
عصام كان واقف عند باب الشقة، رجله مش شايلاه، الضحكة أو النبرة العالية اللي دخل بيها اتبخرت في ثانية. بصلنا وبص للتليفون، وعينيه جت في عين أبويا.. فشاف فيهم المـ,ـوت. جرب يرجع لورا خطوات، بس أخو عبير الكبير “حسين” لمح الحركة دي، وفي لحظة كان قافر عليه زي الأسد الجريح، مسكه من زقمه ورفعه لفوق وهو بيصرخ فيه بصوت شق السقف: – “يا واطي! يا خاين الأمانة! صاحبك وأخوك لسه عضه ما طريش في تربته، جاي تتفق مع مراته من ورا أختك اللي صايناك؟!”
عصام بدأ يتلعثم، ريقه جف، وشفـ,ـايفه بقت بيضا زي اللبن: – “يا جماعة افهموا.. والله الكلام دا… دا شات مفبرك! سمر عايزه تعملي مشكلة وتبوظ بيتي! أنا ما عملتش حاجة!” هنا، عبير اللي كانت واقفة ورا أبوها ولابسة الطرحة السودة ومثلة العفة والمسكنة، لقيت إن الحبل بيتلف حوالين رقبتها. بدل ما تتكسر أو تعتذر، الغل والشر اللي في قلبها طفح على وشها. اتغيرت ملامحها في ثانية من الضحية للثعبان اللي بيبخ سمه. زقت إيد أخوها بعيد عن عصام ووقفت في نص الصالة، وصوتها طلع حاد وناشف يقطع العصب:
– “أيوه! الكلام صح ومفيش حاجة مفبركة! ومحدش ليه عندي حاجة! أنا ست أرملة وحرة، والعدة فاضل لها شهر وتنتهي، والشرع ما حرمش الجواز بعد العدة!” الصالة كلها سكتت سكتة مـ,ـوت. أبويا بص لها بذهول، وأبوها هو كمان بصلها وهو مش مصدق إن دي بنته. كملت عبير بكل بجاحة وعينيها متثبتة عليّ أنا:
– “أنا عملت كده عشان أعرفك يا سمر إن الله حق! فاكرة لما جيتلك أطلب منك قرشين أفك بيهم زنقتي وقعدتي تترسمي عليّ وتقوليلي ‘جوزي يزعل’؟ أديني أهو باخد منك ‘جوزك’ نفسه! عشان تعرفي إن اللي تقف في وش عبير، تاخد حسرتها في قلبها وعينها تتكسر العمر كله!” كلامها كان زي طـ,ـعنات الخنجر في قلبي، بس أنا المرة دي ما بكيتش.. الدموع كانت اتجففت من القهرة. وقفت ورا أبويا، وبصيت لها بثبات وقسوة ما كنتش أعرف إنهم جواه:
– “تاخدي مين يا عبير؟ تاخدي راجل بايع نasso وخاين صاحبه وأخوه؟ تاخدي واحد كان بيخون معايا وأنا صايناه، وكان بيخون أخويا وهو في قبره؟ أنتِ ما أخدتيش راجل.. أنتِ أخدتي الزبالة اللي أنا رميتها تحت رجلي!” عصام اتصدم من كلامي، بصلِي وهو مش مصدق إن سمر الهادية الوديعة بتتكلم بالطريقة دي. حاول يتدخل ويقرب مني: – “سمر.. اسمعيني بس.. أناضحك عليّ، هي اللي كانت بتبعتلي وتوزني!” بس قبل ما يكمل كلمته، كان كف أبو عبير نزل على وش عبير بنشعة هزت الشقة كلها. الراجل العجوز بص لبنته ودموعه نازلة من القهرة والطيحة اللي حطتهم فيها:
– “يا خسارة مرباي فيكي يا واطية! بتخوني جوزك وهو في قبره؟ بتفضحينا وتوطي راسنا قدام الناس عشان غل وحقد في قلبك؟!” حسين أخوها هجم على عصام وضـ,ـربه ضـ,ـربة قوية في صدره رجعته لورا لحد ما خبط في الباب: – “وأنت يا خاين.. وحياة رحمة المرحوم سيد، لو رجلك خطت حارتنا تاني أو قربت من أختنا أو بيتنا، هنكون قاطعينها لك! وأنتِ يا عبير.. حسابك معايا في البيت كبير، دا لو خرجتي من هنا على رجليكي أساساً!”
الوضع جوة الصالة كان بيغلي. عصام لقيت نفسه محاصر؛ أهل عبير عايزين ينهوه، وأبويا واقف زي الجبل مش راضي يتدخل ولا يمنع عنهم الضـ,ـرب، وأنا واقفة متفرجة على النهاية اللي صنعوها بإيديهم. عصام بدأ يحس بالخطر الحقيقي، ونسى كل كلام الحب والغزل اللي كان كاتبه لعبير في الشات، وبدأ يدور على مخرج لينقذ نفسه. بص عصام لعبير بقرف وصرخ فيها: – “أنتِ السبب! أنتِ اللي غررتِ بيّا وبدأتِ تبعتيلي صور وكلام فاضي وترغبي فيّ! أنتِ ست عقربة وحية، وأنا مش عايزك ولا عايز أعرفك تاني! أنا عايز مراتي وبيتي!”
عبير اتصدت، وشها جاب ألوان، الغرور اللي كانت واقفة بيه اتبخر لما شافت الراجل اللي باعت أختها علشانه بيبعها هي كمان في أول مطب وبكل سهولة. ردت عليه بصوت زي الفحيح: – “أنا غررت بيك يا نطع؟ أنت اللي كنت بتجري ورايا وبتترجاني أوافق عليك ومستني اليوم اللي تسيب فيه سمر عشان تجيلي! دا أنت رخيص، وأنا كنت بستخدمك جزمة أكسر بيها قلبها مش أكتر!” أبويا رفع إيده وقعد على الكرسي، وقال بصوت جهوري هدي الصالة كلها:
– “بس! انطموا أنتم الاثنين!.. الكلام خلص، والدليل أهو معايا ومع أهل عبير. يا أبو حسين.. بنتك مالهاش مكان في بيت ابني الله يرحمه من اللحظة دي، تصفي حاجتها وتاخدوها في إيدكم وتخرجوا من هنا، وما شوفش وشها في منطقة عيلتنا تاني لحد ما العدة تخلص ونشوف الشرع والقانون هيقولوا إيه في الحقوق.” أبو عبير وطى راسه في الأرض وهو حاسس بالعار: – “حقك عليّ يا حاج.. بنتي غلطت وغلطها كبير، وأنا بريء منها ومن أفعالها قدام ربنا وقدامكم كلكم.”
مسك حسين أخوها عبير من ذراعها بقوة وعنـ,ــ,ـف وضـ,ـربها على ظهرها عشان تمشي قدامه، وهي بتبصلي بعيون مليانة كره وغل، بس المرة دي كان فيها كسرة وخوف من اللي مستنيها في بيت أهلها. فضلت الصالة مفيش فيها غير أنا وأبويا وعصام. عصام قرب من أبويا ونزل على ركبه في الأرض، ومسك إيد أبويا بيحاول يقبلها وهو بيبكي بكاء الهستيريا:
– “يا حاج.. استر عليّ الله يستر عليك! أنا أخطيت، الشيطان غواني، والست دي لعبت بدماغي واستغلت ضعفي بعد مـ,ـوت سيد! سمر دي جزمتها على رأسي، أنا مستعد أكتب لها البيت وأعمل لها كل اللي هي عايزاه، بس بلاش تخربوا بيتي وتفضحوني!” أبويا سحب إيده بقوة ووقف، وبص له بقرف وازدراء: – “البيت اللي أتبنى على الخيانة ملهوش أساس يا عصام. أنت خنت ابني وهو ميّت، وخنت بنتي وهي صايناك ومعتزة بيك. اخرج برة بيتي، وورقة طلاق سمر توصلها مع كل حقوقها بالقانون، وإلا قسماً بالله الشات دا بالفيديوهات بتاعته هينزل على صفحات المنطقة كلها وتشوف فضيحتك على كل لسان!”
عصام بصلي بعيون مكسورة، وبيترجاني بالنظرات: – “سمر.. قولي حاجة يا سمر! أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه.. دي كانت غلطة وساعة شيطان!” قربت منه خطوتين، وبصيت له بكل برود الدنيا، وقُلت له كلمة واحدة هزت كيانه: – “أنت بقيت بالنسبة لي زي سيد أخويا الله يرحمه… ميت! بس الفرق إن سيد في الجنة، وأنت هتفضل عايش في جهنم الخيانة والندم طول عمرك. برة يا عصام.. برة بيتنا!” خرج عصام يجر أذيال الخيبة والعار، والباب اترزع وراه. الصالة هديت، وأبويا جابني في حضنه وطبطب عليّ وهو بيعيط:
– “حقك عليا يا بنتي.. أنتم أطهر من القذارة دي كلها، وربنا كشفهم علشان ينقذك.” كنت فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا، وأن كابوس عبير وعصام انتهى بفضحتهم.. بس أنا ما كنتش اعرف إن الست اللي زي عبير، لما تتخنق وتتزنق في الزاوية، بتبدأ تطلع أنيابها الحقيقية وتفكر في انتقام أكبر وأشد قسوة، انتقام مش هيطولني أنا وعصام بس.. دا هيطول البيت كله وممتلكات المرحوم أخويا “سيد”! *الجزء الثالث**
مرت أيام بعد ليلة الفضيـ,ـحة، وكانت الشقة في بيت أبويا هادية هدوء يسبق العاصفة. عصام طوال الأيام دي كان يحاول يوصل لي بأي طريقة؛ يبعت رسائل رجاء واعتذار، يتصل من أرقام غريبة، حتى إنه جاب ناس كبار من الحارة يحايلوا أبويا عشان يسامحه ويرجعني. بس رد أبويا كان حاسم وناشف: “بنتي مالهاش رجعة لواحد خاين، وورقة طلاقها بحقوقها توصل، يا إما النيابة والقضاء بيننا والدليل موجود.”
كنت فاكرة إن عبير انكسرت بعد الضـ,ـرب والتهزئ اللي أخدته من أهلها، وإنها هتقعد في بيت أبوها حاطة راسها في الطين لحد ما عدتها تخلص. بس الست اللي مليانة بشر وحقد، الشيطان بيفضل يوسوس لها لحد ما تخرّب كل حاجة حولين منها. في صباح يوم حد، وأنا قاعدة في الصالة مع أبويا بنشرب الشاي وبنحاول نلملم جراحنا ونفتكر سيد أخويا بالرحمة، تليفون أبويا رن. كان المتصل “عمي عبد المجيد”، راجل كبير في السن وهو محامي العيلة وكبيرنا بعد أبويا.
أبويا فتح السبيكر، وصوت عمي عبد المجيد كان متوتر ومجروح: – “أهلاً يا حاج.. أنت فين دلوقتي؟ عايزك تلم نفسك وتجيلي على الشقة بتاعة المرحوم سيد بسرعة!” أبويا اتعدل في قعدته وقاله بقلق: – “خير يا عبد المجيد؟ في إيه؟ شقة سيد مقفولة من يوم الليلة إياها، وأنا معاي المفاتيح!” رد عمي بصوت وطى وهو بيهز رأسه بأسى: – “المفاتيح معاك أنت.. بس عبير واقفة تحت العمارة ومعاها نقلية عفش، وجايبة نجارين ونازلين تكسير في باب الشقة! والأنكح من كده، معاها محامي وجايبة عصام جوز سمر واقف معاها وبيشهد لها!”
أنا وأبويا اتنطزنا من مكاننا. الدم غلى في عروقنا! عصام؟ عصام واقف مع عبير بيساعدها تسـ,ـرق شقة أخويا المتوفي؟! نزلت أنا وأبويا جري في الشارع، وأخدنا تكسي وطلعنا على عمارة أخويا سيد الله يرحمه. طول الطريق وأبويا يضـ,ـرب كف بكف ويهتف: “يا ساتر يا رب.. النفوس بقت مريضة للدرجة دي؟ الراجل لسه في قبره ومراته بتنهب حقه مع خاينه؟” أول ما وصلنا العمارة، لقينا الموقف يطبخ على نار جهنم!
عفش الشقة، أو جزء منه، كان محطوط على عربية نص نقل في الشارع. وعبير واقفة في وسط الشارع، قلعت ثوب المسكنة والحزن، ولابسة عباية ضيقة ورافع نضارة سودة على شعرها، وواقفة بتتأمر على العمال. وجنبها واقف عصام، وشه أصفر وزي المضروب بالجزمة، بس واقف زي الكلب المطيع ينفذ أوامرها! أبويا نزل من التاكسي وصوته زلزل الشارع: – “أنتِ بتعملي إيه يا فاجرة هنا؟! وبأي حق بتكسري باب شقة ابني المرحوم؟!”
عبير أول ما شافتنا، ابتسمت ابتسامة شر ووقفت بكل بجاحة، وحطت إيدها في وسطها وقالت بصوت عالي عشان تسمّع الشارع كله: – “أهلاً يا حمايا السابق!.. بكسر باب شقتي وحلالي وحلال ابني اللي في بطني!” الكلمة نزل على دماغنا زي الصاعقة! أنا وأبويا اتصدمنا وصوتنا اتقطع: “ابنك اللي في بطنك؟!” عبير ضحكت بقهقهة مستفزة، وطلعت من شنطتها ورقة، ولوحت بيها قدام وش أبويا: – “أيوه! أنا حامل في الشهر التاني من المرحوم سيد الله يرحمه! والتقرير الطبي أهو ومختوم من المستشفى! والشقة دي شقة زوجية، ومن حقي أخد عفشي ومؤخري وحق ابني اللي جاية أربيه بعيد عن قسوتكم وغلكم!”
أنا اتجننت وقربت منها وصايحة في وشها: – “حامل؟! حامل إزاي وأنتِ من يوم وفـ,ـاة سيد وأنتِ بتقولي إنك مش حاسة بحاجة وإن الدورة مقطوعة عنك من القهرة؟ أنتِ كدابة وسارقة وملعونة!” عبير بصتلي بقرف وقالت بكل برود: – “التقرير ما بيكدبش يا حلوة.. وتسألي جوزك.. قصدي ‘عصام’ اللي واقف جنبك دا، هو اللي أخدني بنفسه للمستشفى وصور التقرير وشهد على التحاليل!” بصيت لـ عصام.. الراجل اللي كنت فاكراه زوج وسند، لقيته موطي راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عيني. زعقت فيه بصوت شق الشارع:
– “أنت يا واطي؟ أنت رايح مع مرات أخويا المستشفى تثبت حملها؟ بتبارك خيانتك وخيانتها بروح طفل جديد؟ ولا دي لعبة جديدة من ألاعيبكم القذرة عشان تاخدوا الشقة والعفش؟!” عصام اتلعثم وقال بصوت واطي ومكسور: – “يا سمر.. أنا.. أنا عبير كلمتني وقالتلي إنها حاسة بتعب وخايفة، وأنا أخدتها المستشفى بصفتي ولي أمرها بعد سيد.. والتقرير طلع صح، هي حامل، وأنا بقف مع الحق!” أبويا مسك عصام من طوق قميصه وعصره:
– “حق إيه يا خاين يا ابن الخاين؟ الحق إنك تكسر باب شقة صاحبك وأخوك؟ الحق إنك تساعد ست خاينة تنهب شقة ابن عمك؟ أنت مش راجل، أنت جزمة في إيدين العقربة دي!” في اللحظة دي، دخل المحامي بتاعنا، عمي عبد المجيد، ومعه اثنين من رجال الشرطة (أمين شرطة وظابط الدورية) اللي كان طلبهم عمي لما شاف المهزلة. عمي عبد المجيد قرب بثبات ورفع إيده وقال للظابط:
– “يا فندم.. الست دي بتقتحم شقة متوفي بدون إذن نيابة ولا إعلام وراثة، ومعاها غريب بيساعدها في سـ,ـرقة محتويات الشقة. والورقة اللي معاها دي تقرير طبي أولية ما تديهاش الحق في كسر الباب وتفريغ الشقة قبل ما النيابة تحقق وتعمل إعلام وراثة رسمي!” الظابط بص لعبير وللنجارين وقال بحزم: – “وقّفوا شغل فوراً! نزلوا العفش دا تاني الشقة ورجعوا كل حاجة مكانها!” عبير اتجننت وبدأت تصرخ وتصوّت في الشارع عشان تعمل هيستيريا وتلم الناس:
– “الحقوني يا ناس! عايزين يأكلوا حق يتيم في بطني! عايزين يرموني في الشارع بعد مـ,ـوت جوزي! عيلة مفهاش رحمة ولا دين!” بس المرة دي، الناس في الحارة ما اتخدعوش بدموعها. جارتنا أم أحمد طلعت من البلكونة وزعقت: – “اخرسي يا عبير! الشارع كله عارف قلة أصلك وفضيحتك بتاعة الأسبوع اللي فات! تعملي مسكنة على مين يا خاينة؟!” وش عبير أصفر، والشباب اللي كانوا بينزلوا العفش خافوا وسابوا الحجة وجريوا. الظابط أخد البطاقات بتاعة عصام وعبير، وقال بصوت حاد:
– “أنتم الاثنين هتفضلوا معايا على القسم! اتفضلي يا ست أنتِ وهو بدون شوشرة، والباب يتقفل ويتشمع لحد ما النيابة تفصل في موضوع الشقة والوراثة!” عصام بدأ يترجى الظابط: – “يا باشا أنا ماليش دعوة! أنا جاي أشهد بس وأساعدها بصفتي قريبها!” رد عليه أبويا بصرخة هزت الشارع: – “قريبها؟ أنت خاينها وخاين بنتي وخاين ابني المتوفي! وهتترفع عليك قض*ية زنا وق*ضية اشتراك في اقتحام وتزوير يا عصام، ومش هسيبك إلا وأنت ورا الشمس!”
عبير بصتلي وهي راكبة بوكس الشرطة، وعينيها كانت مليانة كره مش طبيعي. قربت من شباك البوكس وقالتلي بصوت واطي ومسموم: – “افتكر يا سمر.. الحرب دي مش هتخلص في القسم! التقرير صح.. والطفل دا لو طلع للنور، هيرث نص الشقة والبيت، وهيفضل كابوس في حياتك وحياة أبوكي طول ما أنتِ عايشة! أنا مش هسيبكم تتهنوا بحاجة!” البوكس تحرك بيهما، والشارع هدي.. بس قلبي كان بيغلي. وقفنا أنا وأبويا وعمي عبد المجيد قدام شقة سيد المتكسر بابها. أبويا قعد على السلم وهو حاطط إيده على قلبه وبيتنفس بصعوبة. مسكت إيد أبويا وأنا برتعش:
– “يا بابا.. تفتكر التقرير دا صح؟ عبير بجد حامل من سيد؟ ولا دي لعبة اتفقت فيها مع عصام عشان ينهبوا حيلنا وياخدوا الورث؟” عمي عبد المجيد بصلي بثبات وقال: – “لو كانت حامل بجد من سيد، فالطفل دا حقه على رأسنا والشرع فوق الكل.. بس عبير وعصام نيتهم مش صافية، والسرعة دي ورائها ملعوب كبير. إحنا هنطلب عرضها على الطب الشرعي وتحديد عمر الجنين بالظبط ومطابقته بتاريخ وفاة سيد! وهنا.. هتظهر الحقيقة اللي ممكن تهد العمارة دي كلها على راسهم!”
وقفت قدام الشقة المقفولة، وبصيت لفوق وهتفت في سري: “يا رب.. سيد أخويا مظلوم في قبره، وأنا مظلومة في بيتي.. اظهر الحق واكسر الشرور دي كلها.” ما كنتش اعرف إن التحليل بتاع الطب الشرعي اللي هنعمله، هيفتح باب لسر أبشع بكثير من مجرد حمل أو سـ,ـرقة شقة.. سر هيخلي عصام يندم على اليوم اللي اتولد فيه، ويخلي عبير تدفع ثمن شرها من لحمها ودمها! الجزء الرابع**
مرت الأيام ثقيلة زي الجبال. الشك كان يأكل في صدورنا، وأبويا صحته بدأت تتدهور من كثرة الزعل والقهرة. بين النيابة وأقسام الشرطة، كان عمي عبد المجيد المحامي ماشياً في الإجراءات بقوة، وطلب رسمياً أمام وكيل النيابة تحويل عبير للطب الشرعي لتحديد عمر الجنين باليوم والساعة ومطابقته بتاريخ وفاة أخويا “سيد” الله يرحمه. عصام في الوقت دا كان بيتحاكم في قض*ية المشاركة في اقتحام وتكسير شقة سيد، وأهله كانوا بيمشوا في الحارة زي الفراخ المبلولة، يحاولوا يدفعوا كفالة عشان يخرجوه، بس أبويا كان رافض أي صلح أو تنازل. عصام كان محبوس احتياطياً، وخسرت شغلانته، وسمعته بقت على كل لسان في المنطقة.
في صباح يوم الثلاثاء، جاء الميعاد المنتظر.. ميعاد صدور تقرير الطب الشرعي الرسمي من وزارة العدل. تجمعنا في مكتب عمي عبد المجيد؛ أنا وأبويا وعمي. الصمت كان حايق في الغرفة، وكلنا منتظرين عمي يفتح المظروف المجهور اللي جاء له من النيابة. عمي مسك الس*كين الخشبي وفض المظروف ببطء، وطلع التقرير الطبي المفصل. نظارات عمي استقرت على السطور الأخير، وفجأة لقينا أيده بدأت ترتعش، وعينيه اتوسعت بذهول مش طبيعي! بص لنا وشه أبيض زي القطن، وقال بصوت حابس:
– “يا ساتر يا رب.. يا فجر هذه الست! يا نجاستك يا عبير!” أبويا اتعدل في قعدته ونطق بصوت مرعوب: – “في إيه يا عبد المجيد؟ التقرير فيه إيه؟ البت حامل من سيد بجد ولا كدابة؟” عمي عبد المجيد بلع ريقه وصوته طالع بال بالعافية:




