روايات

بعد و.فاة اخويا

– “التقرير بيأكد إن عبير حامل فعلاً في الأسبوع الثامن.. يعني شهرين بالضبط.. بس المصيبة والمفاجأة اللي كشفها السونار الدقيق والتحاليل الجينية المبدئية لحجم الجنين ونموه.. الجنين دا عُمره أحدث بكتير من تاريخ وفاة سيد!” أنا اتنطزت من مكاني وصايحة: – “يعني إيه يا عمي؟! يعني الحمل دا مش من سيد أخويا؟!” عمي بص لي بكل أسى وقال: – “سيد الله يرحمه متوفي من شهرين وأسبوعين.. والحمل دا حصل من ست أسابيع فقط! يعني الحمل دا حصل بعد وفاة سيد بأسبوعين كاملين وهو في تربته!”

الصدمة كانت زي الزلزال اللي هد المكتب فوق رؤوسنا! أبويا أغمى عليه في ساعتها، وسقط من على الكرسي! صرخت ومسكت أبويا، وعمي ندى على السكرتيرة وجابوا مية وبصل لحد ما أبويا بدأ يفوق ويرد فيه الروح، وهو بيبكي بدموع حارقة بيهتز ليها الجبل: – “خانت ابني وهو حي.. وخانته وهو ميت في قبره؟! الجنين دا ابن مين يا عبد المجيد؟! ابن مين الفاجرة دي حامل منه؟!” عمي عبد المجيد وقف وهو ماسك الأوراق بغضب عارم وقال:

– “التقرير بيحوم حولين حقيقة واحدة.. عبير كانت بتتقابل مع حد في فترة العدة! ومفيش غير شخص واحد كان داخل طالع عليها وبيساعدها وبيراسلها بالساعات في نص الليل… ‘عصام’!” الكلمة نزلت عليّ كأنها خنجر مسموم اترشق في قلبي. عصام؟ جوزي اللي صنت اسمه خمس سنين؟! عصام هو اللي حبل منها وهي في عدة أخويا؟! القذارة وصلت للدرجة دي؟!

في نفس اليوم، عمي عبد المجيد قدم التقرير فوراً للنيابة العامة، وطلب إجراء تحليل DNA (البصمة الوراثية) للطفل ومطابقته بـ “عصام” وبج*ثة المرحوم “سيد” إذا لزم الأمر، وأرفق الشات القديم اللي فيه كلام عصام لعبير: *”أنا هجيبك تحت رجلها وهكتب عليكِ أول ما تطلعي”*. وكيل النيابة أصدر أمر استدعاء عاجل لعبير من بيت أهلها، واستدعاء عصام من محبسه لمواجهتهما بالتقرير الطبي الجديد. في غرفة النيابة.. كانت المأساة الحقيقية.

جلسنا أنا وأبويا وعمي في الصالة الخارجية، وشوفنا عبير داخلة ومعاها أبوها وأخوها حسين. عبير كانت ماشية بتمثل الثقة، فاكرة إن التقرير هيثبت حملها ويؤكد حقها في الورث. وبعدها بدقائق، دخل عصام وهو متكلبش في إيد أمين شرطة، وشه ذابل وشعره منكوش وملابسه مبهدلة من الحبس. أول ما عصام شاف عبير، بص لها بغل وكره.. وعبير بصت له بتشفي. دخلنا كلنا غرفة وكيل النيابة. وكيل النيابة كان راجل صارم، حط الأوراق قدامه وبص لعبير وقال بلهجة حادة:

– “المتهمة عبير.. التقرير الطبي الشرعي الصادر النهاردة بيؤكد إنك حامل في الأسبوع السادس أو السابع.. وتاريخ الحمل دا بيثبت علمياً وباطنياً إنه حصل بعد وفاة زوجك المرحوم سيد بأسبوعين على الأقل. تتفسري بإيه الكلام دا؟” عبير وشها أصفر، ورجليها ما شالتهاش! بصلت للمحامي بتاعها بذهول وقالت بتلعثم: – “إزاي يا باشا؟! لا.. لا التقرير دا مزور! دا ابن سيد! سيد كان معايا قبل ما يمـ,ـوت بأيام!” وكيل النيابة ضـ,ـرب على المكتب بقوة وقال:

– “الطب الشرعي ما بيكدبش والأسابيع محسوبة باليوم! أنتِ كنتِ بتخوني زوجك المتوفي في فترة عدتك الرسمية! والنيابة أحيطت علماً بالشات بينك وبين المتهم عصام.. والآن سنأمر برفع عينة DNA من المتهم عصام لمطابقتها بالجنين فور ولادته، أو اتخاذ الإجراءات القانونية فوراً لمواجهتكم بتهمة الزنا وتدنيس حرمة المتوفي!” هنا.. عصام اتجنن! الصدمة طيرت العقل اللي فاضل عنده. بص لعبير وصرخ فيها بصوت زي الهستيريا: يا فاجرة! يا ابن الكلب! أنتِ حامل مني أنا؟! أنتِ لبستيني في عيل؟! أنتِ قيلالي إن مفيش حاجة حصلت وإنك ماسكة نفسك لحد ما العدة تخلص! أنتِ ضحكتِ عليّ وسحبتيني للنجاسة دي علشان تلبسيني وتدبسي فيكِ?!”

عبير لما لقت إن الخناق اتضيق عليها، وإن النيابة والطب الشرعي كشفوا مستورها، اتخلت عن كل الأقنعة. صرخت في وش عصام بكل القذارة اللي في قلبها: – “أيوه منّك يا نطع! فاكر نفسك راجل؟ أنت كنت بتيجي تحت رجلي زي الكلب لما أطلبك! أنت اللي خنت أختك وخنت صاحبك اللي كان بياكلك في بيته! أنا استغليتك زي الجزمة عشان أكسر قلب سمر وأعلمها الأدب، وأنت أهبل وجريت ورا شهوتك!”

أبو عبير، الراجل العجوز، ما قدرش يستحمل الكلام.. وقع على الأرض في غرفة النيابة وهو بيقذف دم من بؤه من كثرة الجلطة والشلل اللي صابه في ساعتها! إخواتها حسين والأولاد اتلموا عليه وبيصرخوا، والغرفة تحولت لساحة حرب وصرخات! أنا كنت واقفة متثبتة في مكاني.. مش حاسة برجلي ولا بقلبي. بصيت لعصام اللي كان بيعيط على الأرض متكلبش وبيعض في إيديه من الندم، وبصيت لعبير اللي كانت بتتجر على الممر والشرطة ماسكاها وهي بتصرخ وتسب في الكل.

وكيل النيابة أمر بحبس عبير عصام على ذمة التحقيق في قض*ية زنا وتزوير وإثبات نسب غير شرعي، وتحويل أبوها للمستشفى في حالة خطرة. خرجنا من القسم في ضلمة الليل. أبويا مسك إيدي وقال بصوت مكسور: – “الحق ظهر يا بنتي.. ربنا ما بيسيبش ظالم، بس الثمن كان غالي أوي.. غالي من صحتنا وعصبنا وسمعة العيلة.” قلت له وأنا ببص للسما والدموع في عيني:

– “لسه يا بابا.. لسه الق*ضية ما انتهتش. عبير وعصام محبوسين، بس عبير في بطنها طفل حرام.. طفل لو جه الدنيا هيعيش وصمة عار، وعصام أهله مش هيسكتوا وهيدوروا على طريقة ينتقموا بيها مننا عشان يخرجوا ابنهم من اللعبة دي!” ما كنتش اعرف إن أهل عصام، لما عرفوا إن ابنهم ملبّس في ق*ضية زنا وحمل غير شرعي من مرات أخويا، قرروا يعملوا أبشع شيء ممكن تتخيله عيلة عشان ينقذوا ابنهم من السجن، ويوجهوا الضـ,ـرب الأخيرة لبيت أبويا!

الجزء الخامس** خرجنا من باب النيابة وريح الليل بتلف حولين أجسادنا المهدودة. كان المشهد في الشارع زي جنازة جديدة؛ أبو عبير اتنقل في عربية إسعاف بين الحياة والمـ,ـوت بعد ما جاله نزيـ,ـف في المخ من شدة الفضيحة، وعبير وعصام دخلوا التخشيبة وهما بيتلاقوا بالشتـ,ـائم والاتهامات، كل واحد فيهم بيحاول يرمي القذارة على الثاني عشان ينجو بجلده. بس اللي ما عملناش حسابه، هو أهل عصام..

عصام ما كانش مقطوع من شجرة؛ كان عنده أم عتيدة في الشر اسمها “الحاجة قدرية”، وأخين كبار شغالين في المعمار والتجارة، ولما عرفوا إن ابنهم محبوس في قض*ية زنا وتزوير، وإن التقرير الطبي بيثبت إن الجنين اللي في بطن عبير منه هو، الدنيا قامت وما قعدتش عندهم. بدل ما ينكسروا أو يعتذروا عن فجر ابنهم وخيانته، الغل أكل قلوبهم وقرروا إن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، وإنهم يكسروا بيت أبويا بالكامل عشان نجبره على التنازل وسحب البلاغات!

بعد يومين بس من ليلة النيابة، كنت قاعدة في صالة بيت أبويا وبحاول أأكل أبويا لقمة يسد بيها طوله. فجأة، سمعنا دبة ورزع شديد على باب الشقة، وصوت زعيق وهتفات جاية من الشارع تحت العمارة! جريت على البلكونة وبصيت.. وكانت الصدمة! أم عصام “قدرية” واقفة في نص الشارع، ولمة معايها حريم الحارة وقرايبها، ونازلين تصويت ورزع على العفش، وصوتها جاي كأنه مكبر صوت بيشق المنطقة: – “اطلع يا حاج عبد الصمد يا مفترِ! اطلع يا اللي بتبتز ابننا وبترموا بلاويكم ووساختكم عليه! بتبتزوا عصام عشان تاخدوا منه تحويشة عمره وتكتبوا الشقة باسم بنتك؟!”

الشارع اتملى ناس، والجيران بدأوا يطلوا من البلكونات. أم عصام كملت بكل بجاحة وفجر وهي بتبص للبلكونة بتاعتنا وتدعي بالباطل: – “ابننا عصام راجل شريف، وبنتكم ‘سمر’ هي اللي كانت ماشية بطريق شمال وكانت بتخونه مع معارفها، ولما عصام كشفها وأخد منها التليفون، اتفقت هي وأبوها وأخوها المتوفي عشان يلبسوه قضايا ويجوزوا عبير بالسافلة دي عشان يغطوا على فضـ,ـيحة بنتها!”

الدم هرب من جسمي. ركبي خبطت في بعضها من حجم الكذب والفجر اللي بيطلع من بؤ الست دي! بتطـ,ـعن في شرفي أنا؟! أنا اللي صنت ابنها وحافظت على بيته خمس سنين، بتتهمني في شرفي قدام المنطقة كلها عشان تنقذ ابنها الخاين؟! أبويا مسك صدره وبدأ يتنفس بالعافية، وصوته طالع بالزور: – “حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل! الفاجرة بتتهجم على عرضنا في الشارع؟!” أبويا فتح باب الشقة وكان نازل للشارع بعصايته وهو بيترعش من الغضب، بس أنا مسكت فيه وبكيت وأنا بترجاه:

لا يا بابا! بلاش تنزلهم! دول ناس مأجورين وعايزين يجرجرونا لقلة الأدب عشان نغلط ويعملولنا محضر عدم تعرض أو مشاجرة وتضيع قضيتنا!” في اللحظة دي، دخل عمي عبد المجيد المحامي وهو طالع على السلم بيلهاث، وزق أبويا لجوة وقفل الباب بالمفتاح وقال بصوت حازم: – “اثبت يا عبد الصمد! دا الملعوب اللي اتفقت عليه قدرية مع محامي عصام الجديد! عايزين يعملوا شوشرة ويقلبوا الشارع ضدكم، ويثبتوا إن فيه خصومة ثأرية وعائلية عشان يطعـ,ـنوا في شهادة سمر وتقرير النيابة!”

عمي عبد المجيد طلع تليفونه وطلب نجدة الشرطة فوراً، وبلغ عن تجمهر وسب وقذف وطـ,ـعن في الأعراض تحت العمارة. في خلال ربع ساعة، كانت سيارة الشرطة وصلت الشارع. أم عصام أول ما شافت البوكس، عملت نفسها أغمى عليها وسقطت في الأرض، وحريمها بدأوا يصوتوا ويقولوا: “الست العجوزة ماتت من قسوة العيلة دي!”.. بس الضابط كان فاهم الألاعيب دي كويس، وأمر بفض التجمهر واقتاد أم عصام واثنين من ولادها للقسم للتفتيش والتحقيق في بلاغ السب والقذف والتجمهر.

بس الضـ,ـرب الحقيقية ما كانتش في الشارع.. الضـ,ـرب الكبرى كانت بتتطبخ في المظاليم جوة التخشيبة! عبير، وهي محبوسة في حجز الحريم، عرفت إن أم عصام نازلة حرب على عيلتنا. عبير حسّت إن عصام وأهله هيتخلوا عنها وهيبيعوها ويشيلوها الشيلة لوحدها، وإن طفل الحرام اللي في بطنها هيبقى ورقة محروقة مش هتكسب منها مليم. ففي ليلة جحيمية جوة السجن، عبير لعبت أخبث كارت ممكن تخيله ست مفيش في قلبها رحمة أو دين!

اتفقت عبير مع إحدى السجينات المقربين منها، وطلبت منها خدمة بمقابل فلوس هيتبعتولها من برة. وفي نص الليل، وأثناء ما السجن هادي، عملت عبير مشاجرة مفتعلة مع السجينة دي.. وتمت التمثيلية بذكاء شيطاني؛ ضـ,ـربت عبير نفسها في بطنها بقوة، ووقعت على الأرض وهي بتصرخ وتستغيث ورجليها سايحة في دمها! الصرخات هزت حجز السجن، وحراس السجن جم جري ونقلوها على مستشفى السجن في حالة حادة وجسيمة.. في صباح اليوم التالي، وصل الخبر لعمي عبد المجيد المحامي، ولما قرينا الإخطار الرسمي من المستشفى، وقف شعر رأسنا من الصدمة!

عبير أجهضت الجنين! الجنين اللي كان الدليل المادي الوحيد والحي على ج*ريمة الزنا وتحديد الـ DNA بالدقة.. مـ,ـات ونزل من بطنها! عمي عبد المجيد مسك الورقة وهو بيضـ,ـرب كف بكف وصوته رايح: – “الست دي مش بني آدمة.. دي شيطانة مجسدة! سقطت نفسها بإيدها عشان تدمر دليل الـ DNA وتطير القض*ية، وعشان تخرج من قض/ية الزنا بسبب عدم وجود طفل حي يمكن فحص جيناته مستقبلاً ومطابقتها بعصام!” أنا وقفت مشدوهة، ودموعي نزلت من الخوف والذهول:

– “يعني إيه يا عمي؟! يعني كده عصام وعبير هيخرجوا براءة؟! كده حق أخويا سيد وحقي أنا وأبويا هيروح في الأرض بعد كل القذارة دي؟!” عمي عبد المجيد بص لي بعيون مليانة تحدي وقسوة وقال:

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى