روايات

ضحية الغربه

حياتي، ووقفت مكاني زي الصنم ومش قادرة حتى أصرخ أو أتحرك. استخبيت بسرعة ورا شجرة قريبة من مدخل العمارة وأنا بتنفس بالعافية، كأن جبل وقع على صدري. مسكت التليفون وإيديا بترتعش مش عارفة أجمع الحروف، وطلبت رقمه.. التليفون كان يرن ويرن ومحدش بيرد، أكنه مش سامع أو مطنش. كررت الاتصال مرة وتنين وتلاتة وأنا عيني عليهم ومثبتة نظري على المشهد اللي بيقطع في قلبي. شفته بيطلع التليفون من جيبه ويبص في الشاشة بنفاذ صبر، وقبل ما يكنسل، سمعت صوت مراته وهي بتقول بصوت عالٍ ومستفز وصل لحد عندي

* “إيه الرخامة دي! دي زننانة أوي ومابتفهمش.. هي ما بتزهقش؟!” بدأت تشتم فيا بأبشع الألفاظ وهي متضايقة، وأنا واقفة ورا الشجرة دموعي بتنزل بنار بتحرق وشي.. والمصيبة الأكبر كانت رد فعله هو! مسك إيدها بمنتهى الرقة وباسها، وقالها بصوت هادي ومطمن: * “حبيبتي معلش ما تحرقيش دمك.. بكرة أخلص منها خالص وماتقلقيش، كلها مسألة وقت والقصة دي تنتهي تماماً.” الكلام نزل عليا زي الصـ,ـاعقة، كأن حد ضـ,ـربني بس\كين في قلبي.. الست اللي سابت بلدها واستلفت وشقيت عشان تفاجئه، بقت بالنسبة له مجرد زنة عايز يخلص منها!

كمل كلامه مع مراته وهما واقفين تحت العمارة، وبص لها في عينها وهو بيطمنها بكل برود الدنيا وقالها: * “انتي عارفة كويس يا حبيبتي إني ما بروحش ناحيتها ولا ببص في وشها في الأجازات اصلاً.. ما انتي بتنزلي معايا مصر كل مرة خطوة بخطوة عشان تتأكدي بنفسك إن ماليش أي علاقة بيها!” ضحكت هي ضحكة صفرا، فكمل كلامه وهو بيطبطب عليها بحنية عمري ما شفتها منه: * “الأجازة كلها بتكون عشان فسحك وخروجك انتي وابننا وبس، ما بنزلش غير عشان أرد جميل أهلي وأشوفهم.. إنما هي؟ انتي عارفة كويس أنا سايبها على ذمتي ليه لحد دلوقتى!

الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي المية المغلية، واقفة ورا الشجرة مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي عملت المستحيل عشان أجيله وأفاجئه، عاملني مجرد اسم على ورق في حياته، والأجازة اللي كنت بستناها من السنة للسنة وبفرح بوجوده فيها، كانت مجرد فسحة لمراته التانية وهو مخدعني ومفهمني إنه معايا ولأهله وبس! وانه مش بينزل اسبوعين بس فى السنه لكن كان بينزل ويخبى عليه وقفت مكاني… رجلي مش شايلاني. كنت مستنية أسمع بقية الجملة…

إيه السبب؟ إيه اللي مخليه يسيبني على ذمته؟ شدت وداني بكل قوتي، وأنا مستخبية ورا الشجرة، وقلبي بيدق لدرجة حسيت إنهم هيسمعوه. ابتسمت الست، وسألته وهي بتبصله بشك: “طيب ما تطلقها وخلاص… مستني إيه؟” اتنهد، وبص حواليه قبل ما يقرب منها خطوة ويقول بصوت واطي: “أطلقها؟ وإيه اللي يضمنلي ساعتها إن أهلها ما يقلبوش الدنيا عليا؟” سكت ثانية… وبعدين كمل وهو بيضحك ضحكة باردة: “أنا طول السنين دي عامل فيها الزوج المغترب الغلبان… اللي ظروف شغله مانعاه يقعد في مصر. الكل متعاطف معايا… وأهلي نفسهم ما يعرفوش الحقيقة.”

قطبت هي جبينها. “بس ليه كل التعب ده؟” رد بمنتهى البرود: “عشان كل حاجة باسمها.” شهقت من غير صوت. وحسيت إن الهوا اتسحب من صدري. كمل كلامه وكأنه بيتكلم عن غريبة… مش عن ست استحملت سنين عمرها عشانه. “البيت اللي أبوها كتبهولها… والشقة… والأرض اللي ورثتها عن أمها… لو طلقتها دلوقتي هتبدأ تطالب بحقوقها، ويمكن تبيع كل حاجة أو تنقلها باسم حد من أهلها.” هزت راسها بإعجاب وقالت: “يعني مستني تخلص من كل ده الأول؟”

ابتسم ابتسامة خلتني لأول مرة أحس إني عمري ما عرفت الراجل ده. “بالظبط… هي فاكراني بعيد عشان الشغل… وكل شوية أبعتلها كام صورة وأكلمها دقيقتين، تقوم تعيش عليهم سنة كاملة.” ضحك…

السابقانت في الصفحة 1 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى