روايات

تنظيف الشقه

سعاد صوتها بدأ يعلى والوجع يطلع من حشرجته: “أيوه قالت لي! وقالت لي شغل البيت شغل، ومحدش بياخد كدا، ونسيت إن محمود الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة، وهو اللي كان شايلك وشايل بيتك يوم ما كنت مش لاقي تأكل! نسيت إن عيال محمود دول يتامى، وإنك عمهم، يعني مكان أبوهم! المفروض تحن عليهم مش تسيب مراتك تعايرني بفقري وتديني حسنة كأني خدامة عندها!”

حسين مسح وشها بإيده اللي بترتعش. شريط كامل اتعرض قدام عينيه؛ افتكر محمود أخوه الكبير لما كان بياخد من قوته ويديه، افتكر لما كان بيقف جنبه في كل أزمة، افتكر وصية محمود قبل ما يمـ,ـوت بأيام لما قاله: “حسين.. العيال وسعاد في رقبتك يا خويا، لو جرالي حاجة متخليش حد يكسرهم.” حس حسين بكسرة نفس رهيبة، خجل قـ,ـاتل من نفسه ومن أخوه اللي تحت التراب. حسين اتكلم ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقى فيها ندامة ووجع حقيقي:

“حقك عليّ يا سعاد.. وحق محمود فوق راسي. وحياة طول عمري وغربتي دي، الكلمة دي مش هتعدي. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا اتعميت، وثقت في أميرة وسلمتها كل حاجة، وكنت فاكرها بتوصلكم حَقكم وبتسأل عنكم، طلعت أعمى ومغفل!” الحاجة فاطمة شدت التليفون من إيد سعاد بسرعة، وحطت السماعة على أذنها وصوتها طلع زي الرعد:

“يا حسين! سامعني يا ابن بطني؟ لو مراتك دي فاكرة إنك لما سافرت مسكت السماء بإيدك، ونسيت أصلك وأصلها، فأناني مش هنسى! سعاد دي مرّة أخوك المرحوم، وعياله دول أيتام، وأنت سبتهم للمفترية دي تدوس على كرامتهم! الفلوس اللي بتبعثها لها بتصرفها في الهيايف، وتيجي على أرملة أخوك؟ والله يا حسين، لو الحق ده ما رجع لأصحابه، وما اتعمل لسعاد وعيالها قيمة، لا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!” حسين اتخض من صوت أمه، وقفل عينيه بوجع وقال بنبرة ملخبطة:

“يهديكِ ياما.. بلاش الدعوة دي، وحياة جزمة أبويا ومحمود الله يرحمه لأرضيكم كلكم. أديني سعاد تاني ياما.. اديهالي.” الحاجة فاطمة أدت التليفون لسعاد وهي بتمسح دموعها بخمارها. مسكت سعاد التليفون وقالت بثبات: “نعم يا حسين.” حسين اتكلم بصوت هادي كأنه بيعتذر لكل لحاف ومحمود تحت التراب: “سعاد.. اسمعيني كويس. الفلوس اللي أميرة ادتهالك دي ترميها في وشها، أو تخليها عندها مش عاوزها. ومن اليوم ده، مش هتحتاجي تمدي إيدك ولا تشتغلي عند حد، ولا عند أميرة ولا غيرها. أنتِ مرات أخويا الكبير، ومحمود أفضاله عليا لما أعيش وأموـ,ـت مش هعرف أردها.”

كمل حسين كلامه بكل حسم وصرامة: “من أول الشهر ده، هتوصلك إ حوالة شهرية باسمك أنتِ يا سعاد، مبلغ ثابت مش هيتقطع أبداً طول ما أنا حي على وش الأرض. ده مش حسنة ولا عطف، ده حقك وحق عيال أخويا اليتامى عليا، ومكان أبوهم اللي مات. هتاخدي ماهيتك مرفوعة الرأس، وتصرفي على عيالك وتعلميهم أحسن تعليم، ومحدش يقدر يبصلك بنص عين ولا يسمعك كلمة تجرحك.” سعاد بلعت دموعها وقالت ونفسها مقطوع من التأثر:

“وأميرة يا حسين؟ أميرة هزأتني في بيتها وقالت لي كلام يكسر أي بيت.” رد حسين بنبرة ملبانة غضب ووعيد: “أميرة دي حسابها معايا أنا.. قسماً بالله لأعرفها مقعدها صح، ولأخليها تعرف إن الله حق. مش حسين اللي يتنسى أصله، ولا حسين اللي يسيب مرات أخوه تتهان في بيته. أنا هطلبها حالاً، وهسمعها كلام يخليها تلف حولين نفسها، وهجبرها تيجي لحد عندك في بيت أمي، تبوس على رأسك وتعتذر لك قدام أمي كلها، وتاخدي حقك المادي والمعنوي تالت ومتالت، وإلا يمين طلاق ما تقعد لي في بيت ولا تفضل على ذمتي لحظة واحدة!”

سعاد حست بغصة الوجع بتبدأ تروح، ورجلها اللي كانت بترتعش ثبتت على الأرض. الحاجة فاطمة ابتسمت برضا، وهزت رأسها وهي بتسبح. كمل حسين كلامه: “سعاد.. جهزي نفسك بكرة الصبح، هبعتلك مصاريف فورية تحوليها من البنك باسمك، تجيبي للعيال كل اللي نفسهم فيه، وتشتري كل طلبات البيت. وأي حاجة تنقصك، تطلبيها مني أنا شخصياً، ورقمي ده يفصل معاكي طول العمر. أنتِ أختي الكبيرة ومرات الغالي، وعيالك عيالي.”

قفل حسين السكة بعد ما طمئن سعاد وحلف يمين إنه ينصفها. سعاد قعدت على الحصيرة، نزلت دموعها بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع كرامة ردت لها بعد ما كانت مكسورة ومتهانة. بصت للحاجة فاطمة وقالت: “ربنا يخليكي ليا يا حاجة.. لولاكي كان حقي ضاع وأنا مكسورة.” الحاجة فاطمة حطت إيدها على رأس سعاد وقالت: “الحق ما بيضيعش يا بتي طول ما وراه مطالب.. وقوة يتيم ربنا ما بيسيبهاش. قومي املي وشك ميه، وروحي لعيالك مرفوعة الرأس، والنهارده الفرج جه.”

في نفس الوقت، في الشقة فوق.. كانت “أميرة” قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل، ومسكة التليفون بتتفرج على الفيديوهات ومبسوطة إنها نضفت الشقة ببلاش تقريباً، ومكسرة خاطر سعاد. فجأة، رن تليفونها.. بصت على الشاشة لقت اسم “حسين”. ابتسمت وقالت بدلع وهي بترد: “ألو.. أهلاً يا حسين، إيه المفاجأة دي؟ أخيرا افتكرت ترن؟” بس الصوت اللي جيلها من الناحية التانية ما كانش صوت حسين الدلع ولا الهادي.. كان صوت بركان ينفجر، صوت حسين وهو بيصرخ فيها بنبرة ترعب:

“يا زبالة! يا قليلة الأصل والتربية! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تدوسي على مرات أخويا وتعايريها بفقرها وتستغلي ظروفها؟!” أميرة اتخضت وقامت وقفت والتليفون هيقع من إيدها، وشها أصفر وزرّق في ثانية: “حسين؟! في إيه؟ مين قالك الكلام ده؟ هي سعاد راحت اشتكت لك؟” حسين صرخ فيها بغل:

“سعاد أنضف منك ومن أهلك! سعاد مرات الراجل اللي أكلني وشربني وعملني راجل! أنتِ نسيتي نفسك يا أميرة؟ نسيتي إن الفلوس اللي بتصرفيها دي من خير أخوه؟ تشغليها تلات أيام وتديها 600 جنيه وتقولي لها بتشحتي؟! وحياة جزمة محمود الله يرحمه، لو ما نزلتِ دلوقتي حالا على بيت أمي، وتبوسي على جزمة سعاد وتعتذري لها قدام أمي وتديلها حقها كامل، ليكون ورقتك واصلة لبيت أهلك قبل ما الليل يليل، ولا تصرفي جنيه واحد من الفلوس اللي ببعتها تاني!”

أميرة أكلت شفتيها من الخوف والذهول، دموع الرعب نزلت من عينها وهي حاسة إن بيتها بيتخرب وعرشها بيتهد في ثانية: “يا حسين استهدى بالله.. أنا ما قصدتش، أنا…” حسين قاطعها بصوت قاطع زي السيف: “ولا كلمة! قدامك نص ساعة.. تنزلي بيت أمي، وتراضيها، وتديلها ألفين جنيه تحت رجلها، وتعتذري لها كلمة كلمة.. وإلا انسى إن ليكي راجل اسمه حسين!”

قفل حسين السكة في وشها، وساب أميرة واقفة في وسط الصالة الشقة النظيفة المعطرة، بس قلبها كان بيمـ,ـوت من الخوف والكسرة. عرفت إن الله حق، وإن دعوة المظلوم واليتيم ملهاش حجاب، وإن سعاد اللي كانت فاكراها ضعيفة وملهاش حد، وراها ضهر وسند ما يتهزش. نزل أميرة السلم وهي بترتعش، وخطواتها ثقيلة، رايحة لبيت العيلة وهي عارفة إنها هتدفع ثمن الافتراء والظلم، وإن سعاد وعيالها خلاص.. حقهم جيلهم مرفوع الرأس. الجزء الثالث:

وقفت “أميرة” على باب شقة الحاجة فاطمة وهي حاسة إن السلم نفسه بيميد بيها. جبهتها عرقانة، وإيدها المفروضة على طرف الطرحة بترتعش وهي بتمسح دموع الرعب. كانت متعودة تنزل البيت ده وهي رافعة رأسها، تتبغدد بفلوس الخليج وتتكلم بمنظار، بس المرة دي نازلة وكسرتها سبقاه. خبطت على الباب خبطة خفيفة، خائفة، كأنها خائفة من الصوت نفسه. جوة الصالة، كانت سعاد قاعد جنّب الحاجة فاطمة، بتمسح دموعها بمهل، والحاجة فاطمة ماسكة سبحتها وبتتمتم بالدعاء. أول ما الباب اتخبط، الحاجة فاطمة بصت لسعاد وقالت بصوت ثقيل:

“قومي افتحي يا سعاد.. قومي وشوفي الفرج وهو داخلك مرفوع الرأس.” سعاد قامت ببطء، فتحت الباب.. أول ما العيون اتلاقت، أميرة نزلت عينها في الأرض على طول، وشها كان أصفر زي الليمونة المعتورة، وصوتها طلع بالعافية، مخنوق بالدموع: “سعاد… أنا… أنا آسفة يا أختي.” الحاجة فاطمة صرخت من جوة وهي قاعدة على الدكة: “ادخلي جوة يا بت! الكلام ده ما يتقالش على العتبة.. ادخلي انظري إيد ورأس مرات أخو جوزك اللي استقليتي بيها واستغليتي يتاماه!”

دخلت أميرة الشقة بخطوات مكسورة، رجليها مش شايلها. قربت من سعاد، وحاولت تمسك إيدها عشان تبوسها، بس سعاد سحبت إيدها بهدوء وعزة نفس، وقالت وهي باصة في عينها بثبات: “أنا مش عاوزة بوس إيدين ولا راس يا أميرة.. أنا مش خدامة عشان تزليني، ولا شحاتة عشان ترمي لي القرشين وتصرخي في وشي. أنا دخلت بيتك بدراعي عشان أطعم عيال أخو جوزك من حلال، لكن أنتِ استكبتي وتكبرتي.” أميرة قعدت تبكي بحرقة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها على الترابيزة الخشب قدام الحاجة فاطمة:

“والله ما كنت أقصد يا حاجة.. حسين اتصل بيا وكان حايطلقني ويرميني في الشارع. ادي الفلوس اهي.. الفين جنيه زي ما حسين قال، وعليها يمين طلاق إني ما ألمس قرش من اللي بيبعته غير لما سعاد تاخد ماهيتها وزيادة.” الحاجة فاطمة بصت للفلوس بقرف، وبعدين بصت لأميرة وقالت:

“الفلوس دي مش حسنة منك.. دي حقها وعرق جبينها في سحلة التلات أيام، وحق عيال محمود اللي نسيتيهم. والفلوس دي مش هي اللي هتغسل قلة أصلك.. اللي هيغسله إنك تعرفي مقعدك كويس، وتعرفي إن بيت العيلة ده له رب يحميه، وإن سعاد دي خط أحمر.. لو سمعت منك كلمة تجرحها تاني، أو شوفتك تبصي لها بقلة قيمة، قسمًا بالله لأخلي حسين يكتب الشقة دي باسم عيال أخوه، ويرميكي لبيت أهلك بشنطة هدومك!”

أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع: صوت حسين جيلها المرة دي مش غضبان، بس كان فيه نبرة تعب وإرهاق شديد، نبرة واحد شايل حمول جبال على ضهره: “أنا بخير يا سعاد.. الحمد لله. طمنيني عنك وعن العيال؟ أمانة عليكِ التحويل بيوصلك مظبوط؟” “ربنا يخليك ويطول في عمرك يا حسين.. بيوصل ومستورين وأحسن كرم من ربنا ومنك. العيال بيدعولك في كل صلاة.”

حسين سكت شوية، وسعاد حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة في نبرة صوته. كمل حسين بكلام هادي ومتردد: “سعاد.. أنا نازل مصر أسبوعين إجازة.” سعاد فرحت وقالت: “تنور بيتك وأمك يا خويا! الحاجة فاطمة هطير من الفرحة، ده بقالك تلات سنين ما نزلتش!” حسين اتنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال: “أنا نازل يا سعاد.. بس مش نازل إجازة وبس. أنا نازل عشان فيه موضوع كبير لازم يتحسم، ومفيش حد أثق فيه يقف جنبي وينصحني بالحق غيرك أنتِ وأمي.”

سعاد استغربت وقالت بقلة صبر: “خير يا حسين؟ خير يا أخويا في إيه؟ أميرة عملت حاجة تاني؟” رد حسين بنبرة ملبانة مرار وكسرة: “أميرة؟ أميرة دي طلعت أقل مشكلة عندي يا سعاد.. أنا اكتشفت حاجة عن الشغل وعن الفلوس اللي كنت ببعتها هنا طول التلات سنين اللي فاتوا.. حاجة تهد البيوت وتخرب العائلات. أنا نازل وفي إيدي أوراق وقضايا.. ولازم الكل يتجمع في بيت أمي أول ما رجلي تطأ المطار.”

سعاد حطت إيدها على قلبها وهي حاسة إن فيه عاصفة جديدة جاية في الطريق، عاصفة مش هتسيب حد في بيت العيلة إلا وتهزه.. الجزء الرابع: نزلت كلمة حسين على قلب سعاد زي جمرة نار. فضلت ماسكة التليفون بعد ما قفل السكة، عيونها متبتة على الشاشة، وصوت تنهيدته العميقة لسة بيرن في أذنها. “أوراق وقضايا.. وحاجة تهد البيوت!” الكلمات دي كانت كفيلة إنها تطير النوم من عينها باقي الليلة.

أول ما طلع نهار السبت، نزلت سعاد جاري على بيت الحاجة فاطمة. لقت حماتها قاعدة كالعادة على الدكة الخشب، بس السبحة كانت سايبة من إيدها، وعيونها باصة للباب بلهفة وترقب كأن قلب الأم حس قبل أي حد. أول ما شافت سعاد داخلة وشها مصفار وخطواتها مش متظبطة، وقفت الحاجة فاطمة وتسندت على عصايتها: “خير يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ وشك يقطع الخميرة من البيت ليه كده؟” سعاد قعدت عند رجلها، وشسدت إيدها بطفف وقال بصوت واطي عشان محدش يسمعهم من السلم:

“حسين اتصل بيّا امبارح بالليل يا حاجة.. حسين نازل مصر، وفي خلال يومين هيكون هنا!” الحاجة فاطمة شهقت من الفرحة، ودموعها نزلت على خدودها المجعدة: “يا ألف نهار بركة! يا ألف حمد وشكر ليك يا رب.. الولد اللي غاب تلات سنين ويرجع يتملى في حضني؟ ده أنا أذبح تحت رجليه خروفين وأوزعهم على الحارة كلها!” مسكت سعاد إيد حماتها ورجت بتهدئة:

“اهدّي يا حاجة واسمعيني.. حسين نازل، بس مش نازل مبسوط. حسيت من صوته إنه مكسور، وقال لي كلام يخوف.. قال إنه اكتشف بلاوي عن الفلوس والأوراق اللي كان بيبعتها طول التلات سنين اللي فاتوا، وإن فيه قضايا وأوراق في إيده نازل يحسمها، وقال مش هيأمن يفتح الموضوع ده غير قدامك أنتِ وأنا!” ضـ,ـربت الحاجة فاطمة على صدرها، وتحولت الفرحة في ثواني لغيمة سوداء من القلق: “فلوس وأوراق؟ يا مري! هي أميرة الهانم عملت إيه من وراه؟ ده كان بيبعت لها شقى عمره أول بأول عشان تشتري حتة أرض وتبني بيت للعيال!”

“ما نعرفش يا حاجة.. هو أصرّ ما يقولش حاجة في التليفون، وقال الكل يتجمع في بيتك أول ما يوصل من المطار. بس المهم دلوقتي، أميرة ما تعرفش إنه نازل، هو طلب مني ما أقولهاش.” في الشقة فوق، كانت أميرة عايشة في وهمها. من يوم واقعة التنظيف والتهديد بالطلاق، وهي ماشية جنب الحيط، بس جواها نار بالعداوة والغل من سعاد والحاجة فاطمة. كانت فاكرة إن السكوت اللي فرضوا حسين عليها مجرد أزمة وهتعدي، وبقت تقضي وقتها كله مع أخوها “سيد” – راجل طماع وشغال في السمسرة وبيع الأراضي والمقاولات غير المشروعة في المنطقة.

سيد كان هو “العقل المدبر” لكل قرش بيجي من الخليج. كل ما حسين يبعت مبلغ لأميرة عشان تحطه في البنك أو تشتري بيه أرض باسمه، كان سيد يقنعها بأسلوبه المسموم: “يا هبلة! بتكتبي الأرض باسم حسين ليه؟ حسين في الغربة وممكن في أي لحظة يعجبك هناك ولا يرجع يتجوز عليكي ويرميكي! الفلوس دي شيلي نصها باسمك ونصفها باسمي نتاجر بيه ونطلع أرباح، وهو لما ينزل ويري المباني والخير مش هيسأل في الأوراق التفصيلية!”

أميرة كانت متساقطة ورا أخوها، سلمته أختام حسين وتوكيل عام كان حسين عامله لها قبل ما يسافر عشان تخلص بيه إجراءات المصالح الحكومية. سيد استغل التوكيل ده أسوأ استغلال؛ باع واشترى وعمل صفقات مشبوهة باسم حسين، وسجل حتة أرض كبيرة ومهمة كانت حلم عمر حسين باسمه هو شخصياً بدلاً من حسين! يوم الاثنين الساعة أربعة العصر.. كانت الحارة هادية، وسعاد قاعدة مع الحاجة فاطمة بيجهزوا الشاي، وفجأة سمعوا صوت عربية تاكسي وقفت تحت الباب. الصوت والكركبة تحت خلوا قلوبهم تضـ,ـرب. نزلت سعاد جاري تفتح الباب، لقت حسين واقف في مدخل البيت!

كان راجل في أواخر التلاتينات، بس الغربة والتعب رسموا خطوط قاسية على وشه، شايل شنطة سفره على كتفه، وعيونه مليانة إرهاق ونار مكتومة. أول ما شاف سعاد، نزل الشنطة من إيده، ووقف مكانها. سعاد قالت بنبرة دافية: “حمد لله على السلامة يا حسين.. كفارة يا أخويا من الغربة.” حسين بص لها، وحس بخجل القديم بيجدد، بس هز رأسه وقال بصوت مبحوح: “الله يسلمك يا سعاد.. أمي جوة؟” “جوة وبتمـ,ـوت من القلق عليك.. ادخل يا أخويا.”

دخل حسين الشقة، وأول ما شاف أمه قاعدة، اترسخ تحت رجلها، مسك إيدها وباسها بلهفة وعياط مكتوم. الحاجة فاطمة حضنت رأسه وبقت تبكي وتدعي له، وسعاد واقفة بعيد، حاسة إن Moment ده هو هدوء ما قبل العاصفة. بعد ما شرب شربة مية وهدي شوية، حسين وقف، وبص لأمه وسعاد وقال بصوت صارم: “سعاد.. اطلعي نادي أميرة وأخوها سيد.”

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى