روايات

حماتي حكايات رومانى مكرم

كنتُ لسه مخلصة تنظيف حماتي اللي المرض مقعدها في السرير، لما دخل جوزي حسن بعد ما غاب في الشغل بره مصر ثلاث سنين كاملين. أول ما حط رجله في البيت، بدأ يوزع الهدايا وكأنه جايب معاه الفرح كله. قال وهو مبتسم: “يا أمي… يا أبا… العمر جرى بيكم، وأنا جيبتلكم فيتامينات ومكملات غذائية غالية أوي من بره، عشان تصحصحوا وترد فيكم الروح.” وش حماتي أم حسن أَنَوَّر من الفرحة، وكأنها نسيت تعبها في ثانية.

أما أخته شيماء، فجريت وخ.طفت أغلى شنطة وصرخت بهيصة مبالغ فيها: “أنت أحسن أخ في الدنيا كلها!” أصل أنا كنت واقفة على جنب في أخر الأوضة، لسه بلبسي ومريلتي، وإيدي مبلولة وعرقانة. ثلاث سنين… حمل البيت ده كله كان على كتفي لوحدي. خدمة أبوه وأمه، وتربية ابننا، والمشال والمطال… وفي المقابل… ما بعتش جنيه واحد. ولما عينه جات في عيني أخيراً، وقف فجأة. قلبي نط من مكانه… قلت خلاص، جه دوري.

مديت إيدي أخد أجمل علبة على الترابيزة… بس صوته جه ينزل عليا زي المية الساقعة: “إيدك! بلاش تلفحيها بإيديكي المش نظيفة دي… دي لشريكتي في الشغل، ميرفت.” اتسمرت في مكاني، وإيدي متعلقة في الهوا. قلت بصوت ناشف: “وهديتي فين؟” اتردد لحظة، وبعدين طَلَّع من الشنطة ميدالية مفاتيح رخيصة، ورماها عليا بقلة ذوق: “دي عشانك… نَقَّيتها ليكي مخصوص، حافظي عليها بقى.” خبطت في إيدي… ووجعتني. بصيت للهدايا الفخمة المترصصة على الترابيزة… وبعدين قلبت الميدالية، لقيت الورقة ملزوقة عليها:

[هدية مجانية مع الشراء] حماتي ضحكت وصقفت: “ابني طول عمره أصولي وبيعرف يوجب!” وشيماء ح.ضنت شنطتها الجديدة ونظرت لي بقرف: “بلاش دراما والنبي… خديها وخلصينا.” رفعت الميدالية في وشه: “بتديني هدية مجانية… بعد كل ده؟” وش حسن اتغير وقال ببرود: “وحتى لو مجانية؟ أنتِ طماعة وعينك فارغة.” اتنفضت فيه: “شريكتك تاخد أزجاجة برفان الشيء الفلاني… وأختك تاخد شنطة ماركة… وأنا؟!” قرب مني خطوة وقال بأبرد ما عنده: “عشان أنتِ ما تستاهليش أكتر من كده.”

كل حاجة جوايا وقفت. وطلع صوتي بيمو.ت ويترعش: “ما أستاهلش?!” دموعي كرت: “ثلاث سنين وأنا شايلة البيت ده على دماغي!” “كل يوم بمرض أُمَّك وأخاف عليها من الهوا الطاير!” “بأكلها بإيديا!” “بربي ابننا، وبخدم أباك!” “كل صغيرة وكبيرة كانت عليا!” “وأنت؟ غايب ثلاث سنين… لا مصاريف ولا حتى حس ولا خبر!” “وترجع دلوقتي عشان تديني دي?!” زعق بقلة أدب: “اخرسي!” وبعدها… قلم شديد. وبعديه تاني. وبعديه ثالث. صوت ض.ربه سمّع في الشقة كلها.

وما حدش اتهز. ولا حد نطق كلمة يدافع بيها عني. حطيت إيدي على خدي اللي بيولع: “حسن… بتض.ربني؟” قال بمنتهى البرود: “عشان تتربي وتستاهلي.”
وكمل بغل: “البرفان اللي اتكسر ده كان بفلوس وشيء وشويات! هتدفعي تمنه يعنى هتدفعي!” بصيت له وبحلقة: “أنا؟ أدفع؟” ما ردش… ده طَلَّع أجندة سودة قديمة، ورماها تحت رجلي. صفحاتها اتفرطت. وشاور عليها: “ثلاث سنين… أكلك، وشربك، والكهرباء، والمية، وعلاج أمي، ومصاريف المدرسة بتاعت الواد… كل المليم محسوب.”

“سددي اللي عليكِ الأول وبعدين أطلبي هدايا.” قعدت على الأرض أبص في الأجندة. كل سطر… متسجل فيه “مصاريفي”. بس ما كتبش… إني ما أخدتش منه مليم. كل اللي صرفته… كان من قرشين شقايا ومدخراتي من قبل الزواج. هديت حيلي في خدمتهم… وفي الآخر… بيقدم لي فاتورة حساب. قمت ببطء. دموعي نشفت. وما بقاش في حيل للمجادلة. دخلت الأوضة… أخدت البطاقة، وكارت البنك، وحبتين هدوم… وحطيتهم في شنطة. وخرجت. كان لسه عمال يحسب:

“المجموع يطلع بتاع 14,500 دولار… هاتي 8000 الأول تحت الحساب…” عديت من جنبه ولا كأني شايفاه. مشيت في الصالة… شفت الإزاز المكسور… والوشوش الساقعة… والشماتة في عينيهم. وصلت عند الباب… ولبست جزمتي. مسك إيدي فجأة: “صباح! على فين العزم كده؟” وقفت… من غير ما ألتفت له. قلت بهدوء يقطع العرق ويسيح دمه: “يا حسن… أنا خدمت العيلة دي ثلاث سنين.” “ما شفتش منك كلمة حلوة… ولا قرش… ولا أصول.” “لحد هنا…

🎁 ابدأ الـآن 🎁 اكمل باقى القصه 🌟 ⏳ Loading… وخلاص جابت أخرها.” البيت كله اتنتر. حماتي صرخت: “سايبة البيت وماشية عشان هدية يا جحدة?!” وشيماء قالت بسخرية: “إيه تمثيل الأفلام ده!” زقيت إيده بعيد عني. وبصيت له: “هنتني… وض.ربتني… وعايز تحاسبني على ديون من خيالك؟” وبصيت لحماتي: “شلتك ثلاث سنين على كفوف الراحة… سمعتي مني العيب يوم؟” “والنهاردة… حد فيكم فتح بقه كلمة حق يسترد بيا؟” البيت بقى زي المقابر.

بصيت له لأخر مرة: “أنا جبت أختري.” “ومن النهاردة… صباح مالهاش صالح بيكم.” فتحت الباب… وخرجت. حسيت براحة وغُمّة وانزاحت عن صدري… كأني اتولدت من جديد. طلعت تليفوني… وطلبت رقم. كانت الحاجة أم أمل، ست طيبة وودودة من حيّنا الشعبي في السيدة زينب، وابنها من كبار التجار في السوق. كانت طول عمرها شايفه شقايا وتعبي… وكانت دايماً تقولي: “بابي مفتوح ليكي يا بنتي في أي وقت.” عرضت عليا كتير أشتغل عندها مديرة بيت مقيمة…

أوضة لوحدي… وراتب يبسطني… ومعاملة تشيلني على رأسها كأني واحدة منهم. #الكاتب_رومانى_مكرم_ بس أنا كنت برفض… عشان كنت فاكرة إن البيت ده بيتي. أما دلوقتي… فأدركت بعد فوات الأوان… إنه ما كانش بيتي في يوم من الأيام. بس هما ما كانوش يعرفوا… إن خروجي من الباب ده ما كانش نهاية حكايتي… دي كانت بداية حساب ما يخطرش على بال حد فيهم. وقفتُ في الشارع والمساء يرخي سدوله على حيينا الشعبي، أنفاسي تتصاعد كالبخار، وفي يدي حقيبة صغيرة تختصر سنوات من القهر والصبر. لم أتردد لحظة، رفعت الهاتف وأجريت المكالمة.

جاءني صوت الحاجة أم أمل كأنه طوق نجاة وسط بحر متلاطم: “تعالي يا صباح يا بنتي، الباب مفتوح، والبيت بيتك من غير ما تحكي ولا كلمة.” وصلتُ إلى بيتها في السيدة زينب، استقبلتني بالأحضان، ولم تسألني عن شيء حتى أطعمتني وهدأت روعي. وفي تلك الليلة، وأنا أجلس في الغرفة المستقلة التي خصصتها لي، أدركتُ أن البكاء لن يسترد كرامتي، وأن الدموع لا تبني حقاً. كشفتُ عن ساعدي، وقررتُ أن أبدأ المعركة، ولكن هذه المرة بالقانون والمستندات والعقل السليم.

كان حسن يعتقد أنني مجرد امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، خرجت بلا عائد، وأنها ستستسلم بعد أيام وتعود زاحفة تترجاه. لكنه نسي شيئاً مهماً جداً: خلال السنوات الثلاث التي غاب فيها، كنتُ أنا من يدير كل شؤون البيت المالية من تدبيري الخاص، وكنتُ أحتفظ بكل أصل وصورة، وكل إيصال تحويل، وكل فاتورة علاج، وكل شيك صُرف من حسابي البنكي الخاص الذي ورثته عن أبي رحمه الله. /> في اليوم التالي مباشرة، بدأتُ أولى خطوات الخطّة:

أولاً: تثبيت الواقعة وتوثيق الض.رب

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى