني؟”




