
أحمد اتسمر مكانه وصصرخ في التليفون: “أنت مين يا روح أمك؟! ابني فين؟!” الراجل ضحك ضحكة خفيفة تقـ,ـرف النفس وقال: “عايز ابنك؟ ابنك بخير.. بس الفلوس مش هي المهمة دلوقتي.. أنت اللي يهمنا يا أحمد. تعالى على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة.. تيجي لوحدك، من غير اي حد معاك ومن غير بوليس.. لو شفت خيال حد معاك، ابنك هيروح منك للابد!” أحمد مأداش فرصة لحد يتكلم.. أول ما الرسالة وصلت على تليفون، وبص فيها، وش عينيه اتغير تماماً.. شكله اتخ.طف وكأنه عرف المكان أو عرف مين اللي بيكلمه!
جري حسين عم الولد ومسك في دراع أحمد: “استنى يا أحمد! رايح فين لوحدك؟! دي مصيدة! استنى نبلغ المباحث أو نروح معاك ونقف بره!” أحمد زق حسين بكل قوته وقال بصوت طالع من قعر زوره: “محدش ليه دعوة! محدش يتحرك من مكانكم.. دا ابني أنا وهجيبه لوحدي!” جرى نزل على السلم زي المجنون.. أنا جريت وراه على الباب وأنا بصرخ وبترجاه: “يا أحمد عشان خاطر ربنا ما تروحش لوحدك! يا أحمد خد حد معاك!”
لكن ولا كأنه سامع.. ركب عربيته ورزع الباب، وطلع بيها بأقصى سرعة، واخت.فى في الضلمة. مرت ساعة.. ساعتين.. ثلاثة! الساعة بقت 4 الفجر، والنا.ر في قلبي بقت نارين. التليفونات مبتقفش ترن على تليفون أحمد.. التليفون يدي جرس ومحدش بيرد.. وبعدها بساعة، التليفون اتقفل خالص وبقى يدي “مغلق أو غير متاح”. أخواته نزلوا بيلفوا في الشوارع وفي العنوان اللي لمحوه في الرسالة قبل ما يمشي.. راجعين الصبح وشوشهم أصفر من المـ,ـوت..
حسين وقف قدام باب البيت، عينيه في الأرض ومش قادر يرفعهم في عينيا، وقال بصوت بيترعش: “العنوان طلع حتة أرض مهجورة في آخر البلد.. لقينا عربية أحمد مركونة هناك والباب مفتوح.. ومفيش أثر لا لأحمد.. ولا لعمر!” في اللحظة دي.. الدنيا دارت بيا، ووقعت على الأرض. بدل ما كنت بدور على ابني اللي عنده 7 سنين بس.. بقيت قاعدة في البيت مستنية إتنين.. الابن والأب، الاتنين فص ملح وذابوا، والسر بقى أكبر وأر.عب من مجرد عصابة عايزة فلوس!
مرت أيام وأنا عايشة في الميتين.. البيت بقى مهجور، وصوتي اتن.بح من كتر العياط. لا نوم يدخل عيني ولا أكل يلمس بوقي، والنا.رين جوايا بقوا جمرة بتمـ,ـوتني كل لحظة.. ابني وجوزي، الاتنين اخت.فوا في الضلمة وما خلوش وراهم غير الحسرة! أعمامهم كانوا يروحوا ويجوا، يمثلوا إنهم بيه.دّوني، حسين يبكي ويمسح د.موعه قدامي ويقولي: “معلش يا أم عمر، حظ.رنا أحمد وما سمعش الكلام.. إن شاء الله هيجوا!”، وأخوه التاني رايح جاي مع البوليس يمثل إنه بيدوّر.. كان وش الحنية والجدعنة مرسوم على وشوشهم ببراعة شياطين!
بس البوليس مكانش ساكت.. المباحث شغالة في السِر، وضابط المباحث كان حاسس إن في حاجة غلط في الروتين دا كله. جمعوا طرف الخيط لما بدأوا يراجعوا كاميرات المراقبة المحيطة بالحي كله ومن زوايا محدش كان يعلمها.. كاميرات المحلات البعيدة وكاميرات البيوت اللي في الشوارع الورانية. وفي يوم.. جالي خبر من النيابة: “تعالي فوراً يا مدام.. المباحث كشفت اللغز.” جريت زي المجنونة، وأول ما دخلت مكتب رئيس المباحث، لقيت حسين وأخوه قاعدين والكلابشات في إيديهم، ووشوشهم أصفر زي التراب ومواطيين في الأرض!
صرخت بذهول: “في إيه يا حضرة الضابط؟! حسين وأخوه عملوا إيه?!” الضابط بصلّي بأسف ورحمة، وشغل شاشة العرض قدامي وقال: “بصي هنا يا مدام.. دي الكاميرا المدارية بتاعة المقاول اللي في آخر الشارع القديم.” بصيت على الشاشة.. الدـ,ـم اتجمد في عروقي! الشاشة كانت جايبة “عمر” ابني.. طفل الـ 7 سنين، ماشي وهو ماسك في إيد عمه حسين! ماشين ببطء، وحسين بيطبطب عليه وبيضحكله.. ودخّله وراه البيت القديم المهجور اللي حيلتنا من أجدادهم! الكاميرا جابت لحظة دخول عمر.. ومجابتش لحظة خروجه أبداً!
الضابط كمل كلامه بنبرة حادة وصوت كأنه طلقة رصاص: “السر كله كان هنا.. أعمامه هما اللي خططوا ونفذوا كل حاجة! هما اللي اتفقوا يض.حوا بالطفل ويسر.قوه من الشارع عشان يفتحوا بيه ‘مق.برة أثرية’ تحت البيت القديم.. د.جال قالهم إن المقبرة مش هتتفتح إلا بد.م طفل من صلب العيلة! ولما أحمد جوزك رجع وبدأ يشمشم، استدرجوه لنفس المكان وق.تلوه هو كمان عشان يغطوا على الجر.يمة وياخدوا الورث والمق.برة لوحدهم!” المباحث داهمت البيت القديم.. ولقوا الفا.جعة اللي ك.سرتني لنصين:
لقوا ج.ثة ابني عمر الحبيب.. وج.ثة جوزي أحمد مرميين جنب حفرة المق.برة الملع.ونة! صر.خت صر.خة هزت أركان القسم.. صرخة أم اتذ.بحت في ضناها وجوزها من أقرب الناس ليهم! حسين وأخوه هجمت عليهم ودخلت فيهم بأظافري وأنا ببكي بد.موع الد.م: “ليه؟! ليه تعملوا كده في عيل من د.مكم؟! ليه تق.تلوا أمتكم وأخوكم عشان حبة تراب وفلوس ملع.ونة?!” الشرطة بعدتني عنهم وهما مق.هورين ومسحو.بين للمش.نقة، وأنا قعدت على الأرض وسط القسم.. بين صد.مة العمر الحقيقية.. إن الشيا.طين مكنوش غرايب ولا عصابة من الشارع.. الشيا.طين كانوا الأعمام اللي كنت بسترجي فيهم الأمان!




