روايات

جوزى قالى انا عاوز اخلف وانتى عا.قر روحى وانتى طا.لق

لا عريس. ولا فرح. ولا صورة الانتصار اللي كان متخيلها. بص لأولاده بعين مليانة ندم. وقال بصوت مكسور ممكن… أتعرف عليهم؟ نزلت لمستوى آدم وياسين ولارا. وسألتهم تحبوا تسلموا عليه؟ الأطفال بصوا لبعضهم. ثم مدوا إيديهم بأدب. وكريم نزل على ركبته وهو بيحاول يمنع دموعه. أما أنا… فبصيت للكوشة الفاضية. وافتكرت يوم ما طردني وأنا مكسورة. ثم بصيت لولادي. واكتشفت إن أجمل انتقام في الدنيا… مش إنك تهدم اللي ظلمك.

لكن إنك تبني حياة سعيدة من غيره. تمت بعد ما الفرح اتلغى والناس بدأت تمشي، كنت فاكرة إن الحكاية خلصت عند كده. لكن الحقيقة… كانت لسه بتبدأ. كريم فضل واقف يبص على آدم وياسين ولارا كأنه بيحاول يحفظ ملامحهم. كل شوية يقرب خطوة، ويرجع خطوة. وفي الآخر قال ليلى… ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟ بصيت له للحظة. ثم قلت خمس دقايق بس. سيبت الأطفال مع واحدة من زميلاتي اللي كانت معايا، وخرجنا ناحية جنينة الفندق.

الهواء كان هادي بشكل غريب مقارنة بالفوضى اللي حصلت جوه. وقف كريم قدامي وقال أنا ظلمتك. ما رديتش. فكمل وكل يوم من يوم ما سيبتك وأنا فاكر إني صح… لحد النهارده. قلت بهدوء الاعتراف بالحقيقة كويس… لكنه متأخر. نزل رأسه للأرض. ثم قال أنا عايز أرجع. ابتسمت. مش سخرية… ولا فرحة. ابتسامة واحدة بس معناها إن الكلام ده بقى بعيد جدًا عن حياتي. قلت ترجع فين يا كريم؟ سكت. فكملت

البيت اللي كسرته؟ ولا السنين اللي ضاعت؟ رفع عينه ناحيتي وقال أنا أبوهم. هزيت رأسي. وده حق محدش هيمنعه عنك. ظهر الأمل فجأة في عينيه. لكنني أكملت هتشوفهم… وهتعرفهم… وهتكون جزء من حياتهم لو هما حبوا ده. ثم تنهدت. لكن أنا؟ وسكت لحظة. أنا بقيت شخص تاني. لأول مرة فهم. وفهم إن وجود أولاد بينا لا يعني إن الزمن هيرجع. في الأسبوع اللي بعده، بدأ يزور الأطفال. في البداية كانوا متحفظين.

خصوصًا آدم. كان دايمًا يسأل هو ليه ماكنش موجود قبل كده؟ وساعتها كريم ماكانش يلاقي إجابة. أما ياسين فكان الأسهل. بعد أول مباراة كورة لعبها معاه، اعتبره صاحبه. ولارا؟ لارا خطفت قلبه من أول يوم. كانت تناديه عمو كريم. وفي كل مرة كان يسمعها، يبتسم وفي عينيه وجع صغير. لأنه عارف إن كلمة بابا مش بتتفرض. دي بتتبني. وشهور عدت… وكريم التزم فعلًا. صار يزورهم باستمرار، ويساعد في مصاريفهم، ويحاول يعوض اللي فاته.

لكن في يوم من الأيام… رجعت من الشغل لقيت الأطفال بيضحكوا في الصالة. ومعاهم راجل غريب. أنيق، هادي، وبيساعد ياسين يحل واجب الرياضيات. أول ما شافني وقف باحترام. وقال مساء الخير. ابتسمت وقلت مساء النور. ومن المطبخ خرجت جارتي وهي تضحك. وقالت ده دكتور عمر… الأستاذ الجديد في الجامعة. ومن يومها… بدأ فصل جديد في حياة ليلى. فصل ماكانش فيه انتقام. ولا دموع. ولا إثبات لأي حد. كان فيه حاجة واحدة بس…

فرصة أخيرة للسعادة. أما كريم؟ فكان بيتفرج من بعيد، وعارف إن بعض الخسائر ما بتتعوضش مهما حاول الإنسان. يتبع… مرّت شهور، ودكتور عمر بقى جزء طبيعي من يومنا. في الأول كان مجرد جار لطيف يساعد الأطفال في المذاكرة أحيانًا، لكن مع الوقت بقينا نتكلم أكتر. الغريب إنه عمره ما سألني عن طلاقي في البداية، ولا حاول يعرف تفاصيل الماضي. كان مهتم يعرف أنا مين دلوقتي، مش كنت مين زمان. وده كان فرق كبير.

في يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا على البحر. ياسين بيجري ورا الكورة، ولارا بتبني قصر رمل، وآدم قاعد جنب عمر بيتكلم معاه عن الفضاء والكواكب. بصيت عليهم من بعيد، وحسيت براحة افتقدتها سنين. وفجأة سمعت صوت ورايا. التفت. لقيت كريم. كان جاي يسلّم على الأولاد في معاده المعتاد. وقف لحظة وهو شايف المشهد كله. ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال واضح إنهم مبسوطين. هززت رأسي. الحمد لله. سكت شوية قبل ما يقول

وعمر… شكله إنسان محترم. بصيت له باستغراب. أول مرة أحس إن كلامه خالي من الغيرة أو التحدي. قال وهو يتابع الأطفال بعينيه زمان كنت فاكر إن الرجولة إن الواحد يفرض نفسه على الناس. ثم ضحك بمرارة. طلع الرجولة إنك تحافظ على اللي بيحبوك. ما رديتش. لأن بعض الكلمات لما تيجي متأخرة، ما يبقاش لها رد. بعدها بأشهر قليلة، عمر طلب يقابل الأطفال لوحدهم. كان عايز يعرف رأيهم قبل أي خطوة.

ولما رجعوا البيت، سألتهم إيه الأخبار؟ ياسين قال فورًا أنا موافق! لارا رفعت إيدها الصغيرة وأنا كمان. أما آدم فسكت شوية. ثم قال لو هو هيخليكي تضحكي أكتر… يبقى أنا موافق. في الليلة دي بكيت. مش حزن. لكن لأن الحياة أخيرًا بدأت تديني أكتر مما أخذت مني. وبعد سنة كاملة… كان فيه فرح صغير جدًا على البحر. من غير ضجة. من غير استعراض. ومن غير دعوات هدفها كسر حد. الأطفال كانوا حوالينا طول الوقت.

وياسين أصر إنه يكون مسؤول عن الخواتم. وطبعًا وقع واحد منها في الرمل وقعدنا ندور عليه نص ساعة وسط الضحك. أما لارا فكانت ماشية بفستان أبيض صغير وهي مقتنعة إنها العروسة الحقيقية. وآدم؟ كان واقف جنبي طول الوقت. حارسًا لقلب أمه. وفي آخر الحفل، لقيت كريم واقف بعيد. جاء يبارك بهدوء. صافح عمر وقال خلي بالك منهم. فرد عمر كأنهم أولادي. هز كريم رأسه، ثم نظر للأطفال. وقال بابتسامة فيها رضا وحزن معًا

وأنتوا… خلو بالكم من مامتكم. ركض الثلاثة نحوّي في نفس اللحظة. وضمّوني بقوة. ساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا أحيانًا الحياة لا تعيد لنا ما خسرناه. لكنها تمنحنا شيئًا أجمل مما تخيلنا. النهاية. بعد الفرح بسنتين، كانت الحياة مستقرة بشكل جميل. عمر بقى أب حقيقي للأطفال، مش بالكلام، لكن بالمواقف. كان أول واحد يصحى لو واحد منهم تعب بالليل، وأول واحد يحضر حفلات المدرسة، وأول واحد يفرح بدرجاتهم. وفي يوم، رجعت من الشغل لقيت البيت هادي بشكل غريب.

ناديت آدم؟ ياسين؟ لارا؟ محدش رد. وفجأة سمعت صوت زغاريد جاي من البلكونة. طلعت بسرعة. لقيت عمر والأطفال واقفين، وماسكين لافتة كبيرة مكتوب عليها مبروك يا ماما. استغربت. مبروك على إيه؟ ضحك عمر ومد إيده بظرف صغير. فتحته. ولقيت عقد شقة. شقة جديدة. أوسع وأجمل من الشقة اللي عشنا فيها كل السنين اللي فاتت. بصيت له بصدمة. قال عارف إنك تعبتي كتير عشان توصلي للي وصلتي له. وأشار للأطفال. وإحنا كلنا حبينا نقولك شكرًا.

في اللحظة دي، لارا حضنت رجلي وهي بتقول أصل إنتِ أحسن ماما في الدنيا. أما ياسين فقال بفخر وأقوى واحدة كمان. وآدم، اللي كان دائمًا أقلهم كلامًا، قال جملة خلت عيني تدمع إنتِ علمتينا إن الإنسان مش بيتحدد باللي خسره… بيتحدد باللي قدر يبنيه بعد الخسارة. سكت البيت كله. حتى عمر بص له بدهشة. ثم ضحك وقال واضح إن الفيلسوف الصغير كبر. مرّت الأيام، وكبر الأطفال. وبقى لكل واحد منهم حلمه وطريقه.

لكن الشيء الوحيد اللي ما اتغيرش أبدًا… إنهم كانوا كل ليلة تقريبًا يجتمعوا على السفرة نفسها، ويحكوا عن يومهم، ويضحكوا على نفس النكات القديمة. وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى تنظر إليهم، تذكرت اللحظة التي وقفت فيها أمام قاعة زفاف كريم منذ سنوات. يومها ظنت أن القدر ينتقم لها. لكنها أدركت الآن أن القدر لم يكن ينتقم. كان فقط يقودها إلى حياة أخرى لم تكن تتخيل وجودها. حياة مليئة بالحب الحقيقي، والاحترام، والعائلة التي اختارت أن تبقى معًا كل يوم.

وهكذا انتهت الحكاية… ليس بانتصار شخص على شخص. بل بانتصار قلب رفض أن يستسلم عندما ظن الجميع أنه انكسر. تمت النهاية السعيدة. لو هنكمل الحكاية، فممكن يبقى ده فصل جديد بعد النهاية بعد مرور عشرين سنة… وقفت ليلى قدام المراية تعدل طرحتها وهي تبتسم. من برة الأوضة كان فيه دوشة وضحك وزغاريد. لارا كانت عروسة النهارده. البنت الصغيرة اللي كانت بتستخبى ورا رجل أمها بقت شابة جميلة الكل بيشهد بأخلاقها.

مسحت ليلى دمعة صغيرة من عينها. وفجأة دخل آدم. بقى دكتور قلب معروف، لكن أول ما دخل الأوضة رجع طفلها الصغير للحظة. قال مبتسمًا ماما… هتعيطي وتبوظي المكياج. ضحكت ليلى. وفي نفس الوقت دخل ياسين وهو كعادته بيعمل فوضى في كل مكان. قال العريس بيقول الحقونا قبل ما العروسة تهرب. انفجر الجميع بالضحك. وفي وسط اللحظة الجميلة دي، سمعوا صوت عصاية خفيفة بتخبط على الأرض. التفتوا ناحية الباب. كان كريم.

شعره كله بقى أبيض تقريبًا. وخطواته بقت أبطأ من زمان. لكن عينيه كانت مليانة فخر. بص للارا وقال معقول دي البنت اللي كانت بتشدني من هدومي وتقول لي هات شوكولاتة؟ ضحكت لارا ورمت نفسها في حضنه. أما ليلى فكانت واقفة تراقب المشهد في صمت. العلاقة بينها وبين كريم عمرها ما رجعت زي الأول. لكن الزمن حول الألم إلى احترام متبادل. صار جدًا محبًا لأحفاده فيما بعد، وحاول يعوض أبناءه عن سنوات الغياب قدر ما يستطيع.

اقترب منها وقال بهدوء عارفة؟ نظرت إليه. فقال أكبر نعمة في حياتي إنك يومها ما منعتينيش عنهم. سكتت لحظة. ثم ابتسمت وقالت وأكبر نعمة في حياتي إني ما خليتش الكراهية تربيهم. هز رأسه موافقًا. وفي الخارج بدأ عقد القران. وخرج الجميع. وقفت ليلى للحظة وحدها في الغرفة. تذكرت البيت الصغير في سيدي جابر. وتذكرت الليالي التي كانت تنام فيها ساعتين فقط. وتذكرت دموعها يوم الطـ,ـلاق. ثم سمعت صوت أحفادها يجرون في الممر وهم يصرخون

تيتا ليلى… بسرعة! فضحكت. وأغلقت باب الماضي كله خلفها. ومشت نحو عائلتها… العائلة التي بدأت من قلب مكسور. وانتهت بقلب ممتلئ بكل ما كانت تتمناه يومًا. النهاية الحقيقية. بعد النهاية الحقيقية بسنوات طويلة… كانت ليلى قاعدة في البلكونة وقت الغروب، ماسكة فنجان الشاي بتاعها، بتتفرج على البحر من بعيد. شعرها بقى أبيض بالكامل تقريبًا، لكن ابتسامتها كانت نفسها. الابتسامة اللي اتعلمتها بعد سنين من الصبر. من جوه البيت كانت أصوات الأحفاد مالية المكان.

واحد بيجري. واحدة بتضحك. واثنين بيتخـ,ـانقوا على لعبة. ضحكت لوحدها وهي تتمتم التاريخ بيعيد نفسه. وفجأة سمعت خبط خفيف على الباب. دخل آدم. رغم إنه بقى راجل كبير وعنده أولاده، لكنه لما كان بيحتاج يتكلم، كان ييجي يقعد جنب أمه زي زمان. قعد وسكت شوية. ثم قال ماما… عمرك ندمتي على حاجة؟ سؤال غريب. خلّاها تفكر طويلًا. ثم قالت أيوة. استغرب. إيه هي؟ ابتسمت وقالت إني ضيعت وقت طويل وأنا مستنية الناس تفهم قيمتي.

سكت آدم. فكملت أغلى حاجة في الدنيا الوقت يا ابني. والإنسان لازم يعرف قيمته حتى لو محدش عرفها. هز رأسه وهو يفكر في كلامها. ثم قال طب لو رجع بيكي الزمن؟ نظرت للسماء التي بدأت تتلون بلون الغروب. وقالت بهدوء مش هغيّر حاجة. ولا حتى الطلاق؟ ابتسمت. لو ما حصلش الطلاق… يمكن ماكنتش بقيت أنا. في تلك اللحظة، دخل حفيد صغير يجري. كان عنده سبع سنين تقريبًا. وقف قدامها وسأل ببراءة

تيتا… هو صحيح جدو كريم كان شرير؟ انفجر آدم ضاحكًا. أما ليلى فهزت رأسها. وقالت لأ يا حبيبي. أمال كان إيه؟ تنهدت. ثم قالت كان إنسان غلط. وبعدين؟ وبعدين اتعلم. فكر الطفل قليلًا. ثم قال يعني الناس ممكن تتغير؟ ربتت على شعره. وقالت طبعًا. وإنتِ كمان اتغيرتي؟ ابتسمت وهي تنظر إلى صور العائلة المعلقة على الحائط. صورة آدم. وصورة ياسين. وصورة لارا. وصور الأحفاد. وصورة قديمة جدًا ليها وهي شايلة التوائم الثلاثة وهم رضع.

ثم قالت أنا أكتر واحدة اتغيرت. في المساء، اجتمعت العائلة كلها حول السفرة الكبيرة. ضحك. وحكايات. وصوت أطفال. ولحظات بسيطة لا يلاحظها أحد. لكنها كانت بالنسبة لليلى أعظم انتصار في حياتها. لأنها فهمت أخيرًا أن السعادة لا تأتي من إثبات شيء لأحد… بل من أن تعيش حياتك كما تريد، وسط من يحبونك. وبينما كانت تنظر إلى وجوه أولادها وأحفادها، أغمضت عينيها للحظة. وحمدت الله على كل شيء… حتى على الأيام الصعبة التي ظنت يومًا أنها نهاية الحكاية.

لأنها كانت في الحقيقة… البداية. تمت بعد سنوات أخرى… كانت ليلى قد تجاوزت السبعين. وفي أحد الأيام الشتوية الهادئة، اجتمعت العائلة كلها في البيت الكبير. آدم جاء مع أولاده. وياسين جاء وهو يحمل كعادته أكياسًا من الحلوى أكثر مما يحتاجه الجميع. ولارا جاءت مع زوجها وأطفالها. حتى الأحفاد الكبار الذين أصبحوا في الجامعة حرصوا على الحضور. الكل كان مستغربًا. لأن ليلى هي التي أصرت على هذا التجمع. وقالت عندي حاجة عايزة أقولهالكم.

جلس الجميع حولها. وكانت تبتسم بهدوء غريب. ثم مدت يدها وأخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا. قالت الصندوق ده معايا من أكتر من أربعين سنة. فتحته ببطء. وفي داخله كانت توجد أشياء بسيطة جدًا ورقة التحاليل القديمة. أول صورة للتوائم بعد الولادة. إيصال إيجار الشقة الصغيرة في سيدي جابر. وصورة لهم جميعًا يوم أول عيد قضوه معًا. نظروا إليها باستغراب. فقالت عارفين ليه محتفظة بالحاجات دي؟ هز الجميع رؤوسهم بالنفي.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى