
قلت له بنبرة جادة: — الأسف مش كفاية يا إيهاب.. المهم اللي جاي. المصيف ده هيخلص، وهنرجع القاهرة. لو فاكر إننا هنرجع لنفس السيستم القديم، تبقى غلطان. حماتك مش هتدخل في شؤون بيتنا تاني، ولا هتتحكم في طريقة أكلنا وشربنا وتربية عيالنا. وبيتنا هيبقى له خصوصية كاملة. هز رأسه بموافقة وقال: — أوعدك يا منار.. كل حاجة بتتغير من النهاردة.
مرت بقية أيام الإجازة في هدوء حذر. حماتي التزمت بحدودها بالكامل، كانت تقضي وقتها بعيدًا عنا، ولم تتجرأ على إبداء أي ملاحظة أو إصدار أي أمر. أما أنا، فقد استمتعت بالبحر والشمس مع أطفالي كما حلمت تمامًا، وشاهدت فرحة عيونهم بالماء لأول مرة. وفي يوم المغادرة، وأثناء تحميل الحقائب في السيارة للعودة إلى القاهرة، اقتربت مني حماتي ونظرت إليّ بنظرة غامضة وقالت بصوت خافت لم يسمعه غيري: — فاكرة إنك كسبتي يا منار؟ الحرب دي ما انتهتش بكلمة اعتذار في فندق.. لما نرجع القاهرة والباب يتقفل علينا، هتعرفي إن البيت ده بيتي أنا، واللي حصل هنا مش هيفوت بالساهل.
ابتسمت لها ببرود وأنا أغلق باب السيارة بثقة: — ونحن في انتظار القاهرة يا طنط.. بس افتكري كويس، اللي قدرت أعمله في المصيف، أقدر أعمل أكتر منه في القاهرة. وانطلقت السيارة بنا عائدة إلى العاصمة، محملة بانتصار جديد، واستعداد لمعركة جديدة تثبت أن منار القديمة قد مضت دون رجعة. طول الطريق من المصيف للقاهرة، كان الصمت تقيل ومخيم على العربية. إيهاب مركز في الطريق وعينيه على الإسفلت، وحماتي قاعدة في الكرسي اللي جنبي ورا، باصة من الشباك ووشها مشدود، وكل شوية تطلع تنهيدة عالية عشان تسمعنا كلنا إنها “مظلومة ومكسورة الخاطر”.
أنا ما اهتميتش بكل التمثيلية دي، كنت حاضنة ولادي ومغمضة عيني ببتسم. لأول مرة من سنين أحس إن ضهري مش مكشوف، وإن الخوف اللي كان مكلبش في قلبي اتفك. أول ما وصلنا عمارتنا في القاهرة، ونزلنا الشنط، حماتي نزلت بسرعة وسبقتنا على فوق. إيهاب كان بيشيل الشنط التقيلة وبيصلح نظارته، وبصلي بنظرة رجاء وهو بيوشوشني: — منار.. ربنا يخليكي، إحنا فتحنا صفحة جديدة، بلاش بقى المشاحنات تنقل معانا الشقة. أمي راجعة ونفسيتها تعبانة من اللي حصل، فعدي اليومين دول على خير.
بصيت له بكل حسم وقولت له: — إيهاب.. الصفحة الجديدة مش معناها إن أحسن نيتي وأرجع أغمض عيني. الصفح الجديد معناه إن كل واحد يعرف حدوده. أنا داخلة بيتي ومحدش ليه يدير بيتي غيري. طلعت الشقة، وفتحت الباب. أول ما دخلت، لقيت حماتي قاعدة في الصالة ومربعة إيديها، وحاطة مفاتيح شقتها جنبها، وباصة للمكان كأنها بتتفقد ممتلكاتها. أول بند في خطتها الجديدة ظهر بعد ساعة واحدة بس من وصولنا. كنت في المطبخ بجهز غدا سريع للأطفال بعد مشوار السفر، فجأة لقيتها دخلت عليا المطبخ، ووقفت ورايا، وبصت في الحلة بنظرة استحقار وقالت:
— إيه ده إن شاء الله؟ أنتِ بتعملي أكل ناشف ومكرونة مسلوقة للراجل بعد مشوار سفر طوله ٤ ساعات؟! هو ده اللي تعلمتيه؟ ابن أختي يرجع من السفر يلقى لقمة رمق وتغذي جسمه، مش العك ده! لتاني مرة في نفس اليوم، بصيت لها بثبات، وحطيت المعلقة الخشب من إيدي بالراحة، والتفتت لها: — الأكل ده لعيالي وليا يا طنط.. وإيهاب لو عايز أكل معين يقدر يدخل يقولي بنفسه أو يعمله. وحضرتك مفروض تكوني في شقتك ترتاحي من السفر بدل ما تقفي على دماغي في المطبخ من أول ساعة.
حماتي ضحكت بتهكم وقالت: — شقتي؟! ما هي الشقة دي شقة ابني، وأنا أدخل المطبخ وقت ما يعجبني وأقول رأيي وقت ما يعجبني! فاكرة إنك لما لويتي دراعنا في الفندق بقيتي صاحبة البيت؟ لا يا حلوة، هنا القاهرة.. وهنا كلمتي هي اللي تمشي. في اللحظة دي، دخل إيهاب المطبخ وهو سامع نبرة الصوت العالية. حماتي أول ما شافته، غيرت نبرتها فوراً وحطت إيدها على قلبها ومثلت التعب: — تعال يا إيهاب شوف مراتك! بتقولي اطلعي بره مطبخي وروحي شقتك، وبتستكبر تعمل لك أكل عدل يرم عظمك بعد السفر!
إيهاب بصلي بعتاب وقال: — منار.. هي أمي قالت إيه يعني؟ دي بتنصحك عشان الأكل! هو كل كلمة هتتاخد على أنها خناقة؟ هنا عرفت إن إيهاب ممكن يضعف تاني لو ما شافش موقف حاسم وسريع، وإن الشياطين القديمة بتأكل في دماغه أول ما يرجع لبيئته القديمة. مسكت الفوطة، ومسحت إيدي بالراحة، وقولت لإيهاب ببرود تام: — تمام يا إيهاب.. طالما النصيحة عاجباك، وطالما المطبخ مطبخها وهي صاحبة الكلمة.. اتفضلوا كملوا الأكل مع بعض.
وسبت المطبخ وخرجت. دخلت أوضة النوم، وقفلت الباب بالمفتاح. حماتي زعقت من بره: — شايف؟ شايف الدلع والقمص؟! سايبة الأكل على النار وقافلة على نفسها! إيهاب خبط على الباب بحدة: — منار! افتحي الباب ده! إيه شغل الأطفال ده؟! طلعي كملي الأكل ونهي اليوم على خير! رديت عليه من جوه بصوت واطي ومستقر:
— الباب ده مش هيتفتح يا إيهاب غير بشرط واحد.. مفتاح شقتنا اللي مع أمك يترد فوراً، ومحدش يدخل عتبة الشقة دي غير بإذن ورن جرس زي أي ضيف. طالما هي شايفه إن دي شقة ابنها وحقها تقتحمها وتديرها، يبقى أنا مش طرف في البيعة دي. أنت مخير دلوقتي.. يا إما بيتنا يتقفل علينا بخصوصيتنا وهيبتك كزوج، يا إما تروح تقعد معاها فوق وتديروا البيت زي ما أنتم عايزين، وأنا هاخد ولادي وأروح لبيت أهلي بالورقة والقلم.
إيهاب سكت ورا الباب. الصوت بره هدي تماماً. سمعت حماتي بتقول له بصوت واطي: — سيبها تتقمص يا إيهاب! بكرة تبرد وتفتح الباب لوحدها لما تجوع! إياك تديها المفتاح! لكن إيهاب المرة دي كان عارف إن تهديدي مش مجرد كلام. هو شاف بعينيه في المصيف إنني قادرة أنفذ، وإن عمه توفيق قاله بالحرف: *”لو ضيعت مراتك بسبب سلبيتك، محدش هيرحمك.”* مرت نص ساعة، والصمت سيد المكان. وفجأة.. سمعت خبط خفيف على الباب، وصوت إيهاب بيكلمني بنبرة مكسورة ومختلفة:
— منار.. افتحي. المفتاح معايا اهو. فتحت الباب بالراحة، لقيت إيهاب واقف ومسك في إيده نسخة المفتاح الخاصة بشقتنا اللي كانت مع أمه. وبصلي وقال: — طلعت شقتها فوق.. وقلت لها إن المفتاح لازم يفضل معانا عشان المشاكل تهدا. أظن كده كفاية يا منار.. يلا كملي يومك معايا ومع عيالك. أخدت المفتاح من إيده، وحطيته في شنطتي، وابتسمت له ابتسامة هادية: — كده بيتنا بقى بيتنا يا إيهاب.. يلا نغرف الأكل للولاد.
خرجت من الأوضة وأنا عارفة إن المعركة ما انتهتش، بس القواعد اتغيرت للأبد. حماتي فوق في شقتها بتغلي، لكن السقف اللي بيننا بقى أمتن من الأول بكثير.. والست اللي كانت بتستسلم للظلم، خلاص مش موجودة.
مر أسبوعين على رجوعنا للقاهرة. أسبوعين والشقة هادية من بره، بس زي الفُرن اللي بيلغلي تحت الأرض. حماتي ما كفتش عن المحاولات؛ كل يوم والتاني تبعت عيال حارتنا أو تتصل بإيهاب في الشغل بتمثيلية شكل: مرة ضغطها عالي، ومرة أنبوبة البوتجاز فضيت، ومرة محتاجة حد ينزل يجيب لها دوا.. وكل ده عشان تجبر إيهاب يطلع لها، أو تنزله من غيري، وتوشوش في ودنه وتلعب على الحبل القديم.
لكن المرة دي، إيهاب كان اتغير حبة. القلم اللي خده من عمه توفيق في المصيف كان معلم في علمه، والمفتاح اللي بقا معايا في شنطتي كان عامل زي السور العالي اللي حاميني وحامي بيتى لحد ما جه يوم الجمعة.. اليوم اللي حماتي قررت تلعب فيه آخر كارت عندها، كارت “اللمة والعيلة”. كنت قاعدة الصبح بنظف الشقة وريحة البخور مالية المكان، والولاد بيلعبوا هاديين. وفجأة، سمعنا جرس الباب بيرن بحدة وسرعة.. رنات متتالية ومش طبيعية.
إيهاب قام من السرير يخضوض وفتح الباب. أول ما فتح، لقيت الصالة اتملت بجمهرة! حماتي داخلة وفي إيدها سبت خضار، ووراها أخته الكبيرة “وفاء” وجوزها وعيالهم التلاتة، وأخوه الصغير محمود! دخلوا كلهم دفعة واحدة كأنهم باقتحام، من غير ما يستأذنوا ولا يرنوا جرس بصورة طبيعية.




