
بعد ثماني سنوات في السجن بعد 8 سنوات في السجن عاد لبيت جدته لكن ما وجده في الداخل صدم القرية كلها! انقبض صدر عادل. لم تقل مريم ذلك وهي تبكي، ولا بنبرة درامية. قالتها كما لو كانت تصف حالة الطقس، بتلك الطريقة الجافة التي يتحدث بها الأطفال حين يعتادون على الهجران مبكرًا أكثر مما ينبغي.
جال عادل بنظره في المطبخ. كانت الصفيحة الحديدية القديمة ما تزال معلقة في المكان الذي كانت جدته تضعها فيه. وكانت الطاولة الخشبية لها ساق مكسورة، مسندة ببضع طوب. وفي الزاوية دلو مملوء بماء المطر، وبجوار كرسي الهزّاز الخاص بالحاجة آمينة كانت شمعة نصف محترقة موضوعة أمام صورة داخل إطار. اقترب. كانت صورة حديثة لجدته. وفي إحدى زواياها شريط أسود. شعر عادل بأن ساقيه تضعفان. قال بصوت مرتجف لا لا أمسك الإطار بيدين ترتجفان. كانت الحاجة آمينة تبتسم كما كانت دائمًا، بوشاحها الداكن وعينيها الطيبتين اللتين لم تحكما عليه أبدًا، حتى في اليوم الذي اقتيد فيه مكبّل اليدين من القرية.
سأل بصوت مكـ,ـسور من وضع هذا؟ خفضت مريم رأسها. قالت أهل القرية عندما ماتت. وقف عادل ساكنًا. طوال ثماني سنوات في السجن، عاش متشبثًا بفكرة واحدة فقط أن يخرج ويعود إلى جدته. أن يخبرها أنه لم يكن الوحش الذي وصفه الجميع به. أن يقول لها إن الشجار في الحانة خرج عن السيطرة، نعم، لكنه لم يكن يريد قتـ,ـل أحد. أنه دفع ثمن ذلك كل يوم وكأن جلده يُنتزع عنه. وأنه فكّر
فيها في كل عيد ميلاد، وفي كل ليلة ممطرة، وفي كل فجر رآه من خلف قضبان صدئة. والآن تلك المرأة التي انتظرته دائمًا لم تعد موجودة. همس متى؟ أجابت مريم قبل ثلاثة أشهر. مرضت. كانت تسعل كثيرًا. الحاجة سعاد اتصلت بسيارة إسعاف، لكنها لم تعد. أغمض عادل عينيه. ثلاثة أشهر. لقد أمضى آخر تسعين يومًا يعدّ الأسابيع المتبقية لخروجه، متخيّلًا لحظة احتضانها، دون أن يعلم أن العالم قد سلبه الشيء الجيد الوحيد الذي بقي له.
جلس على كرسي المطبخ. انزلقت الحقيبة من كتفه وسقطت على الأرض. كانت مريم تراقبه بصمت، تعانق دميتها كما لو أنها تعرف اللحظة الدقيقة التي ينكسر فيها الكبار. قالت بعد قليل كانت تتحدث عنك. رفع عادل نظره. عني؟ أومأت مريم. قالت كانت تقول إن قلبك مرتبك، لكنه طيب. وأنك ستعود يومًا. شعر بشيء ساخن يخترق صدره. سأل كيف تعرفين كل هذا؟ نظرت مريم نحو الغرفة التي كانت العجوز تنام فيها. قالت
لأنني كنت هنا عندما ماتت. ساد صمت كثيف. في الخارج عبرت دجاجة الفناء بين الأعشاب، وحرّكت الريح ألواح السقف المفكوكة. مسح عادل وجهه بيده وأجبر نفسه على التنفس. قال بهدوء أريدك أن تخبريني بكل شيء من البداية. كيف وصلتِ إلى هنا؟ تأخرت مريم قليلًا قبل أن تتكلم. قالت هربت منذ وقت طويل. ربما سنة. من بيتك؟ نعم. وأمك لم تبحث عنك؟ هزت الطفلة كتفيها. قالت أحيانًا كانت تأتي تبحث عني وهي ثملة. وأحيانًا كانت تنساني.
صديقها قال إنه إذا وجدني سيحبسني مع الكلاب حتى أتعلم. شدّ عادل فكه. ثم جئتِ إلى هنا؟ أومأت مريم. كنت أنام قرب متجر عم رجب خلف بعض الصناديق. في يوم أمطرت كثيرًا، فرأتني الحاجة آمينة. أدخلتني إلى البيت. أعطتني حساءً. وبّختني لأنني كنت وحدي. ثم سمحت لي بالبقاء تلك الليلة ثم ليلة أخرى وبعد ذلك لم أغادر. ابتلع عادل ريقه. كان هذا تمامًا ما كانت جدته ستفعله. التوبيخ أولًا. الطعام بعده. والحب دون ضجيج.
سأل ألم يأت أحد من الخدمات الاجتماعية؟ أو الشرطة؟ أو أحد المعلمين؟ هزت مريم رأسها. قالت كانت الحاجة آمينة تقول إنه إذا أبلغوا سيأخذونني إلى مكان سيئ، ثم ستعيدني أمي مرة أخرى. كانت تقول إنها تريد ترتيب بعض الأوراق أولًا. قطّب عادل جبينه. أي أوراق؟ أشارت مريم بذقنها إلى صندوق خشبي قديم قرب سرير العجوز. قالت كانت تضع كل شيء هناك. وقالت إنه إذا عدت يومًا أعطيك المفتاح. شعر عادل برجفة.
هل كانت جدتي تعرف أنني سأعود؟ قالت مريم كانت تقول نعم. وأنك دائمًا تتأخر لكنك تفي. رغم الألم، مرت ابتسامة حزينة على شفتيه. كان هذا يشبهها تمامًا.




