
وفاء أخته بصتلي بنظرة كلها كبر وحقد، وقالت بصوت عالي وهي بترم شنطها على الكنبة: — أهلاً يا منار.. طبعاً البيت بيت أبونا، وحبينا نيجي نتجمع عند أمي وإيهاب ونقضي الجمعة هنا، أصل أمي تعبانة وما تقدرش تطبخ لللمة دي كلها فوق، فقلنا ننزل نطبخ ونقعد هنا عندك في الوسع! حماتي بصتلي بابتسامة تشفي وشماتة، وقعدت على الكرسي الكبير وحطت رجل على رجل وقالت: — يلا يا منار يا حبيبتي.. شدّي حيلك معانا بقى، وفاء جايبة رومي وفراخ وعايزين نعمل سفرة معتبرة لرجالة العيلة، ادخلي المطبخ مع اخت جوزك وجهزي الصحون والحلل الكبيرة!
كانت خطة مكشوفة ومفضوحة زي الشمس: عايزين يرجعوا سياسة “الخدمة الجماعية”، ويفرضوا عليا وجودهم في بيتي، ويخلوني الخدامة اللي بتطبخ لـ ١٠ بني أدمين في عز إجازتي، وقدام أخته وجوزها عشان يكسروا النصر اللي حققته في المصيف. إيهاب اتلجلج وبصلي بخوف، وكان باين عليه الكسوف من أخته وجوزها، وقرب مني ووشوشني: — منار.. عشان خاطري مشاي اليوم، اختي وجوزها أول مرة يجوا عندنا من فترة، بلاش تعملي مشكلة قدام جوز أختي.
بصيت لإيهاب بعينين ثابته زي الصخر، وقربت منه وقولت له بصوت واطي بس صارم: — جوز أختك وأختك مرحب بيهم كضيوف يتقعد معاهم في الصالون وتتقدم لهم واجب الضيافة.. إنما يقتحموا بيتي كأنهم أصحاب ملك، وينزلوني المطبخ أخدم عيلة كاملة بالأمر عشان أمتص عقد أمك؟ ده مش هيحصل يا إيهاب.. إنت اللي هتحدد دلوقتي، يا إيهاب: يا إما عزومة شياكة وإنت اللي تصرف عليها وتجيب أكل جاهز من بره، يا إيهاب تطلعهم يتجمعوا في شقة أمك فوق زي ما طول عمرهم بيعملوا!
إيهاب اتوتر أكتر وقال: — أكل جاهز إيه يا منار؟! دول جايبين الحجاب والخضار معاهم! أمي هتفضحنا وتقول مراته رافضة تطبخ لنا! في اللحظة دي، وفاء أخته اتدخلت بصوت عالٍ وهي حاطة إيدها في وسطها: — إيه يا إيهاب؟ بتتووشوشوا في إيه؟ هي السنيورة معترضة ولا إيه؟ ولا المصيف علاها علينا وما بقتش تعجبها القعدة معانا؟ حماتي قامت وقفت وقالت بردود مسموم: — سيبك منها يا وفاء.. هي فاكرة نفسها بقيت هانم عشان مع كلمتين في الفندق! ادخلي إنتِ المطبخ يا حبيبتي واطبخي، وهي تقعد تتفرج علينا زي الأميرة!
هنا بقى.. حان وقت الرد اللي ينهي اللعبة دي للأبد. مشيت بكل ثبات لحد باب الشقة، وفتحته على آخره. ووقفت جنب الباب، وبصيت لوفاء ولحماتي ولقرايبهم وقولت بصوت حاد، واضح، ويسمعه العمارة كلها: — خطوة واحدة للمطبخ مش هتحصل. الشقة دي بيتي أنا وإيهاب، ومحدش بيدخل يفرش سلطته عليا هنا. أهلاً بيكم كضيوف تشربوا شاي وعصير في الصالون على راسي من فوق، إنما جايين تقلبوا بيتي مطبخ عمومي وتدوني أوامر كأني شغالة عندكم عشان ترضوا عقد طنط؟ الباب مفتوح اهو.. اللي مش عاجبه أصول الضيافة والاستئذان، يتفضل يكمل لمتكم فوق في شقة طنط!
الذهول صاب الكل! وفاء فتحت بقها ومش مصدقة إن فيه ست بيت تقدر تقف في وش العيلة كلها بالمنظر ده. جوز وفاء اتكسف جداً ووشه أحمر، وقام وقف وقال لإيهاب: — إيه ده يا إيهاب؟ هو إحنا معزومين عندكم عشان نتهان على الباب؟ ما كنا قعدنا في بيتنا أكرم لنا! إيهاب صرخ بصوت هز الشقة: — بسسسس! كفاية بقى! محدش يتهان في بيتي! إيهاب التفت لأمه وأخته بكل غضب مكتوم من سنين، وقالهم ونبرته بترتعش من الانفعال:
— منار عندها حق! إنتوا نازلين باقتحام ومش مستأذنين، وأمي جايبة الفراخ والأكل ونازلة تفرش هيمنتها هنا كأنها جاية تنتقم! لو عايزين تقعدوا معانا أهلاً وسهلاً، هطلب أكل جاهز على حسابي ونقعد كلنا محترمين في الصالون.. لو جايين عشان تخدموا منار وتعملوا مسرحية، يبقى اطلعوا كملوا يومكم فوق في شقة أمي! حماتي شهقت وحطت إيدها على وشها: — بقى بتطـ,ـرد أختك وجوزها عشان خاطر ست الحسن والجمال يا إيهاب؟! بتبيع أهلك؟!
إيهاب رد بحسم لأول مرة في حياته: — أنا ما ببيعش أهلي يا أمي.. أنا بحمي بيتي من الخراب اللي إنتِ مصرة تعمليه! جوز وفاء مسك إيد مراته وقال بغضب: — يلا بينا يا وفاء.. البيت ده ماليناش قعدة فيه. وخرج جوز وفاء ووراها وفاء وهي بتشتم وبتتحسبن، وحماتي جرت وراهم وهي بتصرخ وتزعق في الممر وتولول إن ابنها اتقلب عليه السحر ومراته مشياه. إيهاب قفل الباب وراهم بصوت عالي، وسند ظهره على الباب وهو بينهج، وبصلي بقلة حيلة وتعب.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه وقولت له بنبرة دافية لأول مرة من فترة طويلة: — برافو يا إيهاب.. النهاردة بس أنت بقيت راجل البيت ده بجد. إيهاب بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال: — تفتكري كده خلاص يا منار؟ أختي وأمي مش هيسكتوا.. دول هيقوِّموا العيلة كلها علينا. رديت بثقة وأنا ببتسم: — خليهم يقوِّموا الدنيا.. طول ما الباب ده مقفول علينا وإنت وافق في ضهري، محدش في الدنيا يقدر يمس شعرة مننا.
لكن الأحداث ما وقفتش هنا.. لأن حماتي لما لقت إن كارت العيلة وفشل، قررت تلعب الكارت الأخير والأخطر على الإطلاق.. كارت يهد البيت من أساسه! بعد الشدة والكركبة اللي حصلت، الشقة هدأت تماماً. إيهاب كان قاعد في الصالون، حاطط راسه بين إيديه ومصدوم من الجرأة اللي أمه وأخته اتصرفوا بيها، وفي نفس الوقت متفاجئ من نفسه إنه أخيرًا قدر يقف قدامهم ويقول “لأ”. مرت أيام، وحماتي اختفت تماماً. لا اتصالات، ولا خبط على الباب، ولا حتى الملاغاة القديمة مع الولاد وهم نازلين السلم. الهدوء ده ما كانش يطمن؛ ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
وفي يوم الثلاثاء، والساعة كانت تقريبًا ٥ المغرب، سمعنا خبط هادي جداً على الباب. إيهاب قام فتح، ولقينا ورا الباب “حاج توفيق” عم إيهاب، ومعاه راجل كبير في السن ولابش جلباب وبيمسك في إيده ملف أوراق تقيل. إيهاب رحّب بعمه ودخلهم الصالون، وأنا خرجت ورحبت بالحاج توفيق وقدمت لهم الشاي بكل احترام. حاج توفيق حط كوباية الشاي، وبص لإيهاب وبعدين بصلي وقال بنبرة جادة جداً: — يا إيهاب.. يا منار.. أنا جاي النهارده مش عشان أتدخل في مشاكل أكل وشرب ومصايف، أنا جاي في موضوع يخص البيت ده.. ويخص حقوقكم.
إيهاب استغرب وقال: — خير يا عمي؟ موضوع إيه؟ حاج توفيق شاور على الراجل اللي معاه وقال: — ده الأستاذ عبد العظيم المحامي.. أمك يا إيهاب راحت له امبارح، وكانت عايزة ترفع دعوى طرد ضدك وضد مراتك من الشقة دي! إيهاب اتنفض من مكانه ووشه أصفر: — دعوى طرد؟! طرد إزاي يا عمي؟! دي الشقة دي شقتي، وأنا اللي دافع مقدمها ومقسط باقي فلوسها من شغلي طول الـ ٨ سنين اللي فاتوا!
الأستاذ عبد العظيم المحامي أخرج ورقة من الملف وحطها على الترابيزة وقال بكل هدوء: — يا أستاذ إيهاب.. والدتك راحت الشهر العقاري من ٥ سنين، وحضرتك كنت كاتب العقد الابتدائي باسمها بناءً على طلبها وقتها عشان “البر” وعشان تكون هي الضامنة لك في البنك، والنهارده هي جاية بتقول إن الشقة ملكها الخالص، وإنكم مقيمين معاها على سبيل الإضافة، وعايزة تمشيكم وتسترد الشقة! الصدمة كانت زي القلم على وش إيهاب. حط إيده على وشه وقال بصوت مخنوق:
— كاتب العقد باسمها عشان كانت بتقولي خايف عليك، وعشان أثبت لها إني بار بيها! تعمل فيا كده؟! تطردني أنا وعيالي في الشارع عشان رفضت أهين مراتي؟! كنت واقفة ببتسم.. ابتسامة هادية وواثقة جداً. قربت من الترابيزة، وقعدت جنب إيهاب، وطبطبت على كتفه، وبعدين بصيت للحاج توفيق وللمحامي وقولت: — يا حاج توفيق.. طنط فاكرة إنها ماسكانا من رقبتنا بالعقد ده، وفاكرة إن السكوت اللي سكتُه السنين اللي فاتت كان ضعف.. بس هي نسيت حاجة مهمة أوي.
المحامي بصلي باهتمام: — حاجة إيه يا مدام منار؟ فتحت درج مكتبة الصالون، وطلعت حافظة أوراق زرقا، وحطيتها قدام المحامي وحاج توفيق. فتحت الحافظة وطلعت منها رزمة إيصالات وشيكات، وقولت بوضوح:
— دي إيصالات السداد الشهرية لأقساط الشقة من أول قسط لحد آخر قسط أتدفع الشهر اللي فات. كل الأقساط دي مدفوعة من حسابي البنكي الشخصي ومن تحويلات شغلي الأونلاين، ومكتوب فيها اسم المودع “منار” لصالح الشركة المكتورة. وفوق ده كله، معايا عقد اتفاق محرر وموقع من إيهاب ومن والدته من ٤ سنين بيمقروا فيه إن الفلوس اللي بتتدفع هي فلوس شغلي وإن الملكية الفعلية للبيت ده ليا ولإيهاب بالمناصفة، والورقة دي موثقة بشهادة اثنين محامين منهم محامي العمارة نفسه!
المحامي مسك الأوراق وبدأ يقلب فيها بذهول، وعينيه بتتوسع: — ده إثبات ملكية وصورية عقد ممتازة! الورق ده لو دخل المحكمة، مش بس يلغي دعوى الطرد، ده يثبت ملكيتكم للشقة ويحكم لكم بالصحّة والنفاذ فوراً، غير إن التحويلات البنكية باسمك بتنفي تماماً أي أدعاء منها بالملكية! حاج توفيق بص للأوراق وبص لإيهاب وقال بنبرة مليانة فخر وإعجاب: — يسلم العقيل اللي يفكر ويحمي بيته وعياله! منار ما سابتش نقطة ضعف واحدة في البيت ده يا إيهاب.. إنت مع الموقف ده اتجوزت ست بـ مية راجل!
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة بره الصالة.. كانت حماتي واقفة عند الباب المفتوح! كانت نازلة تتجسس وتعرف المحامي عمل إيه، وسمعت كلام المحامي وكلام الحاج توفيق بالحرف. حماتي دخلت الصالة بخطوات مكسورة، ووشها باين عليه الذهول والهزيمة الكاملة. بصتلي وقالت بصوت بيرتعش: — أنتِ.. أنتِ كنتِ حاسبة كل حاجة من زمان يا منار؟! كنتِ بتدفعي وتوثقي من ورايا؟! قمت وقفت قدامها بثبات، وقولت لها بصوت هادي وراسي:
— أنا ما كنتش بحسب للشر يا طنط.. أنا كنت بحمي بيتي وحق عيالي. كنت عارفة إن اليوم ده هيجي، يوم ما تفتكري إن الفلوس والسلطة يديكي الحق تدوسي عليا وعلى ابنك. أنا صبرت عليكي في الأكل، وفي الشرب، وفي المعاملة، وفي المصيف.. بس لما توصل إنك عايزة ترمي ابنك وعيالك في الشارع عشان كبرياءك، يبقى لازم تعرفي إن ليكي حد.




