
بعد ما حمايا قال الكلمتين دول، ساد السكون والهدوء التام في الصالة. جوز وداد وشه جاب ميت لون، وحماتي سكتت وعينها كانت بتطلع شرار، والغيظ كان بياكل فيها لأن لأول مرة حمايا يكسر كلمتها ويدافع عن وداد قدام الكل. وداد لفت وشها ودخلت شقتها وهي بتعيط، بس المرة دي ما كانتش دموع انكسار، كانت دموع شخص لقى أخيراً حد بيحس بيه وينصفه وسط الغابة اللي عايش فيها. حماتي ما سكتتش، طبعاً كبريائها كـ “كبيرة البيت” انجرح. أول ما حمايا نزل وراح شغله، لفت حماتي لابنها (جوز وداد) وقعدت جنبه بنبرة كلها خبث وسم:
“شفت؟ شفت أبوك كسر كلمتك ووقف صفها إزاي؟ بكره البنت دي تدوس على رقبتك وتشوف نفسها عليك وتفتكر إن ليها ضهر في البيت ده! لو ما كسرتش مناخيرها من دلوقتي، عمرك ما هتعرف تمشيها تاني.” الكلام سخّن وِدن الراجل، اللي هو أصلاً حاسس بالنقص مقارنة بإخواته. كلام أمه جه على الجرح وعمى عينه أكتر. مرت كام يوم، وحماتي كانت بتعامل وداد بجفاء شديد، ومبقتش تطلب منها شغل زي الأول، ودي كانت علامة تقلق مش تطمن. في يوم، كنا كلنا متجمعين كالعادة، وفجأة حماتي بدأت تصرخ وتصوت:
“يا مصيبتي! يا خراب بيتي! الدهب بتاعي مش في الدولاب!” البيت كله اتقلب. نزلنا كلنا على صوتها، وحمايا جه جري. حماتي بصت لوداد مباشرة وقالت قدام الكل: “محدش بيدخل أوضتي ويمسحها ويقشها غيرك يا وداد! الدهب كان في علبته الصبح، راح فين؟” وداد اتصدمت، وشها بقى أبيض زي القماش، وقالت وهي بتترعش: “والله العظيم يا ماما ما لمسته ولا أعرف مكانه فين! أنا دخلت نظفت وخرجت علطول!” جوزها مكدبش خبر، وقام رايح عليها ومسكها من دراعها جامد وقال بغل:
“أهو ده اللي ناقص! كمان حرامية؟ جايبالي العار في كل حتة؟ انطقي وديتي الدهب فين يا بنت الفقر، أكيد أديتيه لأبوكي المحاسب يشغلهم له!” بعد ما جوز وداد نزل وهو شادد في إيده العلبة القطيفة وبيزعق ويقول إنه لقى الغويشتين تحت المرتبة، حمايا اتدخل بقلب جامد وبص لحماتي وقالها بنبرة مرعبة: “مفتاح أوضتك مش مع حد غيرك يا أم فؤاد.. والغويشتين دول إنتي كنتي لابسياهم في إيدك امبارح بالليل وأنا شايفك! إنتي اللي حطيتيهم فوق في شقة ابنك عشان تلبسي البنت تهمة وتكسريها!”
أم فؤاد ارتبكت والدم هرب من وشها، وبدأت تتلعثم في الكلام وهي بتبص لحمايا بخوف: “أنا.. أنا يا حاج؟ هتبلّى على البنت؟” حمايا ض.رب كف بكف وبص لابنه فؤاد بحسرة وقال له: “يا خسارة تربيتي فيك يا فؤاد.. بعت مراتك اللي صايناك وشيلاكم فوق راسها عشان تسمع كلام أمك وتظلم بنت ناس غلبانة وأمينة. دهب أم فؤاد معاها ومضاعش، ودي كانت لعبة من أمك عشان تطردوا البنت من البيت بالعار
أبوها مَستحملش عليها كلمة واحدة زيادة، وبص في عينها وقالها بحسم: * **”والله ما إنتي راجعا له تاني، وأنا اللي هخليه يطلقك ورجله فوق رقبته!”** تانى يوم الصبح، عم أحمد ماراحش على مكتبه الصغير كالعادة يراجع الدفاتر وهو ساكت. دخل علطول على مكتب الحاج الكبير (حما وداد). الحاج أول ما شاف عم أحمد داخل ووشه غضبان وعينه حمرا، فهم علطول هو جاي ليه. الحاج قام من ورا مكتبه ووقف ترحيباً بيه وقال بنبرة أسف
* “أهلاً يا أحمد.. اقعد يا أبو وداد، أنا عارف إنك زعلان، وحق بنتك على راسي وأنا…” قطع عم أحمد كلامه برفع إيده وبنبرة قوية وعزيزة مكانش الحاج متعود يسمعها منه: > “يا حاج.. أنا بقالي سنين بشتغل عندك، عمري ما خدت قرش حرام، وعمري ما قصرت في شغلي، وإنت عارف أمانتي كويس وعشان كده ناسبتني. أنا جوزت بنتي لابنك فؤاد عشان تصونه وتشيله في عينيها، مش عشان تبقى خدامة لأمه، ولا عشان ابنك يهينها بالليل ويقولها يا بنت الفقر، ولا عشان في الآخر يتهموها في أمانتها وشرفها ويقولوا عليها حرامية!”
> الحاج وطى راسه في الأرض وهو حاسس بالخزي من أفعال مراته وابنه، وقال: * “والله يا أحمد أنا نصفتها قدامهم، وأنا اللي كشفت ألاعيب أم فؤاد، وبنتك طاهرة وشريفة وغالية عندي.” رد عم أحمد بكرامة وشموخ: > “كتر خيرك يا حاج، إنت راجل حقاني وأنا عارف، بس بنتي مش هترجع البيت ده تاني. أنا جاي أطلب منك تخلّي ابنك يطلق بنتي بالمعروف ومن غير محاكم وقضايا. فؤاد م يستاهلش وداد، والبيت اللي ملوش كبير يصون حريم الناس، يبقى القعاد فيه ملوش عازة.”
في نفس الوقت في البيت الكبير، كانت الدنيا مقلوبة بعد ما وداد مشيت. أم فؤاد كانت فاكرة إن البيت هيروق لها، لكن السحر انقلب على الساحر: * **شغل البيت اتقسم:** أم فؤاد لقت نفسها فجأة مطالبة بتنظيف البيت الضخم، وبصت لينا أنا وسلفتي الصغيرة وقالت لنا: “يلا يا بنات همتكم معايا في المطبخ وغسيل المواعين.” * **موقفنا أنا وسلفتي:** طبعاً أنا وسلفتي رفضنا تماماً، وقولنا لها بكل برود: “معلش يا ماما، إحنا بيوت أهلنا متعرفش الخدمة، وإحنا متجوزناش هنا عشان نغسل سلالم ونمسح حوش، وداد اللي كانت بتستحمل، إنما إحنا لأ، وأهلنا لو عرفوا مش هيسكتوا.”
أم فؤاد لقت نفسها محتاسة، والبيت بقى يض.رب يقلب، وفؤاد رجع من بره لقى شقته تض.رب تقلب ومفيش لقمة ياكلها، ولا هدوم مغسولة، ولا حد يستقبله بكلمة حلوة زي ما كانت وداد بتعمل رغم قسوته. وفجأة دخل الحاج البيت، ووشه زي الضلمة. بص لفؤاد وأمه وقالهم بصوت كسر قلوبهم: > “ارتاحوا عم أحمد جالي المكتب، ورفض كل محاولات الصلح، وطلب الطلاق لبنته. وداد مش راجعة، وعم أحمد قاللي كرامة بنتي تسوى الدنيا.. إنت يا فؤاد خسرت الست اللي كانت شايلاك وشايلة طينك، ودلوقتي هطلقها وإنت رجلك فوق رقبتك!”
أم فؤاد بدأت تلطم على وشها لما عرفت إن اللعبة قلبت بجد، وفؤاد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيفتكر كلام وداد الأخير: *”أنا خرجت من بيت أبويا مكرمة”*.. وبدأ يحس لأول مرة بالنقص الحقيقي، مش عشان وداد فقيرة، بس لأنه اكتشف إنه هو اللي قليل من غيرها!
بعد كلام الحاج، فؤاد حس إن الدنيا اسودت في وشه. البيت الكبير اللي كان دايما نظيف ومرتب ومستقر بفضل وداد، اتقلب حاله في أيام قليلين. أم فؤاد تعبت من شغل البيت اللي مكنتش متعودة تشيل منه قشة، وبقت طول النهار تشتكي وتأن، ولما حاولت تطلب مني أنا وسلفتي الصغيرة نساعدها، وقفنا ليها وقفة حاسمة وقولنا لها: “إحنا هوانم في بيوت أهالينا، وعمرنا ما نمد إيدنا في خدمة حد.”
هنا فؤاد بدأ يفوق ويشوف الحقيقة؛ عرف إن الست الكبيرة بفلوسها وجاهها مش هي اللي بتسعد الراجل، وإن “بنت الأصول” اللي كانت شايلاله طينه وراضية بقليله هي الكنز اللي ضيعه بغبائه. ضغط على أمه وعلى إخواته، وطلب مننا إحنا السلايف إننا نتدخل ونيجي معاه بيت عم أحمد عشان نصالح وداد ونرجعها. في ركن هادي ببيت عم أحمد البسيط، كنا قاعدين.. فؤاد وشه في الأرض من الكسوف، وأنا وسلفتي الصغيرة قاعدين جنبه، وبنحاول نلطف الجو.
فؤاد بص لعم أحمد ووداد وقال بنبرة كله انكسار ورجاء: * “يا عم أحمد.. أنا جاي وشاري، وعارف إني غلطت في حق وداد، والشيطان عمى عيني. أنا مستعد أكتب لها شقة لوحدها، ومستعد أعملها كل اللي هي عايزاه، بس ترجع معايا وما تخرّبش بيتها.” أنا وسلفتي دخلنا في الكلام وقولنا: * “عشان خاطرنا يا وداد.. البيت من غيرك بقى يض.رب يقلب، وحماتك تعبانة ومحدش فينا قادر يشيل البيت زي ما كنتي شايلاه. فؤاد ندمان وجاي لحد عندك يصالحك.”
وداد كانت قاعدة، لامة شعرها ورافعة راسها لفوق، ملامحها مكانش فيها أي أثر للضعف أو الوجع اللي عيشناه معاها. بصت لفؤاد وبصت لنا إحنا السلايف بنظرة قوية، وابتسمت ابتسامة وجع وسخرية في نفس الوقت، وقالت بصوت هادي ومزلزل: > “إنتوا جايين تصالحوني عشان مصلحتكم.. مش عشاني أنا!” سكتنا كلنا، وكملت كلامها وهي بتوجه نظرها ليا أنا وسلفتي: > “جايين تصالحوني عشان البيت يض.رب يقلب وعايزين الشغالة اللي كانت شايلة السلالم والحوش والمطبخ ترجع تشيل مكانكم! وعايزين الست اللي بتتهان وتتهزأ وتسكت ترجع تخدمكم عشان تعيشوا إنتوا هوانم في بيوتكم!”




