
«اه طبعاً يا فندم، البشمهندس علي جوة في المكتب الميداني من الساعة 8 الصبح، شغال على أوراق المقاولة الجديدة وبيمضي العقود مع المهندسين.. تحبي أبلغه مين يسأل عليه؟» سارة طلّعت تليفونها الذكي، وفتحت الكاميرا وقالت للعامل بهدوء: «لا شكراً يا أستاذ.. أنا بس كنت حابة أتأكد إنه موجود عشان أسيّبله حاجة.. شكراً ليك.» قربت سارة بخطوات هادية ناحية كرفان المكتب الميداني، وقفت ورا شباك زجاجي نمهوادي، ورفعت التليفون وبدأت تسجل فيديو واضح بيمتد لدقيقتين كاملين: علي قاعد على مكتبه، بصحته الكاملة، بيضحك وبيشرب شاي، بيمضي أوراق، وبيتحرك بنشاط وحيوية من غير أي علامة تعب أو إرهاق!
الفيديو كان واضح، صوت علي وصورته وتاريخ اليوم والوقت ظهروا في تسجيل الفيديو بكل دقة.. سارة حطت التليفون في شنطتها وابتسمت ابتسامة نصر خفيفة.. كده السـ,ـلاح بقى في إيدها جاهز، والدليل القاطع اللي ينسف كل أكاذيب فتحية بقى متسجل ومحفوظ. رجعت سارة البيت، وقعدت تستنى.. مرت 3 أيام من المهلة، وفتحيّة ما اتصلتش ولا حركت ساكن.. لكن في اليوم الرابع، رن تليفون سارة، وكان المتصل هذه المرة مش فتحية.. كان **علي** نفسه!
سارة بصت للشاشة باستغراب، أخدت نفس هادي وردت بصوت متماسك: «ألو.. أهلاً يا علي، حمد الله على السلامة يا خويا.. أخيرًا سمعنا صوتك؟» صوت علي جه متوتر ومضطرب، وكان بيحاول يبان قوي وصارم، وقالها: «أهلاً يا سارة.. فتحية حكتلي على اللي حصل بينكم من كم يوم وعلى كلامك اللي قولتيهولها.. أنا متصل بيكي عشان أقولك كلمتين محشورين في زوري وما يتكرروش تاني!» سارة ضحكت بسخرية وقالت: «خير يا علي؟ اتفضل قول، أصل أنا بحب أسمع الكلمتين المحشورين أوي.»
علي قال بنبرة تهديد وعصبية: «إنتي فاكرة نفسك مين عشان تيجي لحد بيتي وتهددي مراتي وتخوفيها وتدخلي معاكي راجل غريب شقتي؟ الفلوس اللي أخدتها فتحية كانت بعلم حسين وبموافقته، وحسين أخويا الكبير وهو اللي طلب من مراتي تاخد الفلوس عشان يفك ضيقتي.. إنتي مالكيش أي حق تتدخلي بيني وبين أخويا ولا تطالبي بفلوس حسين أذَن بياخدها!» سارة اندهشت من وقاحته وتغير مجرى الكلام، وعرفت إن فتحية غيّرت الحقيقة لعلي وصورتله إن حسين كان عارف كل حاجة وموافق!
سارة قالت له ببرود شديد: «يعني إنت يا علي بتقول إن حسين كان عارف إنك مش عيان ولا بتزرع كلى، وإن الفلوس دي رايحة عشان تسدد شيكات ومواشي ونصب؟» علي اتلجلج لحظة وبعدين قال بعناد: «حسين أخويا عارف إن أنا محتاج الفلوس ومضغوط! ومش شغلك التفاصيل راحت فين وأتجلت إزاي! الفلوس دي إحنا هنردها لحسين لما أمورنا تظبط، وإنتي مالكيش أي كلمة ولا ليكي إنك تطالبي بـ 100 ألف ولا تبكتينا! ولو فكرتي تروحي لحماتي أو تتكلمي نص كلمة، أنا هعرف إزاي أرد عليكي وأعملك مشكلة مع حسين تجيبك الأرض!»
سارة وقفت وقالت بصوت أعلى وأقوى هزت بيه السماعة: «بقى كده يا علي؟ بقى بتستغفل أخوك اللي شقيان في الغربة، وبتبعت مراتك تبكي له وتدعي عليك بالمرض والزرع والكماليات عشان تاخد فلوسه، ولما أقفشتكم تحوّر القصة وتعمل فيها راجل وتهددني؟» علي صرخ: «إنتي تسكتي خالص! والـ 100 ألف دي مش هتشوفي منها جنيه واحد دلوقتي، وأعلى ما في خيلك اركبيه يا سارة!» سارة ابتسمت بثقة وقالت له بنبرة أهدى من المية بس أشد من السيف:
«أعلى ما في خيلي؟ ماشي يا علي.. طالما إنت اخترت الطريق ده، وطالما التهديد والصياعة بقت لغتكم.. يبقى الباب اللي فتحتوه بإيدكم استحملوا لما يتقفل على رقابكم.. قدامك 24 ساعة بس، لو الـ 100 ألف ما نزلتيش بيهم في إيدي، التسجيلات والفيديوهات اللي معايا بعلي اللي شغال زي الفل وصوت مرتك وهي بتبكي وتقول أخدنا الفلوس نلحق علي من السجن، هيكونوا في جروب العيلة وعلى تليفون حسين وحماتك.. ونشوف مين فينا اللي هيجيب الثاني الأرض يا ابن حماتي!»
قفلت سارة المكالمة في وش علي من غير ما تديله فرصة يرد، وسابت التليفون على الترابيزة وهي بتتنفس بقوة.. القناع سقط تماماً، واللعب بقى على المكشوف.. والأيام الجاية مش هتكون مجرد استرداد فلوس، دي هتكون مواجهة حاسمة هتغير شكل العيلة دي للأبد.
سادت اللحظات التالية للمكالمة حالة من الهدوء المريب في شقة سارة. كانت تجلس على الأريكة، ونظراتها معلقة على شاشة هاتفها الساكنة. تعلم تماماً أن النمر المجروح سيفعل أي شيء ليدافع عن عرشه، وعلي وزوجته فتحية أدركا الآن أن اللعبة لم تعد مجرد اقتراض لمبلغ مال تحت مسمى المرض، بل أصبحت مسألة بقاء وكشف أقنعة قد تؤدي بهما إلى الهاوية أمام العائلة بأكملها. لم تمضِ سوى ساعتين حتى بدأت الاتصالات تتوالى. لم يكن المتصل علي ولا فتحية هذه المرة، بل كانت حماتها!
رفعت سارة الهاتف، وأخذت نفساً عميقاً لتضبط نبرة صوتها، ثم ردت بالتحية المعتادة: «أهلاً يا ماما.. خير، في حاجة؟» جاء صوت الحموات محتقناً بالنعرة والغضب، على غير العادة، وقالت بصوت جاف ونبرة حادة: «تعالي لي يا سارة دلوقتي حالاً.. انزلي لي الشقة تحت، عايزة أفهم إيه الكلام اللي علي قالهولي ده! إيه اللي بينك وبين سلفتك وزوجها؟» أدركت سارة بسرعة أن فتحية وعلي قررا ضـ,ـرب ضـ,ـربتهما الاستباقية، وذهبا للحماة ليرسما سيناريو جديداً يقلبان فيه الطاولة ويصوران سارة في مظهر الزوجة الطماعة التي تزرع الفتنة بين الأخوة وتعتدي على حرمة بيوتهم.
نزلت سارة إلى شقة حماتها بثبات خطى، يرافقها يقين تام بأن الحق معها. بمجرد أن فتحت الباب ودخلت، وجدت فتحية تجلس بجانب حماتها، تصنع بكاءً مرامياً وتتمسح في طرف جلبابها، بينما علي يقف بجوار النافذة، يطوي ذراعيه ويعطيها ظهره بجمود وتكبر مستعار. قالت الحماة وهي تشير بإصبعها بغضب: «اقعدي يا سارة.. إيه المهزلة اللي بتبلغني بيها فتحية وعلي دي؟ إنتي رايحة لشقة أخو زوجك وجايبة معاكي أخوكي وتحدفيهم بالكلام وتهدديهم بالشرطة؟ عشان إيه؟ عشان علي استلف من حسين أخوه مبلغ يفك بيه زنقته في شغله؟ هي الفلوس دي فلوسك ولا فلوس ابني اللي بيشقى في الغربة؟»
سارة لم تجلس، بل وقفت في منتصف الصالة، وبصت لفتحية التي كانت تتفادى النظر في عينيها، ثم وجهت نظراتها الصارمة إلى علي، وقالت بصوت هادئ ومزلزل في نفس الوقت: «سألتيهم يا ماما الفلوس دي اتطلبت إزاي ومن مين؟ سألتيهم فتحية اتصلت بحسين في نص الليل وهي بتصرخ وبتعيط وتقوله الحق أخوك بيمـ,ـوت ومحتاج عملية زرع كلى فوراً بـ 150 ألف جنيه؟ سألتيهم مين اللي استغل خوف حسين على أخوه وخلاه يتصل بيا وأنا مكسورة الخاطر ويقولي هات فلوس الجمعية اللي استنيتيها سنين عشان نلحق علي من المـ,ـوت؟»
شهقت الحماة وتراجعت لورا، واستدار علي بسرعة بملامح مشدودة، بينما صرخت فتحية فارعة: كذابة! كذابة يا ماما! والله ما حصل! أنا اتصلت بحسين قولتله علي مزنوق في شغل المقاولات ومحتاج الفلوس، وحسين هو اللي قال لي خدي الفلوس من سارة وهي مش راضية وتتبلى علينا!» سارة لم تمنح فتحية فرصة للاسترسال في التمثيلية، بل أخرجت هاتفها من حقيبتها بكل هدوء. لم تبتسم ولم تظهر أي انفعال، بل ضغطت على زر التشغيل ورفعت صوت الهاتف لأعلى درجة.
خرج صوت فتحية الباكي المرتعش عبر سماعة الهاتف، وهو تسجيل المكالمة الأولية التي أجرتها سارة معها للترتيب للمقابلة، وصوت فتحية الواضح وهي تقول: *”علي متدمر نفسياً وماحدش تشوفه من القرايب في الضعف ده وهو رايح المستشفى لزرع الكلى.. هات الفلوس وأنا هطير بيها على المستشفى فوراً!”* ثم أتبعت سارة التسجيل بفيديو كليب آخر، ظهر فيه علي وهو في كامل صحته وعافيته في المقر الميداني لشغله، يحجم العقود ويضحك ويشرب الشاي في نفس اليوم الذي ادعت فيه فتحية أنه يتألم في غرفة العناية المركزة!
ساد الشقة صمت رهيب.. صمت ثقيل كأنه الجبل. الحماة تتطلع الشاشة بذهول، عيناها تتسعان بمرارة وصدمة لا توصف، وفتحية اصفرّ وجهها وانقطعت أنفاسها، بينما وقفت أقدام علي كأنها سمرت في الأرض. التفتت الحماة إلى ابنها علي، وبصوت ينبض بالكسرة والذهول قالت: «زرع كلى؟ بتعدوا عليا وعلى أخوكم بالمرض والمـ,ـوت عشان تأخدوا فلوسه؟ بتستغلوا خوف حسين في الغربة عشان تنصبوا على مراته وتسـ,ـرقوا شقاها؟» علي اتلجلج وحاول يدافع عن نفسه بصوت متقطع:
«يا ماما.. افهميني، أنا كنت في مصيبة وشيكات وسجن، وفتحية هي اللي…» قطعت فتحية كلامه بصرخة هيستيرية: «أنا؟ إنت اللي قولت لي اتصرفي بأي طريقة يا فتحية وسلكيلي الموضوع! إنت اللي سيبتني وشيلتني الشيلة لوحدي!» وبدأ الشجار يحتدم بين علي وزوجته أمام الأم وسارة، حيث أخذ كل منهما يرمي التهمة على الآخر ليكشف حجم الدناءة والهشاشة في المخطط الذي حاكاه سوياً. سارة كانت تقف كالجبل، تطالع الانهيار الذي أحدثته الحقيقة. ثم أطفأت شاشة هاتفها وضعته في حقيبتها وقالت بصوت قاطع وجهته للحماة:
«أنا كشفت الحقيقة قدامك يا ماما عشان تعرفي مين الصادق ومين النصاب، وعشان محدش يتهمني بإني بخرب البيت أو بتبلى على حد. الـ 100 ألف جنيه بتوع الجمعية هيوصلوا شقتي خلال 24 ساعة، يا إما التسجيلات دي والفيديوهات هتكون على تليفون حسين بكرة الصبح، وممكن ساعتها المحامي بتاعي يتصرف بالبلاغ الرسمي في النيابة بتهمة النصب والاحتيال.» الحماة نظرت لابنها علي بنظرة خيبة أمل قـ,ـاتلة، وبكت بحرقة وهي تقول:
«يا خسارة تربيتي فيك يا علي.. يا خسارة الغربة اللي أخوك بياكل فيها طين عشان يبعتلكم وتعملوا فيه كده؟ هات الفلوس يا علي.. هات الفلوس لمرت أخوك فوراً قبل ما حسين يعرف وتتخرب العيلة كلها!» خرجت سارة من الشقة وطلعت لشقتها، تاركة خلفها بركاناً يعصف ببيت الحماة. دخلت شقتها وقفت عند النافذة، تتنفس الصعداء. كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد؛ فعلي شخص مغرور ولن يتقبل هذه الهزيمة النكراء بسهولة، وربما يحاول استغلال أي كارت أخيرة للضغط عليها.
مرت ساعات الليل بطيئة، وسارة ترقب هاتفها. وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، سمعت طرقات خفيفة ومتوترة على باب شقتها. فتحت الباب بحذر، لتجد حماتها واقفة وبجوارها علي، وشخصيته كُسرت تماماً، وفي يده مظروف بني ثقيل. قالت الحماة وهي تمسح دموعها بوشاحها: «امسكي يا سارة.. دول 60 ألف جنيه، علي تصرف فيهم وجابهم من واحد صاحبه بالعافية وسحبهم.. والـ 40 ألف الباقيين هيوقعلك بيهم على كمبيالات واضحة ويكتبلك شيك مقبول الدفع يوفيهم على شهرين.»
سارة نظر للمظروف ثم نظرت لعلي، وقالت بصرامة: «لا يا ماما.. لا كمبيالات ولا شيكات من علي ينفعوني. أنا عايزة الـ 100 ألف جنيه كامليين كاش في إيدي زي ما أخذوهم مني كاش. قدامكم لحد بكرة الظهر، المبلغ يكتمل، يا إما المفاجأة اللي حسين هيعرفها مش هتتأجل دقيقة واحدة كمان!»




