
قررت سارة تتصرف بعقل وثبات انفعالي.. اتصلت بأخوها اللي كان واخد إجازة عشان يوقف معاها في التوضيبات، وحكتله كل حاجة في السكة وهو جاي لها. أخوها اتجنن وقالها: «إحنا نروح لشقة علي فوراً ونواجه فتحية ونشوف علي بنفسه!». نزلت سارة مع أخوها وركبوا العربية وطلعوا على منطقة شقة علي وفتحية.. وقفت العربية بعيد شوية عن العمارة. سارة فضلت قاعدة في العربية ومراقبة المدخل، وبعد نص ساعة بس.. شافت علي نازل من العمارة بلبس الشغل، طالع بكامل صحته وبيركب عربية الشغل بتاعته ومفيش فيه أي أثر لأي تعب أو عملية!
هنا التأكيد جيه 100%.. سارة استنّت لما علي مشي تماماً وتبخر من الشارع، ونزلت هي وأخوها وطلعوا العمارة.. وقفت قدام باب شقة فتحية، وضغطت على الجرس جرس ورى جرس بصرامة وإصرار.. فتحت فتحية الباب، وأول ما شافت سارة واقفة وبجنبها راجل (أخوها) وملامحها حادة ومفيش فيها أي أثر للقلة حيلة، وشها اصفرّ تماماً والكلمات اتجمدت في لسانها. سارة دخلت خطوتين جوة الشقة ببرود يرعب، وقالت لها بنبرة واثقة وصوت واطي بس يرن في المكان:
«حمد الله على سلامة علي يا فتحية.. ما شاء الله، صحته بومب ونازل شغله تمام أهو.. قوليلي بقى، الـ 100 ألف بتوع الجمعية زرعتي بيهم كلى لمين بالظبط؟» اتراجعت فتحية لورا خطوتين، وشها اتخطف وبقت ملامحها زي القماش الأبيض المبلول، حاول لسانها يتلجلج بكلمات مش مفهومة، أخدت نفس مكسور وردت بنبرة بترتعش وهي بتبص لأخو سارة بخوف: «إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا سارة؟ إنتي اتجننتي؟ كلى إيه وشغل إيه؟ علي تعبان جوة وممدد في السرير ومبيلتقطش أنفاسه.. إنتي جاية تتبلي عليا في بيتي وجايبة معاكي راجل غريب كمان؟»
سارة ابتسمت ابتسامة سخرية مريرة، كأنها كانت متوقعة المماطلة والإنكار لحد آخر لحظة، قربت منها خطوات وقالت بصوت ناعم بس أبرد من التلج: «راجل غريب؟ ده أخويا اللي كان المفروض يجي يوقف معايا في توضيب شقتي بالفلوس اللي إنتي نصبتي عليا وأخدتيها.. وعلي جوزك أنا لسه شيفاه بعيني حالا نازل من باب العمارة طالع على شغله بصحته الكاملة.. تحبي أطلب أختك ولا أطلب حماتي تنزل تتفرج على علي وهو بيمـ,ـوت في السرير؟ ولا أكلم حسين في الغربة أخليه يسمع مهزلتك بنفسه؟»
فتحية لقت كل الأبواب اتقفلت في وشها، نظرات أخو سارة كانت حادة وثابتة، ووقفة سارة قدامها مسحت كل مظاهر الضعف اللي كانت فاكراها فيها.. النهاردة سارة مش الست المترددة اللي خايفة على مشاعر العيلة، النهاردة سارة واحدة اتسـ,ـرق شقاها وحلم شقتها بدم بارد. فتحت فتحية باب الشقة أكتر وهي بتبكي بانهيار من غير دموع، وبدأت تتوسل بصوت واطي ومحشرج: «ادخلي يا سارة.. ادخلي الله يخليكي بلاش فضايح في العمارة، ادخلي وأنا هشرحلك كل حاجة.. والله العظيم أنا كنت زنوقة وفي كارثة وما كانش قدامي غير الحل ده!»
دخلت سارة وأخوها وقف عند الباب وقفل الباب وراه بصرامة، قعدت سارة على الكنبة وربعت إيدها وهي بتبص لفتحية اللي كانت رايحة جاية في الصالة بتهز إيدها زي المجنونة. فتحية بلعت ريقها وبدأت تعترف وهي بتبكي بحرقة: «أنا أسفة يا سارة.. أسفة والله، علي معندوش حاجة ومش عيان، علي دخل في مشروع تجارة مواشي مع ناس نصابين وضحكوا عليه، وكتبوا عليه شيكات ومبيعات وإمضاءات بـ 150 ألف جنيه.. والناس دول هددوه يودوه السجن ويرموه في الشارع ويحجزوا على العمارة وشقة حماتك لو الفلوس مدفعتش قبل آخر الشهر.. علي كان هيتجلس يا سارة! كان حبه يدخل السجن ويضيع مستقبله والبيت يتخرب!»
سارة فضلت ساكتة تماماً، ملامحها متحرّكتش، فتحية كملت كلامها وهي بتقرب من سارة وتحاول تمسك إيدها، بس سارة سحبت إيدها بحدة: «ولما أنا سمعتك عند حماتي وإنتي مركزة معايا وأنا بحكي عن الجمعية والتوضيب.. فكرتي في الخطة دي؟ استغليتي غربة حسين وطيبته وخوفه على أخوه عشان تبتزيه عاطفياً وتخليه يضغط عليا أديكي الفلوس؟» فتحية هَزّت رأسها بانهيار:
«والله ما لقيت حل تاني! علي كان خايف يقول لأخوه أو لأمه عشان مظهرناش يتهز، وكان عارف إن حسين لو عرف الحقيقة هيشيل إيده ويقوله تتحمل مسؤولية طمعك.. أنا اللي اقترحت عليه اللعبة دي، قولتله حسين قلبه طيب ومستحيل يرفض لما يسمع إنها حياة أو موـ,ـت، وأنا أخدت الـ 50 ألف بتوعي مع الـ 100 ألف بتوعك وسددنا بيهم جزء كبير من الشيكات وسحبنا أوراق قضية كانت هتروح النيابة.. والله العظيم يا سارة أنا كنت ناويت أردلك الفلوس على أقساط أول ما الدنيا تظبط معانا!»
أخو سارة اتكلم بصوت جهوري وزعيق خفيف: «أقساط إيه يا ست إنتي؟ إنتي فاكرة الفلوس دي سايبة؟ إنتي نصبتي على الراجل في الغربة وعلي أختي واستغليتي مرض ونصب وأفلام عشان تسـ,ـرقي 100 ألف جنيه جاهزة؟ الفلوس دي ترجع بكرة الصبح وإلا القسم هيكون هو الفاصل بيننا!» فتحية صرخت بصوت مخنوق: «قسم إيه يا ابن الناس؟ عاوزين تفضحونا وتخربوا بيت أخو حسين؟ الفلوس اتدفعت خلاص للمحامي وللناس بتوع الشيكات.. أنا معاييش ولا جنيه دلوقتي! نجيب منين؟ هجيب منين 100 ألف جنيه في يوم وليلة؟»
سارة وقفت بكل ثبات، وقربت من فتحية وقالت لها ونبرتها حازمة وقاطعة: «دي مش مشكلتي يا فتحية.. إنتي وعلي جوزك خططتوا ودبرتم وضحكتم عليا وعلى حسين.. حسين غلبان بيشقى في الغربة وبينزف دم عشان يدخر القرشين دول لبيته، وأنا استنيت سنين عشان أفرح بشقتي وأوضبها زي ما حلمت.. تيجي إنتي ببساطة تاخديهم بدم بارد وتحرميني من حلمي وتعيشيني في وهم ومرض وكذب؟» فتحية مسكت إيد سارة وقالت بانهيار:
«يا سارة أبوس إيدك بلاش حسين يعرف.. لو حسين عرف هيقول لعلي وهتصير دم بين الإخوات وعلي ممكن يطلقني لو عرف إن الملعوب اتكشف بسببي! استريني ربنا يسترها معاكي، وأنا أوعدك هكتبلك وصل أمانة بالـ 100 ألف جنيه، وكل شهر علي هيقطع من مرتبه ويديكي مبلغ لحد ما يكملوا!» سارة ضحكت بصوت فيه مرارة شديدة:
«وصل أمانة؟ إنتي فاكراني عبيطة؟ أخد وصل أمانة على ناس نصابين بياكلوا الحرام وبيستغلوا عواطف الإخوات؟ الوصل ده أبلّه وأشرب ميّته! الفلوس دي ترجعلي كاش خلال أسبوع واحد، يا إما الحقيقة كاملة بالصوت والصورة والتفاصيل هتكون عند حسين وحماتي بكرة الصبح، وساعتها خلي علي ينفعك وخلي الشيكات تتسدد من فضيحتكم!» فتحية اتجمدت مكانها وشهقت: «أسبوع؟ أسبوع إزاي يا سارة؟ ده علي مش حيلته حاجة! نجيب منين 100 ألف في أسبوع؟»
سارة بصتلها ببرود وقالت وهي ماشية ناحية الباب «التصرف تصرفكم.. اتصرفوا زي ما اتصرفتم لما فكرتم تنصبوا عليا.. قدامكم 7 أيام بالتمام والكمال.. الـ 100 ألف حية ترزق يرجعوا في إيدي، أو حسين يعرف، وحماتي تعرف، وعلي يعرف إن مراته هي اللي لبسته في الحيطة وركبت السيناريو ده كله من وراه أو بمساعدته.. إنتي قدامك خيارين يا فتحية: الفلوس ترجع، يا بيتك يتهد على دماغك ودماغ اللي معاكي.»
خرجت سارة وأخوها من الشقة ورزعوا الباب وراهم، فتحية فضلت واقفة في الصالة مرعوبة، الدموع نازلة على وشها ومش قادرة تتنفس.. اللعبة اللي خططتها بدقة واتقنتها بدموع التماسيح اتفركت في ثواني، والتهديد أسرع وأقوى مما تتخيل. نزلت سارة العمارة وهي حاسة بشعور متناقض.. حزن شديد على النذالة والغدر اللي جاوها من أقرب الناس، وفي نفس الوقت قوة وشجاعة إنها وقفت جدار صلب وما سمحتش لحد يستغفلها أو يضيع حقها وحق جوزها.
أخوها بص لها وهو بيمشوا في الشارع وقالها: «إنتي بجد هتصبري أسبوع يا سارة؟ القضايا والنصب ده ما ينفعش معاه صبر.. المفروض تتصلي بحسين فوراً وتقوليله على كل حاجة قبل ما فتحية تلف وتدور وتعمل ملعوب جديد!» سارة وقفت وبصت لأخوها بثبات وقالت:
«لا يا أحمد.. لو كلمت حسين دلوقتي وهو في الغربة بعيد، هيتجنن.. حسين بيحب أخوه وممكن ما يصدقش في الأول، أو ممكن يتخانق معاه بالتليفون وعلي ينكر وفتحية تبكي وتعمل نفسها مظلومة وتطلعني أنا اللي بتبلى عليهم وبخرب بين الإخوات.. أنا أديتها مهلة أسبوع عشان أزنقها في الزاوية.. لو جابت الفلوس، يبقى حقنا رجع بدون فضايح ووجع دماغ، ولو ما جابتش الفلوس خلال الأسبوع، هيكون معايا الدليل القاطع وساعتها هحط الحقيقة قدام حسين بالواقع والمستندات.. مش هسيب حقنا يا أحمد، بس هجيبه بذكاء من غير ما أطلع أنا الخسرانة.»
رجعت سارة شقتها، قعدت على الكنبة وهي بتفكر في الخطوة الجاية.. التليفون رن في إيدها، بصت على الشاشة لقت الاسم: **حسين**. قلبها دق بسرعة، بلعت ريقها وأخدت نفس عميق وحاولت تظبط نبرة صوتها عشان تبان طبيعية ومتبينش أي توتر.. ردت على المكالمة: «ألو.. أهلاً يا حسين، عامل إيه يا حبيبي؟» صوت حسين جه من الناحية التانية مجهد ومحمل بالهموم والتعب، وقالها بصوت منكسر:
«أهلاً يا سارة.. معلش يا حبيبتي بتصل بيكي في وقت متاخر، بس أنا بالي مشغول ومش عارف أنام خالص من القلق.. كلمت فتحية من شوية عشان أطمن على علي، لقيتها بتبكي وتقولي إن الدكتور بيقول العملية اتأجلت شوية وإن علي محتاج تحاليل وأدوية غالية جداً ومحتاجين فلوس زيادة.. أنا مش عارف أعمل إيه يا سارة! إنتي اطمنتي عليها؟ أخدت منك الـ 100 ألف ولا لسه؟» سارة مسكت التليفون بقوة، أظافرها اتغرست في كف إيدها من شدة الغضب، فتحية لسه بتمارس كذبها وصايعتها حتى بعد ما اتكشفت! لسه بتطلب فلوس زيادة وبتستغل طيبة حسين وبعِده!
سارة أخدت نفس هادي وقالت بحذر شديد وهي بتصنع الهدوء: «اه يا حسين.. الفلوس مع فتحية من بدري.. بس قولي، هي فتحية قالتلك إنها محتاجة كام تاني بالظبط؟» حسين رد بنبرة ضائعة: «بتقولي محتاجة حوالي 30 ألف كمان عشان الرعاية المركزة بعد العملية.. وأنا معاييش غير مبلغ بسيط هنا في الغربة ومحتاجه لمصاريف سكني وأكلي.. مش عارف أتأصرّف إزاي ولا أجيبهم منين يا سارة، أنا حاسس إن أخويا بيمـ,ـوت مني وأنا عاجز!»
هنا سارة حسيت إن النار بتمسك في عروقها.. فتحية مش بس أخدت الـ 100 ألف، دي كمان طمعت وعاوزة تحلب حسين أكتر وتستغل عجزه وخوفه! قالت سارة بصوت صارم وثابت: «حسين.. اسمعني كويس جداً في اللي هقولهولك ده، وإياك تكسر كلامي أو تتصرف من دماغك.. إياك تبعت لفتحية ولا مليم واحد تاني.. ولا جنيه يا حسين، فاهم؟» حسين استغرب نبرتها العنيفة وقال: «إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟ ده أخويا بيمـ,ـوت في المستشفى! إنتي قسيتي كده ليه فجأة؟»
ردت سارة وهي بتحاول تمسك أعصابها وما تفركش المفاجأة كلياً: «أنا مش قاسية يا حسين، وأنا أكتر واحدة خايفة عليك وعلى فلوسك وشقاك.. أنا بقولك سيب الموضوع ده عليا أنا.. أنا هروح بكرة بنفسي للشبكة وللمستشفى اللي فتحية بتقول عليها، وهتقابل مع الدكاترة وهتأكد من كل حاجة بنفسي، ولو محتاجين فلوس أنا هتصرف وأجيبهم.. بس إنت توعدني إنك ما تبعتش ولا مليم وتطفي الموضوع ده خالص لحد ما أكلمك بكرة وأقولك الصافي!»
حسين سكت لحظات، مستغرب من إصرار سارة وقوتها المفاجأة، وبعدين تنهد وقال: «ماشي يا سارة.. أنا واثق فيكي وفي عقلك.. بس أرجوكي طمنيني أول بأول، أنا أعصابي مشدودة ومش قادر أتحمل أكثر من كده.» قفلت سارة المكالمة مع حسين، وقفت في نص الأوضة وعيونها بتلمع بالتحدي.. فتحية فتحت على نفسها طاقة جهنم، وما بقتش القصة مجرد استرداد الـ 100 ألف، القصة بقت حماية جوزها من النصب والاستغلال البشع. في صباح اليوم التالي، صحيت سارة بدري، لبست هدومها واستعدت للنزول.. كانت مخططة لخطوة جديدة وذكية جداً.. خطوة تقفل بيها كل منافذ الهروب على فتحية قبل ما المهلة تنتهي.
طلعت سارة من العمارة واتجهت مباشرة لمقر شغل **علي**.. المكان اللي علي شغال فيه كمقاول وشغاله فيه معمار.. وقفت بعيد، وسألت أحد العمال هناك بلطافة: «لو سمحت يا أستاذ.. هو البشمهندس علي موجود هنا النهاردة؟» العامل ابتسم وقالها بكل بساطة:




