روايات

تنظيف الشقه

“أنتِ غلطتك مش إنك سلمتِ له عقلك بس.. أنتِ غلطتك إنك نسيتي أصلك، ودستي على الغلبان، وعايرتي مرات أخويا بفقرها وسحلتيها في شقتك عشان تذليها! اللي بيظلم يتيم يا أميرة، ربنا بيسلط عليه اللي يظلمه. أطلمي لبيت أهلك بشنطة هدومك.. وما لكيش قعدة في بيتي ولا دقيقة واحدة تاني.” أميرة لمّت بقايا كرامتها، وطلعت الشقة فوق بخطوات مكسورة عشان تلم هدومها وتنزل، وسابت بيت العيلة وهو بيغلي من الأحداث. عدت ساعات الليل ببطء شديد.

الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر، والحارة كلها دخلت في نوم عميق. كانت سعاد قاعدة في شقتها القديمة مع عيالها أحمد ومنى، مش جيلها نوم. حاسة بضيقة في صدرها، وشيء غريب بيهمس لها إن لسة فيه حاجة هتحصل. قامت تسحب رجليها وقفت في البلكونة الصغيرة اللي بتطل على البيت الكبير وشارع الحارة الضيق. فجأة.. لمحت سعاد خيالين نازلين من آخر الشارع بالراحة، ماشيين جنب الجدران في الضلمة. واحد منهم كان شايل في إيده جردل أصفر صغير، والتاني شايل حاجة ملفوفة في قماش.

سعاد دققت عيونها في الضلمة.. القلب ضرـ,ـب بسرعة لما عرفت جسم الراجل الأولاني: “ده سيد أخو أميرة!” سيد والتاني قربوا ببطء شديد من باب شقة بيت العيلة اللي تحت—البيت اللي فيه الحاجة فاطمة وحسين نايمين فيه بعد تعب السفر والأحداث. سعاد شافت سيد وهو بيكب سائل ريحته طلعت بسرعة في الشارع.. ريحة بنزين! التاني طلع ولاعة وشغلها.. سعاد ما فكرتش ولا ثانية! صرخت بأعلى صوت عندها هز الحارة الساكنة كلها:

“الحقووووووني! النار! الحق يا حسين! الحقوني يا ناس البيت ببيتحرق!” صوت سعاد كان زي الإنذار اللي صحى الشارع كله في ثواني. سيد والتاني اتخضوا لما سمعوا الصريخ، والولاعة وقعت من إيد الراجل ولعت في البنزين على العتبة الخارجية قبل ما يقدروا يرموها جوة! النار مسكت في الباب الخشب القديم بسرعة، وسيد والتاني جروا في الشارع زي الفران.

حسين صحى من النوم على صوت صريخ سعاد، فتح باب الشقة لقى الدخان والنار طالعين من تحت الباب الرئيسي. جرى بسرعة مسك جردل المية وبدأ يطفي، وفي نفس الوقت كانت الجيران نزلت في الشارع بسرعة بالجرادل والمية بعد ما سعاد نزلت تجري وهي بتصرخ وتنادي على الناس. خلال دقايق، الجيران وحسين قدروا يسيطروا على النار قبل ما تدخل جوة الشقة وتوصل للأوضة اللي نايمة فيها الحاجة فاطمة. الحارة كلها اتجمعت، والناس كانت بتغلي من الغضب لما عرفوا إنها محاولة حـ,ـريق بفعل فاعل. حسين واقف على عتبة البيت، وشه متبهدل بالهباب والتراب، وعيونه بتطلع شرار.

سعاد جت تجري وهي بتلهث: “أنا شفته يا حسين! شفت سيد أخو أميرة ومعه واحد تاني، هما اللي كبوا البنزين وولعوا النار وجروا!” أحد كبار الحارة زعق بغضب: “سيد السمسار؟ يوصل بيه الفجر إنه يجي يولع في بيت العيلة والست الحاجة فاطمة جوة؟! والله ما هيطلع من الحارة دي سليمة!” حسين مسك إيد سعاد بثبات وقال بصوت هز الشارع كله: لا يا جماعة.. محدش يلمسه بإيده. سيد افتكر إنه بالشكل ده هيرعبني أو يحرق الأوراق.. بس هو كده كتب بإيده شهادة وفاته بالقانون!”

في نفس الليلة، وخلال أقل من ساعتين.. كانت عربيات الشرطة داخلة الحارة بسراينها اللي بتنور الأحمر والأزرق. حسين كان مجهز كل حاجة: تفريغ كاميرات المراقبة بتاعت السوبر ماركت اللي في أول الشارع والتي سجلت حركة سيد ومرافق بوضوح وهما شايلين جردل البنزين، بالإضافة لشهادة سعاد والجيران، والأوراق الأصلية لق\ضية التزوير وخيانة الأمانة اللي حسين قدمها رسمياً للنيابة. قبل ما يطلع نهار الأحد.. كانت المباحث نازلة على بيت سيد، وجايبينه معبوث ومتبهدل بالكلابشات في إيده، ومعه أخته أميرة للتحقيق معاها كشريكة في التزوير واستغلال التوكيل.

الصبح بدري.. كانت الشمس طالعة دافية على الحارة. الحاجة فاطمة قاعد في صالتها، وبجنبها سعاد وحسين بيشربوا الشاي. الشارع كان هادي، والعدل أخد مجراه والكل عرف إن الحق ما بيمـ,ـوتش. حسين بص لسعاد وقالت بنبرة كلها احترام وامتنان: “سعاد.. أنتِ مش بس صنتي بيتي وعيالي وأنا غايب، أنتِ أنقذتي حياتي وحياة أمي النهاردة. أنا مهما عملت، مش هعرف أوفيكي حقك.” سعاد ابتسمت ابتسامة صافية، ابتسامة الست التي مرت بظروف صعبة وخرجت منها مرفوعة الرأس:

“ربنا هو اللي بيستر يا حسين.. والشر مهما كبر، عمره ما يغلب الحق. أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليّ ضميري وأصلي.” حسين طلع من جيبه عقد جديد، حطه قدام سعاد على الترابيزة: “ده عقد شقة ملك باسمك وباسم أحمد ومنى عيال أخويا المرحوم محمود.. قطعة الأرض اللي سيد كان عاوز يسـ,ـرقها، اتسجلت رسمياً باسمكم وباسمي مناصفة. هتبنوا فيها بيت كبير، وعيال محمود هيتربوا فيه ملوك، ومحدش في الدنيا يقدر يبص لهم بقلة قيمة تاني.”

دموع الفرح نزلت من عين سعاد.. بصت للسماء وحمدت ربنا. الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها لإيد حسين وقالت: “الحمد لله يا رب.. الظلم ساعة، والحق إلى قيام الساعة. واللي يتقي الله، يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.” وانتهت العاصفة، ورجع الحق لأصحابه مرفوع الرأس، وعاشت سعاد وعيالها في عز وكرامة صانها إيمانها وأصلها الطيب.. الجزء السادس:

مرت ستة أشهر على ليلة الحريق والقبض على “سيد” و”أميرة”. كانت الحارة قد استعادت هدوءها، لكن بيت العائلة أسرع بالتحول من دارٍ تحيط به جدران الخوف والكسرة إلى ساحة من الرزق والراحة. صدق الحكم القضائي، واستعاد “حسين” كافة حقوقه وأمواله، وقُضي على سيد بالسجن المشدد عن جري\متي خيانة الأمانة والتزوير والشروع في الإحراق العمد، فيما خرجت أميرة بعقوبة مخففة مع الشغل مع وقف التنفيذ، لتنزوي في بيت والدتها البعيد، مكسورة العين، ينهكها الندم والفضول بعدما فقدت العرش والمال والزوج.

في تلك الأثناء، كان مشروع بناء الأرض الجديدة يسير بسرعة؛ حسين ألغى فكرة السفر إلى الخليج مجدداً، وقرر إدارة استثماراته وأعماله من مصر بجوار أمه وعائلة أخيه. جرى تشييد بناء حديث، كُتبت منه شقتان كاملتان باسم “أحمد” و”منى” عيال المرحوم محمود، لتضمن سعاد مستقبل أبنائها إلى الأبد دون الحاجة لرجاء أو سؤال أحد. كانت سعاد تتنقل بين شقتها السابقة وشقة بيت العيلة، تحيطها هيبة لم تعهدها من قبل؛ الجيران والنساء في الحارة اللاتي كنّ يرمينها بالشفقة والهمس، صرن اليوم يتعاملن معها بأقصى درجات الاحترام والتقدير، يسألونها الشورة ويطلبون منها الوساطة في الصلح بين العائلات، بعدما أثبتت موقفها وثباتها وحسن أصلها.

في صباح يوم جمعة مشمس، جشأت الحاجة فاطمة بضحكة دافئة وهي تجلس على دكتها الخشبية، تراقب “أحمد” و”منى” بهدومهما الجديدة وهما يركضان في صالة الشقة ويلعبان باللُّعَب التي اشتراها لهما عمهما حسين. دخل حسين وهو يحمل في يده صينية الشاي بالنعناع، وضعها على الترابيزة الخشبية، ثم التفت لزوجة أخيه الراحل وقال بنبرة هادئة ورزينة: “سعاد.. العقود الجديدة للشقق اتسجلت في الشهر العقاري بالكامل، والمحامي استلم نسخ التمليك بأسماء العيال. بكرة الصبح تقدروا تنقلوا حاجتكم للشقة الجديدة في المبنى الجديد.”

سعاد ابتسمت، وعيونها تلمع بالامتنان: “ربنا يبارك لك في صحتك ومالك يا حسين.. أنت عملت أصلك وزيادة، ومحمود الله يرحمه أكيد حاسس باللي عملته مع عياله ونام مرتاح في تربته.” حسين حرك رأسه بتأثر وقال: “ده حقهم يا سعاد.. وأنا اللي بعتذر لك تاني وتالت عن كل يوم قصرت فيه أو سبت المفترية دي تؤذيكي.” هنا، حطت الحاجة فاطمة كوباية الشاي من يدها، وبصت لحسين وسعاد بنظرة فيها متسعة من التفكر والوقار، وقالت بصوت ثقيل وواضح:

“يا حسين.. البيت كبر، والحمد لله الحق رجع لأصحابه والشر انكسر. بس فيه حاجة لسة ناقصة، ولازم تتحسم قبل ما الأيام تجري بينا.” حسين وسعاد تطلعا إليها باستغراب، وسألها حسين: “خير يا أمي؟ في حاجة تاني نسيتها ولا موضوع مجرور من أوراق الق\ضية؟” الحاجة فاطمة هزت رأسها بالرفض، وبصت لسعاد بابتسامة حنونة، ثم التفتت لابنها حسين وقالت:

“الموضوع مش ق\ضية ولا فلوس يا بني.. الموضوع عن اللمّة والصيانة. سعاد دي شالت اسم أخوك وصانت عياله، وأنت كبرت ورجعت من الغربة وقعدت وسطنا. سعاد ست أصيلة وما تطلعش من البيت ده ولا تنفصل عن العيلة، وأنا كبرت في السن ومش حابة أشوف عيال محمود يتربوا بعيد عنك وعن عيونك.” سعاد حسّت برعشة خفيفة في قلبها من التمهيد، وتراجعت خطوة للورا وهي مش فاهمة مقصد الحاجة فاطمة بالضبط، بينما حسين كان يتابع كلام أمه باهتمام شديد.

كملت الحاجة فاطمة كلامها بصوت ثابت وواضح: “أنا عاوزاك تتجوز سعاد يا حسين.. على سنة الله ورسوله! تجبر خاطرها، وتلم شمل العيال، وتكون لهم أب حقيقي مش مجرد عم بيبعت ماهية.. وسعاد تصونك وتصون بيتك وأمك.” وقعت الكلمات في الصالة كأنها حجر سقط في بئر ساكنة. سعاد بلعت ريقها وشخصت عينها في الأرض بذهول وكسرة خجل، وحسين اتسمر في مكانه، يقلب الفكرة في رأسه وعقله يزن الأمور بسرعة.. الجزء السابع والأخير:

ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل بتهرب فيه الأنفاس. سعاد فضلت باصة في الأرض، وشها أحمر من الخجل، وإيدها بترتعش وهي ماسكة طرف شالها. الفكرة نفسها كانت مفاجأة هزت كيانها، هي اللي عاشت السنين اللي فاتت كلها قافلة باب قلبها على ذكريات محمود الله يرحمه، وشايلة هم العيال واللقمة. سعاد رفعت رأسها ببطء، وبصت للحاجة فاطمة بنبرة فيها عتاب حنون وصوت طالع بالعافية: “إيه اللي بتقوليه ده يا حاجة فاطمة؟ حسين أخويا.. ومحمود الله يرحمه كان روحي وعمري، أنا ما فكرتش في الجواز ولا دخلت عقلي الفكرة دي من يوم ما انكسر ظهري بمـ,ـوته.”

الحاجة فاطمة قربت منها، مسكت إيدها وحطتها بين إيديها الاثنين وقالت بصوت مليان حكمة وأمومة: “عارفة يا بتي.. وعارفة إنك صنتي ودادي وداد المرحوم. بس الظروف اتغيرت، وحسين أهو قاعد معانا ومش راجع الغربة تاني، والعيال محتاجين ضل راجل يربيهم ويقف جنبهم وهما بيكبروا. حسين مش غريب يا سعاد.. حسين لحمهم ودمهم، وأولى الناس بيكم، وأنتِ أنضف وأصين ست ممكن تدخل بيته وتصون اسمه.” حسين كان واقف، يبص لسعاد ولأمه. اتنفس نفس عميق، وخطى خطوتين ناحية أمه وسعاد، وقال بصوت هادي، فيه كل معاني الرجولة والاحترام:

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى