
“سعاد.. أمي عندها حق في خوفها على العيال وعلى لمّة البيت، بس أنا مش هفرض عليكي حاجة ولا أطلب منك حاجة تغصبك. أنتِ مرات الغالي، وأختي الشريفة اللي شالت اسم أخويا فوق رأسها. لو وافقتي، فده شرف ليا، وهكون للعيال أب وسند قبل ما أكون عم، وهتكوني في بيتي معززة مكرمة، رأسك مرفوعة ومحدش يمس كرامتك بكلمة طول ما أنا حي على وش الأرض. ولو رفضتي وفضلتي على حالك، فحقك وحق العيال محفوض ومسجل، وهتفضلي أختي وعلى رأسي من فوق.”
سعاد بصت لحسين، شافت في عينيه صدق محمود ورجولته القديمة، شافت حنية العم اللي وقف وقـ,ـاتل عشان أيتام أخوه، وشافت راجل يصون وما يخـ,ـونش. بصت لأحمد ومنى وهما بيلعبوا في الصالة، وافتكرت المُر اللي شافته والأيام الصعبة اللي عدت عليها وهي لوحدها. سعاد بلعت دموعها، وهزت رأسها بابتسامة رضا مكسورة، وقالت بصوت خافت بس مليان يقين: “اللي تشوفيه يا حاجة فاطمة.. أنا سلمت أمري لله، وحسين راجل وسند، وأنا عارفة إنه مش هيظلم عيال أخوه أبداً.”
الحاجة فاطمة زغردت زغروتة هزت جدران البيت، وفتحت أذرعها وضمت سعاد لحضنها، وحسين ابتسم ابتسامة راحة صافية، كأن غمامة التعب والظلم اتزاحت عن البيت للابد. بعد شهر واحد.. كان بيت العيلة متزوق ومضيء بالنور. اتعمل كتب الكتاب في جو عائلي هادي، بحضور كبار الحارة والجيران اللي باركوا الجوازة وشهدوا إن الله يعوض الصابرين. انتقلت سعاد وعيالها للشقة الجديدة في المبنى الجديد، شقة واسعة، يدخلها الشمس والخير من كل مكان. “أحمد” و”منى” بصروا بيعتبروا حسين أبيهم، ينادونه بـ “يا بابا حسين”، وهو بياخدهم في حضنه كل يوم لما يرجع من شغله، يتابع دراستهم، ويشتري لهم كل اللي نفسهم فيه.
أما “أميرة”، فكانت الأيام تدور عليها دورة قاسية. عاشت في بيت أهلها مكسورة، تسمع عن خير سعاد وعزها ونظافة بيتها الجديد، وتتحسر على العرش والنعمة اللي كانت في إيدها وضيعتها بطمعها وقسـ,ـوة قلبها. عرفت إن ظلم اليتيم دين يسدده الإنسان في الدنيا قبل الآخرة. في ليلة جمعة مباركة.. كانت سعاد قاعدة في بلكونة شقتها الجديدة، باصة للسماء والصلاة على النبي على لسانها. حسين جه وقعد جنبها، ومسك كوباية الشاي ودعا لها بالخير.
سعاد بصت له وقالت بامتنان: “يعلم ربنا يا حسين.. كل ما بفتكر الأيام اللي فاتت والكسرة اللي كنت فيها، بسبح ربنا وبحمده إن الحق ظهر وما ضاعش.” حسين ابتسم ورّد عليها بثبات: “الحق ما بيمـ,ـوتش يا سعاد طول ما وراه مطالب.. وأنتِ صبرتي وصنتي وصنتِ بيتك وعيالك، وربنا جعل الصبر ده فرج وعز ليكي ولعيالك.” وعاشت سعاد في كرم وعز، مرفوعة الرأس، محاطة بحب زوجها ورعاية عائلتها، بعد ما أثبتت الأيام إن الطيب بيفضل طيب، وإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
تمت القصة.




