
وهي ضحكت معاه. أما أنا… فكنت بمـ,ـوت. افتكرت كل مرة كنت أعد الأيام عشان ينزل. كل مرة كنت ألبس أحسن هدومي وأستناه على باب البيت. كل مرة كنت أتحمل وجود أهله معانا وأقول معلش… المهم إنه جنبي. حتى الجمعية… اللي دخلت جمعية فوق جمعية عشان أوفر تمن السفر وأفاجئه… أنا اللي كنت بسهر أحسب الأقساط وأستخبى من الناس عشان محدش يعرف إني بسافرله. وهو… كان بيعيش حياته كاملة مع واحدة تانية.
وفجأة… رن تليفونه. بص في الشاشة، وابتسم. قال لمراته: “أكيد أمي.” فتح المكالمة على طول. سمعته بيقول بصوت كله حنية مصطنعة: “أيوه يا أمي… حاضر يا حبيبتي… والله وحشتوني كلكم.” وبعدين سألته أمه: “كلمت مراتك النهارده؟ البنت بتقول بقالك كام ساعة مبتردش.” بص لمراته… وغمزلها وهو بيضحك. وقال بكل هدوء: “هكلمها دلوقتي… أصل كنت في الشغل.” في اللحظة دي… بصيت للموبايل اللي في إيدي. كان لسه فيه عشرات المكالمات اللي أنا عملتهاله من شوية…
واتأكدت… إنه ماكانش مشغول. كان بيختار… مين يرد عليه… ومين يسيبه ينهار لوحده. ابتسم وهو لسه ماسك إيدها، وبص لها بنظرة كلها ثقة وقال: “عشان أنا أعرف أشتغل بعقلي يا حبيبتي، مش بقلبي. طول ما هي على ذمتي، محدش يقدر يقربلي. أهلها شايفيني الزوج المخلص اللي ظروف السفر ظلمته، وهي نفسها لحد النهارده مستنية مني كلمة حلوة تعيش عليها سنة كاملة. أما لو طلقتها، هتبقى عدوة، وساعتها هتفتح كل الملفات اللي أنا مش عايزها تتفتح
سألته وهي مستغربة: “طب وإيه مصلحتك منها دلوقتي؟” ضحك ضحكة قصيرة، وقال بمنتهى البرود: “هي أكبر غطاء ليا. كل الناس فاكرين إني راجل متجوز ومستقر، محدش يشك في حياتي هنا. وأهلي في مصر لما يسألوني ليه مش بنجيب أطفال، أقولهم الغربة والظروف، وهي المسكينة تصدق وتدافع عني قدام الكل.” هزت رأسها بإعجاب وهي بتبتسم، فقال وهو يقرب منها أكتر: “صدقيني، لو كنت عايزها كزوجة، كنت جبتها معايا من أول سنة. لكن أنا عمري ما فكرت أعيش معاها يوم. دي كانت غلطة واتورطت فيها، ولما جيت هنا بدأت حياتي من جديد.”
كل كلمة كانت بتتغرس جوايا زي الس\كين. افتكرت كل مرة كنت أكلمه فيها وأقوله: “وحشتني.” فيرد ببرود: “اصبري، كلها كام شهر وأنزل.” افتكرت دموعي وأنا بودعه في المطار كل سنة، ووعده ليا إنه بيشتغل ليل نهار علشان يبني مستقبلنا. افتكرت إني كنت بلف على الجمعيات وأستلف من هنا وهناك، وأضغط على نفسي في كل جنيه، عشان أحقق حلم بسيط… أشوف جوزي وأعيش معاه كام يوم من غير زحمة أهله ولا مواعيد الزيارات اللي كانت بتخطفه مني.
طلعت من شرودي على صوتها وهي بتقوله: “بس أنا لسه بخاف ترجع لها في يوم.” بصلها باستنكار، وبعدها ضحك وقال: “أرجعلها؟ أنا حتى لما بنزل مصر، ما بروحلهاش إلا ساعات معدودة قدام الناس. أول ما أخلص الزيارة، أبقى معاكي إنتي في الفندق أو الشاليه. فاكرة لما قولتلك كل سنة إن عندي شغل يومين؟ الشغل ده كان إنتي. كنت بسيبها قاعدة تستنى مكالمة مني وأنا بكون معاكي بنلف ونتفسح.” ضحكت هي وهي بتحط راسها على كتفه، وقالت بدلع: “يعني كل الصور اللي كنا بنتصورها في مصر…”
قاطعها وهو بيضحك: “كانت في الأيام اللي بقولهم فيها إني مسافر مأمورية من القاهرة. محدش كان يعرف إني نازل أصلاً غير لما أروح أسلم على أهلي ساعة ولا اتنين.” وقتها حسيت إن آخر حتة جوايا اتكسرت. أنا كنت فاكرة إنه بينزل أسبوعين في السنة، والحقيقة إنه كان بينزل أكتر من مرة، لكن مش علشاني… كان بينزل علشان يعيش مع مراته التانية وابنه، وأنا كنت آخر واحدة تعرف إنه موجود أصلًا.
رفعت عيني للسماء وأنا بحاول أمنع دموعي، لكن الدموع كانت أقوى مني. لأول مرة في حياتي حسيت إن الغربة ما كانتش غربة بلد… الغربة الحقيقية كانت إني عشت سنين مع راجل معرفتوش أبدًا. والأسوأ من الخـ,ـيانة نفسها، إن كل لحظة حب عشتها معاه طلعت مبنية على كدبة كبيرة… وأنا، بغبائي، كنت بطمن نفسي كل مرة وأقول: “أكيد الظروف هي اللي بعداه عني.”لكن الحقيقة كانت أوجع بكتير…هو عمره ما كان بعيد بسبب الظروف…هو كان بعيد… لأنه اختار يكون بعيد.
دخلوا العمارة، واختفوا من قدامي، لكن أنا فضلت واقفة مكاني كأني اتثبتت في الأرض. كنت مستنية أي حاجة تكذب اللي سمعته، أي حاجة تقول إن ده كله سوء فهم، لكن الحقيقة كانت أوضح من الشمس. الراجل اللي كنت بعد الأيام والثواني عشان أشوفه، كان داخل بيته مع مراته وابنه، وأنا بالنسبة له مجرد مكالمة مزعجة بيقفلها أو يأجلها لما يفضى. بعد أقل من دقيقة، رن تليفوني. بصيت في الشاشة، ولقيت اسمه منور قدامي. لأول مرة ما فرحتش لما شوفته، بالعكس، حسيت إن اسمه بقى تقيل على قلبي. سيبته يرن شوية، وبعدها رديت من غير ما أنطق بحرف.
أول ما سمع نفسي، اتكلم بنفس النبرة الهادية اللي كان دايمًا يعرف يطمني بيها وقال: “حقك عليا يا حبيبتي، كنت في الشغل، والدنيا مقلوبة عندنا. شوفت إنك رانة كذا مرة، خير؟” غمضت عيني وأنا بضغط على التليفون بإيدي، وسألته بهدوء: “أنت فين دلوقتي؟” رد من غير ما يتلعثم: “لسه في الشركة، أهو خارج حالًا. المدير كان موقفني في شغل مهم.” ابتسمت ابتسامة باهتة، وأنا ببص على باب العمارة اللي دخل منه من لحظات، وقلت: “طب ابعتلي صورة.”
سكت ثواني، وبعدها ضحك وقال: “إيه يا بنتي؟ هو تحقيق؟” قلت بنفس الهدوء: “لا… وحشتني بس، وعايزة أشوفك.” رد بسرعة: “النت هنا وحش، أول ما أوصل البيت هفتحلك فيديو.” قفلت عيني للحظة. كلمة “البيت” كانت كفيلة تكسر آخر حاجة جوايا. أي بيت فيهم؟ البيت اللي بيقولي إنه عايش فيه لوحده؟ ولا البيت اللي دخله من شوية وهو حاضن مراته، وابنه ماسك في إيده؟ قلتله: “ماشي… ابقى كلمني لما توصل.” قفل المكالمة، وأنا فضلت باصة للموبايل بإيد مرتعشة. لأول مرة أكتشف إن الكدب لما يتكرر سنين، بيبقى طبيعي عند صاحبه، لدرجة إنه ما بقاش يحتاج حتى يفكر قبل ما ينطق بيه.
كنت لسه هحط التليفون في الشنطة، لكن لقيت رسالة وصلت منه بعدها بدقيقة. فتحتها، لقيته كاتب: “بحبك… استحملي شوية، كلها كام شهر وهجمع فلوس أكتر وهنعيش أحسن عيشة.” قريت الرسالة أكتر من مرة، وكل مرة كنت بحس إنها بتوجعني أكتر. نفس الجملة اللي كنت بنام عليها كل ليلة، ونفس الوعد اللي كنت ببني عليه أحلامي، طلع بيتبعت لواحدة واقفة تحت عمارته وهو طالع يقضي الليلة في حضن ست تانية.
رفعت عيني ناحية الشقة، وبعد ثواني النور اشتغل في البلكونة. خرج هو… لكن ماكانش لوحده. خرج وهي معاه، وقفت جنبه، وحطت إيديها حوالين خصره، وهو لف دراعه عليها، وباس راسها بمنتهى الحب. بعدها شال الطفل بين إيديه، وفضل يلف بيه وهو بيضحك، والطفل بيناديه: “بابا… بابا.” وقتها بس فهمت إن اللي كنت شايفاه تحت العمارة ماكانش لحظة عابرة… دي كانت حياته الحقيقية، وأنا كنت مجرد الكذبة اللي مخبي وراها الحياة دي كلها.
مديت إيدي جوه الشنطة، وطلعت العلبة اللي كنت جايباهاله هدية. فتحتها، وبصيت للساعة اللي فضلت ألف عليها لحد ما لقيت الشكل اللي كنت متخيلة إنه هيعجبه. افتكرت فرحتي وأنا بلفهاله بورق الهدايا، وافتكرت إني كنت بقول لنفسي: “أكيد أول ما يشوفها هيعرف قد إيه أنا بحبه.”
ضحكت ضحكة كلها وجع، وقفلت العلبة تاني، وأنا ببص على البلكونة للمرة الأخيرة. ساعتها بس، لأول مرة من ساعة ما وصلت، بطلت أسأل نفسي: “هو ليه عمل فيا كده؟” وبقي السؤال الوحيد اللي مالي دماغي هو: “إزاي هخليه يندم على كل كذبة عاشها… من غير ما يعرف إني كنت واقفة تحت بيته وسمعت كل كلمة قالها؟”
فضلت باصة للبلكونة ثواني، وبعدها مسحت دموعي بإيدي، وخدت نفس عميق. لأول مرة من ساعة ما شوفته، بطلت أعيط. الوجع لسه موجود، لكن مكانه بدأ يتملى بحاجة أخطر… هدوء. هدوء الست اللي عرفت الحقيقة، وقررت إنها مش هتواجه دلوقتي، لأنها لو طلعت قدامه في اللحظة دي، هيبقى هو اللي مستعد، وهيبقى عارف إنها عرفت كل حاجة. أما لو رجعت وكأني معرفش… ساعتها هو اللي هيبقى مكشوف. بصيت للهدية اللي في إيدي، وقفلت الشنطة، وقومت أمشي وأنا برسم على وشي ابتسامة باهتة. حجزت أوضة في فندق قريب، وقضيت الليلة كلها صاحية، مش من كتر العياط… لكن وأنا برتب كل خطوة هعملها.
تاني يوم الصبح، أول ما الساعة جت عشرة، مسكت التليفون واتصلت بيه. رد بسرعة، وكأنه مستني مكالمتي. قال بابتسامة مصطنعة: “صباح الخير يا حبيبتي، عاملة إيه؟ زعلتي مني امبارح؟” ضحكت. ضحكة خلت حتى أنا استغرب نفسي. قلت بدلع كنت عارفة إنه بيحبه: “لا يا سيدي… زعل إيه بس؟ أنا اللي كنت دلوعة شوية.” سمعته ارتاح، وقال وهو بيضحك: “أهو كده… رجعتي مراتي العاقلة.” بلعت غصتي، وكملت بنفس النبرة: “بقولك إيه… أنا كنت بفكر في حاجة من امبارح.”
“إيه هي؟” قلت وكأني مترددة: “إحنا لحد إمتى هنفضل عايشين كده؟ أنت غربة، وأنا هنا لوحدي.” اتنهد وقال: “أعمل إيه بس؟ الظروف.” قلت بسرعة، وكأني لقيت الحل: “طب ما إحنا عندنا الأرض اللي ورثتها عن أمي… أنا بفكر أبيعها.” سكت. السكون اللي حصل بعدها كان كفيل يعرفني إني لمست أكتر نقطة بتهمه. قال بعد لحظة، وهو بيحاول يبان هادي: “تبيعيها؟ ليه؟” قلت: “أهو بدل ما هي واقفة كده. نبيعها، وأديلك الفلوس تعمل بيها مشروع. يمكن تنجح وترجع تستقر هنا، ونعيش أخيرًا زي أي زوجين.”
فضل ساكت ثواني، لكن المرة دي قدرت أسمع الفرحة اللي بيحاول يخبيها في صوته. قال بسرعة: “بصي… والله أنا مكنتش عايز أقولك، لكن فعلاً في مشروع هنا لو دخلته هيكسبنا أضعاف. كنت متردد أطلب منك حاجة زي دي.” ابتسمت بسخرية وهو مش شايفها. طبعًا… ظهر حماسه في ثانية. كملت بنفس البراءة: “يعني شايف إنها فكرة حلوة؟” قال من غير تفكير: “ممتازة… ممتازة جدًا. الأرض هتفضل واقفة، لكن المشروع هيجيب دخل أكبر بكتير.”
قلت: “خلاص، هبدأ أسأل على المشتري من الأسبوع الجاي.” سمعته يضحك لأول مرة من قلبه، وقال: “ربنا يخليكي ليا. والله عمرك ما قصرتي معايا.” قفلت المكالمة، وأنا باصة لسقف الأوضة. ولأول مرة… ضحكت. بس ما كانتش ضحكة فرح. كانت ضحكة واحدة أخيرًا عرفت منين هتدخل له. لو كان سايبني على ذمته علشان الأرض… يبقى الأرض هي اللي هتخليه يكشف كل أوراقه بنفسه. وأنا… ما كانش في نيتي أبيع شبر واحد منها.
كان في نيتي أخليه يجري ورا السراب، لحد ما يطمن إنه هيقبض الفلوس، وساعتها… هيقع في الفخ اللي حفره بإيده. بعد المكالمة فضلت ماسكة التليفون في إيدي وأنا مبتسمة. كان فاكر إنه لعب عليا، وإنه بمجرد ما لمح كلمة “بيع الأرض” نسي نفسه وكشف لهفته. الراجل اللي طول عمره يمثل عليا إنه زاهد في الدنيا، وإن أهم حاجة عنده إني أكون مرتاحة، اتحول في ثواني لشخص بيسأل عن المشروع والمكسب والفلوس، ولا مرة حتى سألني: “وإنتِ هتعيشي فين بعد ما تبيعيها؟”
بعد نص ساعة بالظبط، لقيته بيتصل تاني. رديت وأنا متعمدة أخليه يحس إني مبسوطة. قال: “بقولك يا حبيبتي… هو إنتِ ناوية تبيعي الأرض كلها؟” ضحكت وقلت: “أيوة… ما إحنا هنستفيد إيه وهي مركونة؟ وبعدين إنت أولى بيها. أنا ماليش غيرك.” سكت لحظة، وبعدها قال بصوت حاول يخليه طبيعي: “بصي… لو لقيتي مشتري بلاش تستعجلي. كلميني الأول، وأنا أعرف ناس ممكن يجيبولك سعر أحسن.” ابتسمت وأنا عارفة إنه مش بيدور على مصلحتي… هو بيدور على فلوسي.
قلتله: “متقلقش، من غير رأيك مش هعمل حاجه سمعته يتنفس براحة، وقال: “ربنا يخليكي ليا. والله إنتِ ست جدعة.” قفلت المكالمة، ولسه بحط التليفون على السرير، لقيت رسالة منه.




