
أدخلت مريم يدها في جيب فستانها وأخرجت مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بخيط أحمر. قالت احتفظت به معي منذ ماتت حتى لا يجده أحد. أخذه عادل. كان خفيفًا ودافئًا بعد أن ظل ملاصقًا لجسد الطفلة. اقترب من الصندوق وجثا على ركبتيه. انفتح القفل بصوت خشن. في الداخل كانت هناك أغطية قديمة، وصندوق معدني، وعدة أوراق، وظرف أصفر مكتوب عليه اسمه بخط الحاجة آمينة المرتجف. عادل. توقف لحظة قبل أن يفتحه. كانت يداه ترتجفان أكثر مما ارتجفتا يوم خروجه من السجن.
كانت الرسالة قصيرة إذا كنت تقرأ هذه الرسالة يا بني، فهذا يعني أن الله أعادك أخيرًا. لم أنتظرك نائمة، بل كنت أنتظرك بالدعاء. سامحني لأنني أترك لك هذا العبء الكبير، لكنني لم أجد أحدًا أثق به غيرك. الطفلة التي تعيش هنا اسمها مريم. ليست مذنبة في شيء. أمها اسمها سعاد، وهي ابنة ابن عمك منصور
نعم، الدم يتشابك في هذه الدنيا مريم من عائلتنا، حتى لو لم يعرف أحد في القرية أو لم يرد أن يتحمل مسؤوليتها. منصور لم يعترف بها أبدًا، ووالدتها غرقت في الشراب. بدأت إجراءات لأجعل لك وصاية مؤقتة عليها إذا خرجت وأثبتت أنك تعمل بصدق. الأوراق عند المحامي أشرف في مركز البلدة. لا تترك الطفلة وحدها. ولا تدع الغضب يبتلعك من جديد. الله أعادك إلى هذا البيت لسبب. شعر عادل بأنه يختنق.
قرأ مرة أخرى الجزء المتعلق بالقرابة. كانت مريم ابنة سعاد ابنة عمه منصور. دم من العائلة. دـ,ـم متروك. دم احتضنته الحاجة آمينة بينما كان هو يقضي سنواته في زنزانة. كان في الظرف ورقة أخرى أصغر. وهناك حقيقة أخرى لأن الوقت قد حان الرجل الذي مات في الحانة قبل ثماني سنوات، سالم ، لم يسقط بسبب ضـ,ـربتك وحدها. ابن عمك منصور أنهى الأمر بزجاجة عندما كان الرجل على الأرض. أنت صمتَّ لتحميه، وهو لم
يتكلم أبدًا. علمت الحقيقة لاحقًا لكنني لم أستطع إثباتها. قبل أن يمـ,ـوت جاءني منصور مخمورًا وباكيًا واعترف بكل شيء. التسجيل في الصندوق المعدني. افعل به ما يمليه عليك ضميرك. تجمد عادل. بدا أن الغرفة تضيق حوله. ذلك السر المدفون ثماني سنوات في صدر جدته انفجر أمامه كطلقة. تذكر ليلة الحانة الضجيج، الكؤوس المكسورة، سالم وهو يهين جدته، منصور فاقد السيطرة، الضـ,ـربة الأولى، السقوط، الدم. كان قد تحمل الذنب كله لأنه كان معروفًا بالشجار، ولأن لمنصور زوجة وأطفالًا، ولأنه ظن أن الصمت تضحية. ثم جاء الخوف، والمحامون السيئون، والشهود المأجورون، والحكم.
ثماني سنوات. ثماني سنوات ليحمي جبانًا. فتح الصندوق المعدني. كان فيه جهاز تسجيل صغير ملفوف في منديل، وشهادة وفـ,ـاة جدته، وبعض الإيصالات، ووثيقة رسمية مطوية. فتحها. كانت طلب وصاية مؤقتة باسمه على الطفلة مريم ، موقعة من الحاجة آمينة ومن محامٍ في البلدة. كان ينقصها التصديق النهائي بشرط أن يخرج من السجن ويقدّم نفسه خلال ستة أشهر. كانت مريم تراقبه من الباب. قالت ماذا تقول؟ رفع عادل نظره. كانت الطفلة بوجه متسخ وقدمين حافيتين ونظرة متحفظة
مؤلمة. لم تكن تسأل بدافع الفضول، بل كأنها تقرر إن كان هذا الرجل سيبقى أم سيتركها مثل الآخرين. ابتلع ريقه. قال تقول إن جدتي أرادت أن أعتني بك. شدّت مريم دميتها بقوة. لأنها أشفقَت عليّ؟ قال لا لأنها كانت تثق بي. خفضت الطفلة رأسها ثم همست وأنت هل تثق بنفسك؟ كان السؤال أقسى من الرسالة. نظر عادل إلى يديه الخشنتين، يدي رجل تشاجر، وحمل الأثقال، ونظف المراحيض في السجن، وكتب رسائل لم يتلقَّ ردًا عليها. قبل ثماني سنوات كان سيقول إنه لا يصلح لشيء. إن كل ما يلمسه يفسد.
لكن أمامه كان بيت جدته يتداعى، وطفلة تعيش وحدها بين الذكريات والتسربات، ووصية امرأة آمنت به حتى النهاية. وقف. قال بصراحة لا أعرف إن كنت أثق بنفسي تمامًا لكنني أعرف شيئًا واحدًا لن أتركك وحدك. نظرت إليه مريم كما لو أنها لا تفهم هذا النوع من الوعود. قالت حقًا؟ قال حقًا. في تلك اللحظة سُمع صوت محرك خارج البيت، ثم أصوات. توتر عادل فورًا. اقترب من النافذة المكسورة ونظر إلى الفناء. كانت شاحنة
قديمة توقفت أمام المنزل. نزل منها امرأتان ورجل بدين بقميص مفتوح. عرفه فورًا. منصور. كان أكبر سنًا وأكثر انتفاخًا، لكنه هو. اشتعل الدم في جسد عادل. صعد منصور إلى الشرفة دون استئذان. قال ساخرًا انظروا من عاد من بين الأمـ,ـوات السجين. تراجعت مريم فورًا خلف عادل. كانت إحدى المرأتين سعاد. بدا ذلك واضحًا عينان مطفأتان، مكياج فاسد، يدان مرتجفتان. أما الأخرى فكانت جارة من القرية. ثبت منصور نظره على الطفلة.
قال جئنا لنأخذها. خرج عادل إلى الشرفة ببطء. قال لن تذهب إلى أي مكان. ضحك منصور. ومن أنت لتقرر؟ صاحب البيت؟ أبو الطفلة؟ نظر إليه عادل بثبات. قال أنا الرجل الذي تركته يتعفن ثماني سنوات بسببك. اختفت ابتسامة منصور لحظة. عبست سعاد. عمّ تتحدث؟ قال عادل عن سالم. عن الزجاجة. عن اعترافك لجدتي. تقدم منصور خطوة. قال اخفض صوتك. قال عادل لا. وأخرج جهاز التسجيل من جيبه. لقد سجلت كل شيء.
شحب وجه منصور. نظرت سعاد إليه ثم إلى عادل. أبي ماذا يقول؟ حاول منصور الإمساك بقميص عادل، لكن هذا دفعه بقوة فاصطدم بعمود الشرفة. قال عادل بصلابة لا تلمسني مرة أخرى. كانت مريم ترتجف خلفه. بدأت سعاد تتنفس بسرعة. ماذا سجلت؟ قل لي! قال عادل الحقيقة. أنني تحملت الذنب لأحميه. في تلك اللحظة سُمع صوت آخر من الفناء. ما الذي يحدث هنا؟ كان عم رجب ومعه رجلان من أهل القرية، وخلفهما الحاجة سعاد.
قالت الحاجة سعاد الطفلة لن تذهب مع السكارى. بكت سعاد أنا أمها. قالت العجوز الأمومة ليست ولادة ثم اختفاء. شعر عادل أن اللحظة مفصلية. يمكنه أن ينفجر غضبًا أو يفعل ما طلبته جدته. قبض على جهاز التسجيل. قال لن يأخذها أحد اليوم. غدًا سأذهب إلى المحامي أشرف وإلى السلطات. كل شيء سيكون قانونيًا. وإذا فتح منصور فمه سأعيد فتح القضية. ساد الصمت. فهم منصور. ولأول مرة كان هو من يتراجع.
قال هيا بنا. غادرت الشاحنة. صعدت الحاجة سعاد إلى الشرفة ووضعت قدرًا على الطاولة. قالت أحضرت فاصولياء. أومأ عم رجب. قال كانت جدتك تقول إنك ستعود. في تلك الليلة سدّ عادل الثقوب في السقف، وأكلا الفاصولياء مع خبز قاسٍ. جلست مريم قرب الكرسي الهزاز الفارغ. سألته هل ستنام هنا؟ قال نعم. وغدًا أيضًا؟ نظر إليها. قال وغدًا أيضًا. وفي الليل جلس في كرسي جدته ممسكًا الرسالة. كان يظن أنه سيعود ليجد حضنًا لكنه وجد قبرًا وطفلة وسرًا.
لكن تحت الألم كان هناك شيء آخر. هدف. وفي الصباح سيذهب إلى المحامي ثم يصلح البيت ويزرع الورود من جديد. وأخيرًا فهم عادل المفاجأة التي كانت تنتظره عند عودته. لم تكن مـ,ـوت جدته فقط. بل أنها، حتى بعد رحيلها، ما زالت تنقذه. حج




