روايات

زوجي أصر يدعو طـ,ـليقته 

زوجي أصر يدعو طليقته على أول سهرة عائلية في شقتنا الجديدة وبكل برود بص في عيني وقال لو مش هتقدري تتحملي يبقى بلاها عزومة من أصلها وإنتي متلزمنيش. وقتها ما صرختش ولا اتخانقت ولا حتى حاولت أمنعه. ابتسمت بهدوء وقلت كلمة واحدة حاضر. لكنه ماكنش يعرف إن الرد الحقيقي هيبدأ بعد العزومة وإن الهدوء اللي شافه قدامه كان أخطر بكتير من أي خناقة لكنه ماكانش يعرف إن الهدوء اللي شافه قدامه، كان أخطر بكتير من أي خناقة.

الليلة دي كنت قاعدة على بلاط مطبخ شقتنا الصغيرة في العجوزة، بحاول أصلح الماسورة اللي كانت بتسرّب مية من تحت الحوض. شعري مربوط بإحكام وهدومي متبهدلة من الشغل ولسه المفتاح الإنجليزي في إيدي. وفجأة الباب اتفتح بعنف، لدرجة إن الصور المعلقة على الحيطة اتهزت كلها. طلعت من تحت الحوض ولقيته واقف قدامي، دراعاته متشابكة وملامحه جامدة عامل بالظبط زي مدير داخل يحاسب موظف على غلطة كبيرة. قال بصوت هادي، لكنه تقيل

عايزين نتكلم عن يوم الخميس. يوم الخميس يوم عزومة البيت الجديد. أول مرة هنجمع أهلنا وصحابنا بعد ما نقلنا الشقة. مسحت إيدي في منديل قديم وسألته فيه إيه؟ وقف مستقيم أكتر وقال بنبرة محسوبة أنا عزمت حد وهي مهمة بالنسبة لي. عايزك تتعاملي بهدوء ونضج. ولو مش هتقدري هيبقى فيه مشكلة كبيرة بينا. بصيتله وسألته مين؟ رد من غير ما يرمش حتى ياسمين. طليقته. الست اللي كل ما أفتح سيرتها، يلاقي لها ألف عذر واللي عمره ما قطع أخباره عنها، بحجة إنهم أصحاب.

نزلت المفتاح الإنجليزي من إيدي. وقع على السيراميك بصوت دوّى في المطبخ وكأن الصمت نفسه اتكسر. رفعت عيني وسألته بهدوء متعمد إنت عزمت طليقتك على عزومة بيتنا الجديد؟ قال بكل بساطة أيوه. إحنا أصحاب كويسين. ولو ده مضايقك يبقى المشكلة إنك مش واثقة في نفسك. ماكانش بيفسر كان بينذر. وبعدين كرر وهو باصص في عيني أنا عايزك تتصرفي زي الست العاقلة تقدري؟ كان مستني انفجار. مستني دموع. مستني خناقة تقلب البيت.

لكن أنا ابتسمت. ابتسامة هادية ثابتة خلت حتى هو يتلخبط. وقلت هكون ناضجة جدًا أوعدك. اتسعت عينه باستغراب وقال بس كده؟ إنتِ موافقة؟ ابتسمت أكتر وقلت طبعًا لو هي مهمة عندك، يبقى أهلاً وسهلاً بيها. فضل يبصلي كام ثانية، يدور في وشي على أي علامة غضب أو سخرية لكنه ما لقاش. وفي الآخر، زفر براحة وقال كويس مبسوط إنك مش هتعملي مشاكل. أول ما خرج من المطبخ وهو ماسك موبايله وبيبعت رسالة وعلى وشه ابتسامة الراجل اللي مقتنع إنه كسب المعركة من غير ما يبذل مجهود

مسكت أنا موبايلي. فتحت محادثة سارة وكتبت يا سارة أوضة الضيوف عندك لسه فاضية؟ الرد جه بعد ثواني طبعًا. خير؟ كتبت هفهمك كل حاجة يوم الخميس بس محتاجة مكان أقعد فيه كام يوم. ما اتأخرتش في الرد. بيتي بيتك تعالي في أي وقت. قفلت الموبايل وخدت نفس طويل. أنا نورا عندي تسعة وعشرين سنة. بشتغل في صيانة أجهزة التكييف وشغلي علمني إن أي عطل صغير لو اتساب، بيكبر لحد ما يبوظ الجهاز كله.

بس الغريب إني ماعرفتش أطبق الدرس ده على حياتي. عرفت أحمد من سنتين. في البداية كان بيعملني وكأني أهم واحدة في الدنيا. يسأل يهتم يسمع ويخليني أحس إن وجودي فارق معاه. ولما قررنا نعيش سوا من ست شهور، كنت فاكرة إننا أخيرًا بنبدأ الحياة اللي حلمنا بيها. لكن الحقيقة كانت مختلفة. واحدة واحدة بقيت بتنازل. أسكت عشان مايحصلش خناق. أضحك على كلام ضايقني. أعدي مواقف كان المفروض أقف عندها. وأصغر نفسي كل مرة مقابل إن البيت يفضل هادي.

لحد ما وصلت لليلة دي. تاني يوم صحيت لقيته في قمة سعادته. يبعتلي طول اليوم عن قائمة الأكل والزينة والضيوف وكأنه طفل مستني يوم العيد. الغريب إنه ماجابش سيرة ياسمين ولا مرة. واضح إنه كان مقتنع إن الموضوع انتهى بمجرد إني قلت له حاضر. وقت استراحة الغدا، كنت قاعدة لوحدي في عربية الشغل. طلعت ورقة وبدأت أكتب. إيه الحاجات اللي فعلًا تخصني؟ هدومي. عدة شغلي. اللابتوب. الصور القديمة. مجوهرات ستي.

بس. خلصت شغلي وروحت أنقل فلوسي لحسابي ورتبت كل حاجة بهدوء. حزمت شنطة صغيرة وحطيتها في شنطة العربية. كل ده من غير ما يحس بأي حاجة. ولما رجعت البيت لقيته غارق وسط الزينة. أول ما شافني قال بابتسامة تعالي ساعديني نعلق الباقي. قلت حاضر. وقفنا نعلق الزينة سوا. وهو بيتكلم بحماس عن مستقبلنا وعن البيت الجديد وعن الحياة اللي لسه هتبدأ. وفجأة بصلي وقال حاسس إن النهارده يوم مختلف مش كده؟

ابتسمت وقلت أكيد يوم عمرنا ما هننساه. ضحك وهو فاكر إني أقصد نفس المعنى اللي في دماغه. بالليل، بص في موبايله وقال وهو مبتسم ياسمين أكدت وهتجيب معاها علبة حلويات. قلت وأنا بكمل اللي في إيدي حلو. رفع عينه وبصلي باستغراب. وقال إنتِ هادية أوي. ابتسمت وقلت إنت اللي طلبت مني أكون ناضجة وأنا بعمل اللي طلبته. وجاء يوم العزومة. من العصر، الشقة اتملت بالناس. ضحك وصوت كوبايات وكلام في كل ركن.

لكن رغم الزحمة عمري ما حسيت إن المكان ده بيتي أقل من اليوم ده. قربت الساعة خمسة. ولاحظت إنه بقى يبص في موبايله كل دقيقة. يعدل ياقة قميصه. ويبص ناحية الباب. وكأنه مستني أهم ضيف في العزومة كلها. وفجأة الجرس رن والصالة كلها سكتت هو اتحرك يفتح لكن أنا سبقته وقلت بهدوء أنا هفتح. فتحت الباب ولقيتها واقفة قدامي. كانت أصغر مني، جميلة وواقفة بثقة كأنها جاية مكان تعرفه كويس.

ابتسمت وقالت إنتِ نورا؟ ابتسمت نفس الابتسامة الهادية وقلت اتفضلي. دخلت. وأول ما أحمد شافها وشه كله نور. ابتسامة بالشكل ده ما شفتهاش وهو بيبصلي من شهور. أما أنا فكملت أرحب بالضيوف وأقدم العصير وأتصرف وكأن كل حاجة طبيعية. وهو كل شوية يبصلي، مستني أي انفعال. وأنا ما ادتلوش اللي كان مستنيه. وبعد حوالي ساعة لقيته واقف معاها في ركن الصالة. الاتنين بيضحكوا اتقدمت ناحيتهم وقلت بصوت سمعه كل اللي في البيت

ممكن دقيقة من الجميع؟ الصالة سكتت وكل العيون اتوجهت ناحيتي. رفعت الكوباية اللي في إيدي وابتسمت وقلت عايزة أشرب نخب أحمد الكل ابتسم أما هو فابتسم بثقة وكملت لأنه النهارده ورّاني بالظبط أنا أستحق إيه. الابتسامة اختفت من على وشه وبعدين بصيت لياسمين وقلت وأشكرك إنتِ كمان لأن وجودك النهارده كشفلي الحقيقة كلها. سكت ثواني وأخدت نفس هادي. وقلت الجملة اللي قلبت الليلة كلها وأحب أبلغكم إن دي آخر ساعة ليا في البيت ده.

ساد صمت ثقيل في الصالة، لدرجة إنك لو وقعت دبوس على الأرض كان الكل هيسمعه. أحمد بصلي وهو مش مستوعب اللي سمعه وقال بصوت متقطع إيه؟ ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي حافظها من أول اليوم وقلت ولا حاجة أنا بس بعمل اللي إنت طلبته مني. بتصرف بنضج. وبعدين لفيت ناحية الضيوف كلهم وقلت بهدوء الست العاقلة مش بس بتعرف إمتى تسكت الست العاقلة كمان بتعرف إمتى تمشي من مكان بقت فيه مش متقدرة.

وشه احمر في ثانية وقال بعصبية إنتِ بتحرجِي نفسك قدام الناس. هزيت راسي بالنفي وقلت لأ اللي بيتحرج النهارده هو إنت. وبعدين بصيت ناحية ياسمين وقلت بمنتهى الهدوء اتفضلي المكان اللي كنت مصمم تفتحهولها، بقى كله ليها. بعدها سيبت الكوباية من إيدي، لفيت ومشيت. سمعته بينادي باسمي، لكني ما وقفتش. خرجت من باب الشقة ولحقتني خطواته على السلم. مسك دراعي بسرعة وقال وهو منفعل إنتِ مكبرة الموضوع بطريقة مستفزة. سحبت إيدي من بين إيده بهدوء وبصيتله للمرة الأخيرة.

وقلت لأ أنا لأول مرة في حياتي بحط نفسي في المكان اللي تستحقه. وسبت إيده ونزلت من غير ما أبص ورايا لما فتح باب العمارة، كانت عربيتي شغالة ومستنياني. ركبت وقبل ما يبقى قادر يقول أي كلمة، كنت اتحركت وسِبته واقف مكانه. رجع للشقة وهو متوقع يلاقي الناس رجعت تضحك وكأن اللي حصل ماكانش له وجود. لكن أول ما دخل، لقى أكتر من تلاتين شخص ساكتين وكل واحد فيهم بيبصله بنظرة مختلفة.

ولا حد اتكلم ولا حد ضحك. لحد ما واحد من أصحابه كسر الصمت وقال هي ما عملتش مشكلة إنت اللي عملتها من أول ما عزمت طليقتك على عزومة بيتك وفضلت طول اليوم مستنيها أكتر من أي ضيف تاني. كنت متوقع مراتك تعمل إيه؟ رد أحمد بسرعة إحنا كنا بنتكلم عادي. ضحك صاحبه ضحكة قصيرة وقال بلاش تقنع نفسك قبل ما تقنعنا كلنا شفنا. فضل أحمد ساكت شوية وبعدها بص لياسمين وقال بارتباك

الأفضل تمشي دلوقتي. اتغيرت ملامحها وقالت بضيق يعني أنا بقيت الغلطانة؟ ما ردش. مسكت حاجتها وخرجت. وبعدها بدقايق، الضيوف بدأوا يمشوا واحد ورا التاني والعزومة اللي كان بيحلم بيها انتهت قبل ما تكمل. أما أنا فكنت قاعدة في أوضة الضيوف عند سارة والشنطة الصغيرة جنبي وكوباية شاي سخنة بين إيديا. قعدت قصادي وسألتني بهدوء إنتِ عاملة إيه؟ ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت وحشة أوي. ربتت على إيدي وقالت وده طبيعي لأن الوجع عمره ما كان معناه إن القرار غلط.

أول ما قالت الجملة دي، حسيت بكل القوة اللي كنت ماسكة بيها نفسي طول اليوم بتنهار. وعيطت مش عياط صريخ ولا انهيار عياط تعب. عياط واحدة فضلت سنين تحاول تقنع نفسها إن السكوت بيحافظ على البيوت. الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل، لما موبايلي نور بأول رسالة منه. إنتِ بجد عملتِ كده؟ ارجعي نتكلم إنتِ أحرجتيني قدام الناس. بصيت للرسالة وابتسمت حتى دلوقتي شايف نفسه الضحية. بعد ساعة، بعت تاني كلّميني نصلح الموضوع. والله ما كنت أقصد.

قريت الرسالة وقفلت الموبايل. لا رديت ساعتها ولا تاني يوم. لأن فيه ناس، عمرها ما بتفهم قيمة اللي خسرته إلا لما تلاقي المكان فاضي. عدت الأيام وابتديت أرجع لنفسي واحدة واحدة. دهنت أوضتي باللون الفاتح اللي كنت بحبه واللي كان دايمًا يرفضه. رجعت أضحك من قلبي ونمت لأول مرة من شهور من غير ما أصحى وأنا شايلة هم خنـ,ـاقة جديدة. وكان الشفاء بيحصل في تفاصيل صغيرة محدش غيري كان يحس بيها.

بعد حوالي شهرين، دخلت سارة الأوضة وهي مبتسمة وقالت مش هتصدقي مين ساب مين. رفعت عيني وبصيتلها. قالت ياسمين سابت أحمد. ضحكت من غير أي شماتة وقلت كنت متوقعة. قالت بتقول إنه متحكم وما بيستحملش حد يخالفه وإن أي اختلاف في الرأي بالنسبة له مشكلة. وقتها بس فهمت إن الحياة ساعات بترد الحقوق بطريقتها. مش لازم عقاب كبير ولا انتقام. أوقات، كل اللي بيحصل إن نفس التصرف اللي كسرك يجي حد تاني يرفضه.

وبعدها بشهور، قابلت واحد من أصحابه بالصدفة. قعد معايا شوية وقال وهو محرج أحمد لحد النهارده بيقول إنه خسر أحسن إنسانة دخلت حياته. حركت فنجان القهوة قدامي وقلت بهدوء هو ما خسرنيش بسبب عزومة ولا بسبب طـ,ـليقته. رفعت عيني وكملت هو خسرني لأنه كل مرة كنت بطلب فيها احترام كان يقنعني إن المشكلة فيا. بعد أسبوع وصلتني آخر رسالة منه. كان كاتب عارف إن يمكن ما استحقش حتى إنك تقري الرسالة دي بس خسارتي ليكي خلتني أفهم متأخر أنا ضيعت إيه. أتمنى في يوم تلاقي حد يقدرك بالطريقة اللي أنا فشلت أقدرهالك.

قريت الرسالة للنهاية وقفلت الموبايل. من غير غضـ,ـب ومن غير رغبة في الرد. لأن السلام الحقيقي ما بيبدأش لما الطرف التاني يندم السلام الحقيقي بيبدأ لما تبطل تستنى الندم أصلًا وتكمل حياتك من غير ما تبص وراك عدت سنة كاملة تقريبًا وأنا عايشة لوحدي.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى