
ولفت وشها لفؤاد، وعينها بقت زي الصقر وقالت له فؤاد دموعه نزلت وحاول يقرب منها ويقولها: “أنا أسف يا وداد، اديني فرصة أخيرة عشان خاطر الأيام اللي بينا.” وداد وقفت وربعت إيدها، وقالت بكلمات قاطعة سدت كل أبواب الرجوع:
> “الأيام اللي بيننا أنت اللي دست عليها.. أنا خلاص قفلت صفحة فؤاد نهائي، ومبقاش ليك مكان في حياتي. لو جبتلي مال الدنيا كله، ولو كتبتلي البيت كله باسمي، أنا كرامتي وكرامة أبويا المحاسب البسيط تسوى عندي الدنيا باللي فيها. أنا خرجت من بيتكم بالهدوم اللي عليا، بس خرجت وأنا راسي في السماء.. ومستحيل أرجع للذل تانى. ورقتى توصلي بالمعروف، وإلا المحاكم بيننا.” عم أحمد وقف في اللحظة دي، وحط إيده على كتف بنته بكل فخر، وبص لفؤاد وقال له:
* “سمعت رد بنتي يا فؤاد؟ اتفضل بالسلامة، وقول للحاج يجهز ورقة طلاقها.. بنتي غالية، ومفيش ليها مكان في بيت مبيعرفش قيمة بنات الأصول.” خرجنا من البيت وفؤاد بيبكي زي العيل الصغير، وعرفنا كلنا إن الست لما بتنجرح في كرامتها وشرفها وتقفل الباب، مستحيل أي جاه أو فلوس في الدنيا يرجع يفتحه تاني. خرجنا من بيت عم أحمد والكل منكسر، فؤاد لقى نفسه في نص الهدوم؛ ضيّع الست اللي صانته وشالته، وفوق كل ده، الحقيقة المرة بقت واضحة قدام عينه.
أول ما رجعنا البيت الكببر، كان الحاج قاعد مستنينا في الصالة، وعينه باين فيها الغضب الشديد. بص لوش فؤاد المنكسر ولقانا داخلين من غير وداد، ففهم علطول النتيجة. الحاج وقف بكل هيبته وجبروته وبص لفؤاد وقال له بنبرة حاسمة مفيهاش رجعة: > “سمعت كلام عمك أحمد وبنته؟ البنت رفضت ترجع.. وبصراحة عندها كل الحق، الراجل اللي ميعرفش يحمي مراته في بيته ويصون عرضها وأمانتها من كلام أمه، م يستاهلش يعيش معاها.”
> فؤاد حاول يتكلم وصوته مخنوق: “يا حاج، أنا ندمان وعايز…” قاطعه الحاج بض.ربة قوية على التربيزة زلزلت المكان: * **”مفيش خلاص! من النجمة تاخد بعضك وتروح للمأذون وتطلق وداد بالمعروف، وتديها كل حقوقها لحد آخر مليم، وإلا ورب الكعبة لا أنت ابني ولا أعرفك، والشركة وشغلي تنسى إن ليك فيهم قرش واحد!”** أم فؤاد حاولت تتدخل وتصوت: “تطلقها يا حاج؟ ده إحنا كسرنا مناخيرنا ورحنا لحد عندها!”
لكن الحاج بص لها بنظرة خلتها تخرس تماماً، وقال لها: “أنتي بالذات تسكتي خالص، أنتي اللي خربتي بيت ابنك بظلمك وجبروتك.” وفعلاً، تاني يوم الصبح، وتحت ضغط وإجبار الحاج، فؤاد راح ومضى على ورقة طلاق وداد، ودموعه نازلة على الورق، لكن بعد إيه؟ الصفحة اتقفلت ووداد بقت حرّة بكرامتها. من بعد يوم الطلاق ده، والبيت الكبير اتحول من حال لحال.. بقى حرفياً زي **”الخرابة”**.
* **الأوساخ والتراب:** أم فؤاد اللي كانت متعودة تقعد حاطة رجل على رجل وتأمر وتنهي، لقت نفسها فجأة لوحدها في بيت ضخم محتاج تنظيف ومسح وطبيخ وغسيل. وبما إني أنا وسلفتي الصغيرة رفضنا تماماً نمد إيدنا في حاجة برا شققنا، البيت بدأ يتبهدل. التراب بقى يغطي العفش، والمواعين تتكوم في المطبخ باليام، والروائح بقت لا تطاق. * **الاكتئاب والهم:** الضحكة واللمة اللي كانوا بيعملوها على حساب وجع وداد اختفوا. البيت بقى ضلمة، ومفيش فيه حس ولا حركة غير صوت شكوى أم فؤاد من وجع ضهرها وركبها بسبب الشغل اللي مكنتش متعودة عليه.
## قسوة الحاج وعقاب أم فؤاد أما الحاج، فمن يومها م نسيش حق البنت الغلبانة ولا لحظة. الراجل الحقاني ده حس إن مراته وعياله صغروه قدام نفسه وقدام راجل أمين بيشتغل عنده. من اليوم ده، اتغيرت معاملته لأم فؤاد تماماً وبقى بيعاملها بجفاء وقسوة عمرها ما شافتها منه طول سنين جوازهم: * بقا يدخل البيت ميبصش في وشها، ولو طلبت منه حاجة يرد عليها ببرود * كل ما تشتكي له من التعب وشغل البيت، كان يبص لها بسخرية ويقول لها نفس كلمتها اللي كانت بتقولها لوداد:
> “مالك بتشتكي ليه؟ هو أنتي بتشتغلي في مصنع؟ ده شغل بيت زيه زي أي ست محترمة.. ولا أنتي متعودة على الهوانم والخدمة من بيت أبوكي؟” > الكلام كان بينزل على أم فؤاد زي الكرباج، لقت نفسها بتدوق من نفس الكأس اللي شربته لوداد، وبقت قاعدة في بيتها منبوذة، تعبانة، ومكسورة العين قدام جوزها وعيالها، بعد ما البيت اللي كان عمران بنظافة وداد وبركتها بقى خرابة تض.رب تقلب. وبقت دي نهاية الظلم والجبروت؛ وداد خرجت وراسها في السماء، والبيت اللي ظلمها اتهد واتملى بالهم والنكد.
ومع مرور الأيام، بدأت الحياة تبتسم لوداد من جديد، وكأن ربنا كان بيعوضها عن كل لحظة ذل وانكسار عاشتها في البيت الكبير. بعد فترة مش طويلة من طلاق وداد، عم أحمد المحاسب طلع معاش. الراجل الطيب ده حس إن رسالته في البلد دي انتهت، ومبقاش حابب يفضل في مكان يفكر بنته بالوجع، ولا يشوف فيه ناس ظلموها. أخو وداد الكبير كان عايش ومستقر في بلد تانية بره المحافظة وشغال هناك في مكان كويس. عم أحمد أخد وداد، ولموا حاجتهم، وقرروا يسافروا يقعدوا جنبه ويبدأوا حياة جديدة تماماً في مكان محدش يعرف فيهم قصتهم القديمة.
أخو وداد مكانش قليل، أول ما استقروا عنده، بدأ يدور لأخته على فرصة تعوضها وتخليها تعتمد على نفسها. وبفضل شهادتها وبمساعدة أخوها، لقت فرصة شغل ممتازة في شركة كبيرة ومحترمة هناك. وداد اللي كانوا بيقولوا عليها “خدامة” ومبتفهمش غير في المسح والطبيخ، أثبتت في شهور قليلة إنها بنت ذكية، شاطرة، ومنظمة جداً في شغلها. شكلها اتغير، وثقتها في نفسها رجعت لها، وضحكتها اللي كانت غايبة سنين رجعت تنور وشها من تاني. بقت تنزل كل يوم الصبح وراسها في السماء، والكل في الشركة بيحترمها ويخاف على زعلها لأمانتها وشطارتها اللي ورثتها عن أبوها.
في الشركة دي، وداد لفتت نظر شاب محترم جداً اسمه “طارق”. طارق كان مهندس في الشركة، ومن عيلة مستورة ومحترمة، راجل بجد بيعرف قيمة الست. طارق راقب وداد لفترة؛ لقاها بنت أصول، هادية، ومحترمة في تعاملها مع الكل، وشايلة شغلها بضمير. أعجب بيها وقرر يتقدم لها. وداد في الأول كانت خايفة ومترددة بسبب تجربتها الأولى، لكن طارق لما عرف حكايتها من أخوها، احترمها أكتر وتمسك بيها وقال: > “البنت اللي تصون بيتها وتستحمل كل ده عشان تعيش، دي تشيلها فوق الراس، وأنا شاري كرامتها قبل أي حاجة.”
> وفعلاً، عم أحمد وافق بعد ما شاف في عين طارق الرجولة والتقدير اللي ملقاهوش في فؤاد. واتجوزت وداد في فرح جميل وبسيط، وراحت شقتها الجديدة وهي ملكة متوجة، جوزها بيعاملها بحب واحترام، ومبيخليهاش تطلب الحاجة مرتين. في نفس الوقت، الأخبار وصلت للبلد القديمة وللبيت الكبير اللي بقى زي الخرابة. فؤاد اللي كان عايش في نكد دائم وأمه اللي تعبت من الشغل والخدمة، عرفوا إن وداد اتجوزت، ومش أي جوازة.. دي اتجوزت مهندس محترم، وعايشة معاه في عز واحترام، ومشتغلتش عنده خدامة، بالعكس، طارق جايب لها اللي يخدمها ومرفهة في بيتها.
فؤاد قعد في الصالة يبكي بحرقة لما سمع الخبر، وبص لأمه وقال لها بكسرة: > “أهي اللي قولتوا عليها بنت فقر وخدامة، ربنا رفعها وبقت هانم في بيت راجل صانها.. وأنا اللي خسرت كل حاجة بسببكم.” > أما الحاج أبو فؤاد، فابتسم ابتسامة رضا وقال بصوت عالي قدام أم فؤاد: * **”يمهل ولا يهمل.. ربنا نصر بنت الغلبان اللي اتقيتوا عليها، وداير الأيام عشان تدوقوا من نفس الكاس.”** وخرجت وداد من المحنة وهي أقوى، وعاشت حياتها سعيدة ومكرمة، بعد ما أثبتت للكل إن ابن الأصل بيفضل غالي، وإن دوام الحال من المحال.




