
ابني خرج يلعب مع الاطفال في الشارع و مرجعش, قلبت الدنيا عليه و سألت عليه الاطفال اللي كان بيلعب معاهم و قالوا انهم روحوا البيت علي طول و افتكروه هو كمان روح!!, ابني عندوا 7 سنين يعني ميعرفش يروح مكان لوحدوا, جريت رحت لاعماموا و انا بعيط و اصرخ و اقولهم ابني ضاع, ومكنتش عارفة رد فعل جوزي ابوه لما يعرف لانوا مسافر بره مصر , عماموا اضايقوا مني و خرجوا ورا بعض يدوروا عليه وانا قاعدة بعيط و مش عارفة اعمل ايه, قلبي وجعني علي ابني و خايفة يكون حصلوا حاجة
مسحت دموعي بأطراف طرحتي، وقمت من على الأرض وأنا حاسة إن رجليا مش شايالاني. مكنتش قادرة أقعد في البيت والحيطان بتخ.نقني، طلعت أجرى ورا أعمامه في الشارع. الشارع اللي كان من شوية زحمة وصوت الضحك فيه مالك المكان، بقى في عيني زي المتاهة.. ملهوش أول من آخر. عمومه الكبير “حسين” كان واقف عند أول الشارع بيتكلم مع صاحب السوبر ماركت، وزعيقهم واصل لآخر الدنيا. جرت عليهم وأنا بنهج والدموع مغرقة وشي:
“ها يا أبو أحمد؟! الكاميرات جابت حاجة؟ حد شافه؟!” عمّه بصلي بقلة حيلة وهز رأسه بك.سرة: “صاحب السوبر ماركت بيقول الكاميرة كانت فصلت كهربا من الساعة 5 لـ 7.. الوقت اللي الولد اختفى فيه بالظبط!” صرخت بصوت مكتوم: “يعني إيه فصلت؟! العيال قالوا روحوا على 6! هو راح فين؟!” عمّه التاني كان بيلف في الشوارع الجانبية، بيسأل الطوب قبل الناس. مشيوا يسألوا الفكهاني، بتاع الفول، والستات اللي قاعدين قدام البيوت..
“حد شاف “عمر” يا ناس؟ طفل 7 سنين لابس تيشرت أصفر وبنطلون جينز؟” الردود كانت كلها زي السكاكين بتترشق في قلبي: “والله يا حاج ما شفناه.. الشارع كان فاضي وقت المغربية.” “أنا شفت العيال بيلعبوا فعلاً، بس عمر مكانش معاهم لما مشيوا!” مكانش معاهم؟! إزاي!! العيال قالوا إنه كان بيلعب معاهم! جريت على بيت الولد صاحبه اللي كان بيلعب معاه، خبطت على الباب بع.نف لحد ما أمه فتحت.. مسكت الولد من أكتافه وأنا بتهز وببكي: “يا بني قول الحقيقة، عمر كان معاك فين؟ راح فين قبل ما تروحوا؟”
الولد خاف ودخل في أح.ضان أمه وهو بيعيط: “والله يا طنط كنا بنلعب، وهو قال هيسبقنا يروح يجيب حاجة من أول الشارع ومجاش تاني.. افتكرناه روح بيته!” أول الشارع؟! أول الشارع دا فيه طريق عمومي.. وسيارات.. وناس غريبة! الدنيا بدأت تظلم، والليل نزل، والصوت في الشارع بدأ يهدى إلا من صوت نداء المسجد اللي عمّه خلاه ينادي فيه.. اسم ابني كان بيرن في الميكروفون وكل رنة كانت بتبكيني أكتر: “طفل تايه اسمه عمر.. عنده 7 سنين.. اللي يلايمه يبلّغ الميكروفون أو أقرب حد من عيلة…”
الساعات بتعدي كأنها سنين.. الساعة بقت 11 بليل، وأعمامه راجعين خطوتهم تقيلة، الوجوه شاحبة ومفيش أي أثر.. محدش شافه، محدش لمحه، كأنه اتشفط في الهواء! قعدت على عتبة البيت، حاطة إيدي على قلبي اللي خلاص مش قادرة أتحمل وجعه.. تليفوني رن في جيب، بصيت في الشاشة لقيت اسم “جوزي” متصل من بره مصر.. إيدي اتجمدت على الشاشة.. هقوله إيه؟! أرد أقوله إيه وابنه اللي سابهولي أمانة ملوش أثر؟!
التليفون كان بيرن في إيدي وزي ما يكون بيكويني.. اسم “جوزي” منوّر على الشاشة، وأنا صوابعي متخشبة مش قادرة أرد. وفي آخر لحظة قبل ما الخط يق.طع، الشاشة اسودت.. والتليفون رن تاني بس المرة دي من رقم غريب ومجهول! فتحت الخط بلهفة ورعشة في جسمي كله، وأنا فاكرة إن حد لقاه في الشارع وبيطمنّي: “ألو! عمر؟! عمر معاك؟!” جالي من الناحية التانية صوت غريب.. مشوش ومتغير كأنه محطوط عليه جهاز أو برنامج بيغير الصوت، نبرة باردة وناشفة تقشعر لها الأبدان:
“ابنك عمر معانا يا مدام.. لو عايزاه يرجعلك زي ما هو ومن غير ما ينقصه ضفر، تحضّري نص مليون جنيه.. وهنكلمك تاني نقولك تسلمينا الفلوس فين.. ويا ويلك لو دخلتي البوليس، ساعتها هتحلمي تشوفي وشه تاني!” وقبل ما ألحق أصرخ أو أستوعب، سمعت في الخلفية صرخة مكتومة ومبحوحة بصوت ابني وهو بيعيط وبيتوجع: “يا مامااااا!” “طاااخ!”.. الخط اتفصل في وشي! التليفون طار من إيدي على الأرض، صرخت بعلو صوتي وأنا بضـ,ـرب على صدري: “خط.فوه! خط.فوا ابني يا حسين!! عايزين فلوس.. سمعت صوته بيبكي يا ناس!”
أعمامه اتسمروا مكانهم، الوجوه اتخضت والشارع كله اتكهرب. حسين جاب التليفون بسرعة وبيحاول يرجع يرن على الرقم، بس الجرس بيدي: “هذا الهاتف مغلق أو غير متاح”. وفي نفس اللحظة.. التليفون رن تاني.. كان جوزي من السفر! فتحت الخط وأنا بصرخ وبشهق ومش قادرة ألم أنفاسي: “الحقني يا أحمد!! عمر.. عمر اتخ.طف وعايزين…” مكانش فيه وقت أكمل.. أحمد كان بيصرخ من الناحية التانية بصوت زي الرعد، يتسمع فيه الغل والحرقة: “انتِ هبلة؟! انتِ اتجننتي؟! سايبة العيل يبص بره البيت لغاية ما يضيع؟! أنا سايبلك راجل أمانة في رقبتك عشان تضيعيه في لحظة غفلة؟!”
حاولت أتكلم وأدافع عن نفسي والد.موع بتخنقني: “والله ما سيبته يا أحمد! هو نزل مع أصحابه و…” قاطعني بعنـ,ـف وصوته كان بيكسر السماعة من كتر الغضب: “سدّي بؤك مش عايز أسمع صوتك! حسابك معايا بعدين لما أرجع.. أنا حجزت على أول طيارة نازلة مصر وساعتين وهكون عندك.. حسابك معايا تقيل لو ابنك جراله حاجة، فاهمة ولا لأ?!” قفل الخط في وشي وهو بيلعن ويسب، وأنا وقفت وسط الشارع.. بين نارين بياكلوا في قلبي: نا.ر ابني اللي محبوس مع ناس مشرحمهوش وصوته لسه بيرن في ودني، ونار جوزي اللي راجع يهد الدنيا فوق دماغي..
والسؤال اللي كان بياكل عقلي وبيزود الغموض ويشل التفكير.. مين في المنطقة يعرف إننا نقدر نتصرف في نص مليون جنيه غير حد قريب جداً منا وبارد الد.م للدرجة دي؟! أحمد وصل.. وساعة ما رجله عتبت البيت، البيت اتقلب مقبرة. وشه كان يسوّد العيشة، عينيه طالع منها شرار، دخل عليا ومكّلمنيش كلمة واحدة ولا حتى بص في وشي. كأني هوا.. كأني مش موجودة. أعمامه حاولوا يهدّوه ويتكلموا معاه، زقهم بيديه ومشي في الصالة يروح ويجي زي الأسد المحبوس، بيض.رب يده في الحيطة ويهز رأسه بغل.
أنا كنت قاعدة في الزاوية، بدموعي اللي جفت من كثر البكا، وكل ما أجي أمد إيدي أو أقوله “يا أحمد”، يلف وشه الناحية التانية بعنف وينفضني.. صمته وجفاه كانوا بيقطعوا في قلبي زي السكا.كين فوق نا.ر اخت.فاء عمر. وفجأة.. تليفون أحمد رن! البيت كله سكت، النَفَس اتقطع. أحمد مسك التليفون وفتح السبيكر بإيد بتتر.عش من الغضب: “ألو!” جاله صوت راجل هادي، غريب، ونبرته فيها خبث ير.عب: “أحمد.. حبيبنا حمد الله على السلامة.. كويس إنك وصلت بالسرعة دي.”




