روايات

بعد و.فاة اخويا

– “عبير فاكرة إنها أذكى من القانون باللعبة الخبـ,ـيثة دي.. هي فاكرة إن لما الجنين ينزل، النيابة مش هتلاقي دليل. بس هي نسيت إن الطب الشرعي أخد عينات وأنسجة من الجنين المجرض فور نزوله وحفظها في المعامل الجنائية! ونسيت إن الشات والفيديوهات اللي أنتِ صورتيها من تليفون عصام متسجلة بالصوت والصورة والتاريخ!” في نفس اليوم، أمر وكيل النيابة ببدء المواجهة الكبرى والأخيرة بين عصام وعبير أمام الطب الشرعي المعملي، بعد ورود نتائج تحليل العينات المأخوذة من أنسجة الجنين المجهض!

داخل غرفة التحقيق بالنيابة، كانت عبير قاعدة على كرسي متحرك، وجهها أصفر زي المـ,ـوتى، وبتمثل الضعف وبتعيط وتقول: “أنا مظلومة.. الجنين نزل من كثرة الضـ,ـرب والظلم اللي شفته، وما بقاش فيه دليل عليّ!” وعصام كان قاعد جنب محاميه، مبتسم ابتسامة خفيفة فاكر إن محاميه وهيئته نجحوا في إنقاذه من حبل المشنقة. وقف وكيل النيابة، ورفع ملف أسود ثقيل، وبص لعبير ولعصام بنظرة احتقار هزت أركان الغرفة، وقال بصوت حاد يقطع الأنفاس:

– “المتهمة عبير.. والمتهم عصام.. فاكرين إن الإجهاض المفتعل يمحو الج*ريمة؟ المعمل الجنائي والطب الشرعي أنجز تحاليل البصمة الوراثية DNA على العينات المأخوذة من الجنين المجهض قبل دفـ,ـنه.. والنتيجة المعتمدة رسمياً بين إيدينا دلوقتي!” ساد صمت رهيب في الغرفة.. عصام اتعدل في قعدته والابتسامة اتبخرت من وشه، وعبير رفعت رأسها بعيون مرعوبة. كمل وكيل النيابة بلهجة كأنها صاعقة نزلت من السماء: – “نتيجة الـ DNA أثبتت إن الجنين المجهض.. لا ينتمي للمتهم عصام.. ولا ينتمي أيضاً للمرحوم سيد!”

الصدمة شلت المكان كله! عصام اتنطز من مكانه وصارخ بصوت شق الجدران: – “إيه؟!! مش مني ولا من سيد؟! أمّال ابن مين يا فاجرة?!” عبير اتسمرت في مكانها، عينيها اتوسعت بجنون، وشفايفها بدأت تترعش بغير تصديق، كأن سر أبشع وأعظم من كل اللي فات كُشف في لحظة واحدة! بصيت لعمي عبد المجيد ولأبويا.. وعرفنا إن القناع سقط تماماً، وإن تحت الرماد كان فيه جحيم تاني ومستنقع نجاسة محدش فينا كان يتخيله أبداً!

**الجزء السادس** ساد الغرفة صمت رهيب، صمت أثقل من الحجارة. الكلمة التي نطق بها وكيل النيابة كانت كأنها زلزال هدّ كل ما كان متبقياً من عقولنا. الجنين المجهض لا ينتمي للمرحوم “سيد”، ولا ينتمي لـ “عصام عصام جُن جنونه، طارت من رأسه بقايا العقل والتحكم، وهجم على عبير في لحظة خاطفة وهو يتكلبش في سلاسله، ومسكها من طوق عباءتها يرجها بكل قوته ويصرخ بصوت بح وهو يتفحم من الغل:

– “ابن مين يا فاجرة؟! ابن مين؟! أنا اللي بعت أختي وبيتي ونفسي عشانك؟ أنا اللي خنت صاحبي في قبره وقعدت أتذلل لك وأنا فاكر إني مسكّتك من إيدك اللي بتوجعك؟! طلعتِ بتلعبِي بيا وبالكل ومقضياها مع مين تاني يا خاينة يا وسخة?!” الحراس أسرعوا وزقوا عصام بالعافية، وحجزوه عنه وهي بتصرخ وتستغيث، ووجهها تحول للون الأسود من شدة الرعب. عبير كانت تتنفس بصعوبة، عيناها تتنقل بين وكيل النيابة وعصام وأبويا وأنا.. القناع الشيطاني الذي كانت تلبسه سقط تماماً، وظهرت حقيقتها الخاوية الخائفة.

وكيل النيابة ضـ,ـرب على الطاولة بحدّة وصوت هز الأركان: – “اهدأ يا متهم أنت وهو! النيابة مش ساحة لتصفية الحسابات! المتهمة عبير.. النتيجة قدامك ومعتمدة من أعلى جهة طب شرعي في الدولة. الجنين المجهض يحمل بصمة وراثية لرجُل ثالث! اعترفي فوراً وبدون لف ودوران، مين الشريك الثالث في الج*ريمة دي؟ وإيه السر اللي بتغطيه من البداية؟” عبير قعدت تتلعثم، دموعها تنزل بغير تصديق، وشفايفها بتهتز: – “لا.. لا يا باشا! والله العظيم التقرير دا غلط! أكيد العينات اتلخبطت! أنا.. أنا ما عرفتش حد غير سيد وعصام!”

هنا وقف عمي عبد المجيد المحامي، ورفع إيده بثبات وقال بثقة المحنك: – “يا سيادة المستشار.. المتهمة بتكذب وبتهرب من الواقع. التقرير الطب الشرعي ما بيكدبش والـ DNA مفيش فيه خطأ نسبة واحد في المليون. المتهمة عبير كانت بتستغل عصام كستار وجسر عشان تغطي بيه على حملها غير الشرعي من شخص آخر، وكانت عايزه تلبّس الحمل لـ عصام وتستغل الشات اللي بينهم عشان تخليه يتجوزها رسمياً ويشيل هو الفضيحة والطفل، وفي نفس الوقت تستولي على شقة المرحوم سيد وحقه في البيت!”

عصام لما سمع الكلام دا، انهار على الأرض وبدأ يضـ,ـرب رأسه في البلاط بكل ما فيه من قوة وندم وحسرة، ويصرخ بصوت يقطع القلب: – “يا خيبتي! يا فضيحتي قدام ربنا والناس! شربت المقلوب ودمرت بيتي وخنت أختي وصاحبي علشان وحدة كانت بتركبني وبتبص لغيري؟! ياني يا فقرِي ويا سواد بختي!” وكيل النيابة حوّل نظره لـ عبير وقال بنبرة حازمة تجمد الدم في العروق:

– “المتهمة عبير.. عدم اعترافك الآن بشريكك هيدخلك في قضايا أعقد؛ زنا، وتزوير، وإعطاء معلومات خاطئة للعدالة، وتدنيس حرمة المتوفي، بالإضافة لإجهاض جنين بشكل غير قانوني للإضرار بسير التحقيقات! اعترفي مين الراجل الثالث، يا إما التحريات الجنائية وتفريغ كاميرات المنطقة وتتبع اتصالاتك الهاتفيّة خلال الأيام اللي فاتت هيجيبوه من تحت الأرض في خلال 24 ساعة!” عبير انقطعت أنفاسها، وعيناها زاغت في الغرفة. لما حسّت إن الحبل يتلف على رقبتها من كل اتجاه، وإن عصام باح بكل شيء، وإن أسرارها كلها أصبحت مكشوفة.. اننهارت بالبكاء الهستيري ورفعت رأسها وصوّتت:

– “أنا هقول!.. هقول على كل حاجة بس احموني منه! والله العظيم هو اللي هددني وهو اللي دخل حياتي بالعافية بعد مـ,ـوت سيد!” الصالة كلها سكتت، حتى عصام توقف عن الصراخ وبص لها بذهول. كملت عبير بصوت جاف يملأه الخوف:

– “بعد وفاة سيد بأسبوع واحد.. كنت قاعدة في الشقة لوحدي وببكي. جاني ‘مدحت’.. مدحت صاحب سيد المقرب، والتلميذ اللي كان سيد بيساعده وبيصرف عليه في ورشته! جالي البيت بحجة إنه يواسينِي ويجيبلي فلوس كان سيد مديونها له.. ولما لقاني لوحدي ومكسورة، بدأ يستغل ضعفي ويسحبني للكلام، ولما رفعت صوتي هددني إنه هيقول للمنطقة كلها إني كنت بطلب منه فلوس وبجري وراه من زمان! انقدت له تحت الخوف، وحصل اللي حصل.. ولما حسيت إني حامل، اتجننت! ما كنتش أقدر أقول إن دا من مدحت، لأن الشارع كان هيق*تلني.. اتفكرت في عصام!

عصام كان عينيه مني ومن زمان وكتبلي رسائل، فقلت أستغله وأخليه يلبس الحمل ويجوزني ويحميني!” أنا وأبويا واقفين مش قادرين نصدق مسرحية القذارة والنجاسة دي! “مدحت”؟! صاحب أخويا سيد الصغير اللي كان سيد بيعتبره زي أخوه وبيوكله معاه في طبق واحد؟! مدحت اللي كان واقف في سرادق العزاء بتاع سيد بيصرخ ويطلب من الناس تدعيله؟! أبويا مسك قلبه، وجلس على الكرسي بسرعة وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وعيناه تنزف دموعاً حارقة:

– “مدحت يا سيد؟ مدحت اللي كنت بتشيله من الشارع وتصرف عليه يطـ,ـعنك في عـ,ـرضك ومرتك بعد مـ,ـوتك؟! يا نااااس إيه الغـ,ـل والغـ,ـدر دا اللي بقى في قلوب البشر?!” وكيل النيابة لم يضيع ثانية واحدة. ضـ,ـرب بجرس المكتب وأمر فوراً: – “طلب ضبط وإحضار عاجل للمدعو ‘مدحت’ من محل إقامته وورشته، وتفتيش هاتفه وتتبع موقعه الجغرافي فوراً! وتحويل المتهمة عبير والمتهم عصام للحجز لحين حضور المتهم الثالث لمواجهتهم جميعاً!” خرجنا من مقر النيابة، والدنيا كانت بتلف بينا. الشارع كان مظلماً ورطب، بس النار اللي جوة صدورنا كانت بتحرق الأخضر واليابس.

عصام كان بيتجرّ ورا الحراس، عيناه مثبتة عليّ، وبيترجاني بدموع ذليلة مشوهة: – “سمر.. سامحيني يا سمر! والله العظيم أنا كنت أعمى ومخدوع! العقربة دي لعبت بيا ولابستني في جحيم! سامحيني وخلي عمي يسامحني!” بصيت له بقسوة أشد من الصخر وقلت له بكلمات ناطقة بالحكم النهائي: الندم ما بيرجعش اللي راح يا عصام. أنت بايعتني وخنت صاحبك وأخوك وهو في قبره، وربنا حرمك من شرفك وعقلك ولبّسك في نجاسة خيانة غيرك! ورقة طلاقي توصلني، ومش هشوف وشك تاني إلا وأنت بتتجازى بالقانون!”

مرت ليلة قاسية جدًا.. وفي صباح اليوم التالي، وردنا اتصال من عمي عبد المجيد: – “تعالوا على القسم فوراً.. ‘مدحت’ اتمسك في كمين وهو بيحاول يهرب برة المحافظة، والمواجهة الثلاثية بينه وبين عبير وعصام شغالين فيها دلوقتي!” وصلنا القسم، وكانت الصالة مليانة بشر ورجال شرطة. دخلنا غرفة التحقيق، وشوفنا “مدحت” مقيداً بالكلابشات، وشه أصفر زي الوفاة، وعبير واقفة قدامه بتصرخ وتتهمه، وعصام في الناحية الثانية بيحاول يوصل له عشان يضـ,ـربه!

بس المفاجأة الكبرى والضـ,ـربة القاضية ما كانتش في اعتراف مدحت بالحمل غير الشرعي فقط.. مدحت لما حس إن الحبل يتلف على رقبته وإن قض*ية الزنا والاعتداء هتدخله السجن سنوات طويلة، وقف في نص الغرفة، وبص لوكيل النيابة وقال بصوت مرعوب ويهتز: – “أنا هعترف بكل حاجة يا باشا!.. بس أوعدني بحمايتي! أنا ما اعتديتش عليها برغبتها فقط.. عبير هي اللي اتفقت معايا على كل حاجة من زمان! وهي اللي كانت بتسقيني كلام وتبعتلي.. وهي اللي اتفقت معايا نخلص من ‘سيد’ نفسه!”

الغرفة كلها اتجمدت! الكلمة نزل على مسامعنا كأنها صاعقة فجرت المكان! أنا وأبويا اتنطزنا وصصرخنا في نفس اللحظة: – “نخلص من سيد يعني إيه يا مجرم؟! يعني سيد ما ماتش مـ,ـوتة طبيعية?!” *الجزء السابع** ساد الغرفة صمت مرعب، صمت تشم فيه ريحة المـ,ـوت والخـ,ـيانة. الكلمة التي خرجت من فم مدحت كانت كأنها خنجر مسـ,ـموم اتغرس في قلوبنا كلنا. “نخلص من سيد”؟! أخويا سيد الله يرحمه ما ماتش بسكتة قلبية زي ما كنا فاكرين والأطباء قالوا لنا؟!

أبويا اتنطز من مكانه كأنه أخد ضـ,ـربة بسيف في صدره، وهجـ,ـم على مدحت بالرغم من كبر سنه وتعدي جسمه، ومسكه من طوق قميصه وهو بيصرخ بصوت يشق الجدران والدموع نازلة من عينيه زي المطر: – “ق*تلتوا ابني؟! ق*تلتوا سيد يا مجرمين؟! دا كان بياكلك في بيته وبيعتبرك أخوه الصغير! ق*تلتوه إزاي ويا فجركم إزاي مشيتوا في جنازته وأكلتم عيشنا?!”

رجال الشرطة أسرعوا وحجزوا أبويا بالعافية وقعدوه على الكرسي وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة وبيترعش، وأنا وقفت أرضي بتلف بيا، ورجلايا مش شايلاكي.. حسيت إن الدنيا أظلمت في عيني. عبير وخيانتها كانت كابوس، بس إنها تكون قـ,ـاتلة أخويا بالاتفاق مع صاحبه.. دا كان جحيم ما يتحملوش عقل بشر! وكيل النيابة اتعدل في قعدته، وعينيه برقت بغضب شديد وحزم، وضـ,ـرب بكل قوة على المكتب: – “المتهم مدحت! أنت عارف الكلام اللي بتقوله دا معناه إيه؟! دا اعتراف صريح بج/ريمة ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد! اتكلم بالتفصيل فوراً.. عملتم إيه في المرحوم سيد؟!”

مدحت كان بيبكي بكاء هستيري، وجسمه كله بيرتعش، ووجهه تحول للون الأسود من شدة الرعب. بص لعبير اللي كانت واقفة زي الصنم، عينيها مبلمة وشفايفها بيضا زي اللبن، وقال بصوت جاف ويهتز:

– “يا باشا أنا ما كنتش عايز أق*تله!.. هي اللي وزتني وسحرتلي بدماغها! عبير كانت بتكره سيد وعيلته كلها، وكانت عايزه تخلص منه عشان تاخد الشقة والبيت وتورث فلوسه في البنك، وفي نفس الوقت كانت خايفة إنه يكشف شقاوة عينها وغدرها. جاتلي الورشة قبل مـ,ـوته بشهر، وقالتلي إن سيد معاه مبلغ كبير شايله في البيت، وإنها مستعدة تديني النص وتجوزني سر لو ساعدتها نخلص منه من غير ما حد يحس!”

عصام جوزي اللي كان واقف متكلبش في الناحية الثانية، بص لمدحت وعبير بذهول ورعب، ورجليه اتسحبت منه وسقط على الأرض وهو بيلطم على وشه وبيصرخ: – “يا نهار أسود! يا نهار أسود! أنا كنت رايح أتجوز قـ,ـاتلة؟! أنا كنت ببيع أختي وبيتي علشان ست قـ,ـاتلة جوزها وحامل من صاحبه الحرام?!” كمل مدحت كلامه وهو بينتحب وبيعترف بكل القذارة:

انت في الصفحة 4 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى