روايات

رحت اكشف عند دكتوره غير جوزي

لفت انتباهي شيء صغير جدًا. في أسفل آخر صفحة من التقرير… كان فيه ختم أحمر مكتوب تحته مرفق بالتقرير ملحق لم يصل بعد بعد حوالي عشر دقائق… وصل موظف من شركة الشحن الطبية وهو شايل ظرفًا صغيرًا مقفولًا. سلّمه للدكتورة بعد ما وقّعت على الاستلام. بصّت على الختم وقالت ده الملحق. فتحت الظرف بهدوء. كان جواه صفحة واحدة فقط. وفي أسفلها توقيع أخصائي التحاليل. قرأت السطور بسرعة، ثم حطت الورقة جنب التقرير الأساسي.

أنا قلت بقلق الملحق فيه إيه؟ ردت فيه توصية واضحة. إيه هي؟ قالت إن أي دواء أو حقنة أو مشروب كنتِ بتاخديه خلال الفترة الأخيرة لازم يتوقف مؤقتًا لحد ما نراجع مصدره مع الطبيب المسؤول عن الحالة، أو نستبدله بما هو موثق ومعلوم المصدر. تنفست ببطء. ثم سألت يعني هنبدأ من الصفر؟ ابتسمت ابتسامة بسيطة. أحيانًا ده بيكون أسلم طريق. في اللحظة دي… دخلت الممرضة وهي ماسكة كرتونة صغيرة شفافة.

دي الحاجة اللي الأمن استلمها من عربية مدام آية. استغربت. عربيتي؟ فتحت الكرتونة. كان فيها كيس صغير. وجواه… ثلاث عبوات حقن مغلقة. كلها بنفس الشكل اللي كنت بشوفه في البيت. الدكتورة لبست قفازاتها، وقلبت أول عبوة. ثم الثانية. ولما وصلت للتالتة… ثبتت نظرها عليها. قالت استني… الممرضة قربت. فيه إيه؟ أشارت الدكتورة إلى الملصق. بصي كويس. كان رقم التشغيلة في أول عبوتين متطابقًا. أما الثالثة… فرقمها مختلف بحرف واحد فقط.

قالت ممكن يكون اختلاف طبيعي في التشغيلات… وممكن يكون مجرد تشابه في الشكل. المعمل هو اللي هيحدد. وضعت العبوات الثلاث في أكياس منفصلة، وكتبت على كل واحدة وقت استلامها. ثم التفتت إليّ وقالت في سؤال أخير. اتفضلي. مين آخر شخص شفتيه لمس العبوات دي؟ فكرت للحظات… ثم تذكرت. حماتي… قبل ما أحمد يديني الحقنة بيوم. كانت بتنضف الدرج، وقالت إنها رتبت الأدوية. الدكتورة سجلت المعلومة دون تعليق. وفي نفس اللحظة…

رن هاتف الأمن. رد الرجل بسرعة، ثم دخل الغرفة وقال يا دكتورة… في فريق من المعمل وصل بنفسه لاستلام العبوات. لكن قبل أن يسلمها لهم… أخرج أحد أفراد الفريق جهازًا صغيرًا من حقيبته، وقال قبل ما ننقل أي حاجة… فيه خطوة لازم نعملها هنا. ثم نظر إلى العبوات الثلاث وأضاف لازم نتأكد إن الأختام عليها سليمة وما اتفتحتش قبل كده فرد المعمل لبس قفازات جديدة قدامنا. طلع عدسة مكبرة وجهاز صغير بيسلط ضوء أبيض على أغطية العبوات.

مسك أول عبوة. لفها بين صوابعه. وقال الختم سليم. كتب ملاحظة. بعدها فحص التانية. ودي كمان سليمة. وصل للتالتة… وسكت شوية. الدكتورة دينا سألته في مشكلة؟ قال مش هقدر أقول مشكلة… لكن فيه اختلاف بسيط في شكل الملصق. ده ممكن يكون طبيعي بين دفعات إنتاج مختلفة، وممكن يكون سببه اختلاف جهة التوريد. المعمل هو اللي هيحسم. حط العبوة في كيس منفصل، وختمه بالشمع. ثم كتب وقت الاستلام بالدقيقة. قال للدكتورة

كل خطوة هتتسجل في محضر استلام، عشان نحافظ على تسلسل الأدلة. وقّعت الدكتورة. ووقعت الممرضة كشاهد. ثم خرج فريق المعمل بالعينات. ساد هدوء غريب في الغرفة. قطعه صوت رسالة على هاتف الدكتورة. فتحتها. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من بداية اليوم. قلت بسرعة في إيه؟ قالت المعمل أكد استلام كل العينات، وهيبدأ الفحص التفصيلي فورًا. لسه كنت هتنفس… وفجأة دخل فرد الأمن مرة تانية. كان ماسك ظرفًا قديمًا عليه آثار تراب.

قال الراجل الكبير… عم حسين… قال إنه نسي يسلم ده. أخدت الدكتورة الظرف. كان مكتوب عليه بخط قديم خاص بآية… يُفتح إذا اضطرت تكشف عند طبيب غير أحمد. بصيت للظرف وأنا مذهولة. مين اللي كاتبه؟ قلبته الدكتورة. كان عليه توقيع غير واضح… لكن أول حرف من الاسم كان ظاهر. د… وقبل ما تفتحه… رن جرس الاستقبال. الممرضة خرجت تشوف مين. ورجعت بعد لحظات وهي بتقول باندهاش يا دكتورة… في دكتور كبير من الجامعة وصل، وبيقول إنه هو اللي كتب الخطاب… وإن لازم يشرح محتواه بنفسه الممرضة فتحت الباب.

دخل رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ونظارته سميكة، وماسك حقيبة جلد قديمة. وقف بهدوء وقال أنا الدكتور سامح. مد للدكتورة بطاقته المهنية. راجعتها بسرعة، ثم رحبت به وأشارت له يقعد. أنا بصيت له باستغراب. عمري ما شفته قبل كده. قال وهو يبصلي متقلقيش… أنا مش جاي أزود خوفك. أنا جاي أوضح حاجة. حط الظرف على المكتب. الخطاب ده أنا كتبته. سألته الدكتورة حضرتك تعرف المريضة؟ هز رأسه. لا… لكن أعرف الدكتور أحمد من أيام الدراسة، وبعدها اشتغلنا في نفس المستشفى فترة.

فتح الظرف ببطء. كان فيه ورقة واحدة. بدأ يقرأ منها إذا وصل الخطاب ده لمدام آية، فده معناه إنها بتتابع حملها عند طبيب آخر، وده شيء كويس. بصيت له وأنا مش فاهمة. كمل أنا كتبت الخطاب لأن كان عندي خلاف مهني مع أحمد من فترة، بخصوص أسلوب متابعة بعض الحالات. الخلاف كان طبيًا وإداريًا، وتم توثيقه في المستشفى. الدكتورة دينا سألته مع حضرتك مستند يثبت الكلام ده؟ طلع من الشنطة صورة من محضر اجتماع قديم.

ناولها لها. راجعت التاريخ والختم. قالت هنضم الصورة دي للملف، ونتأكد منها مع جهة إصدارها. هز رأسه موافقًا. ثم قال أنا مش هنا عشان أتهم حد. أنا هنا عشان أقول إن أي قرار يخص الحمل لازم يبنى على الفحوصات الحالية، مش على الظنون. في اللحظة دي… دخلت الممرضة مسرعة. يا دكتورة… المعمل بعت إشعار جديد. فتحت الدكتورة الرسالة. قرأتها. ثم قالت نتائج التحاليل الإضافية هتتأخر ساعات، لأنهم قرروا يعيدوا جزء من الفحوصات للتأكد من الدقة.

تنفست ببطء. على الأقل، مفيش حد بيستعجل في إصدار أحكام. لكن قبل ما ينتهي الكلام… سمعنا طرقًا خفيفًا على الباب. دخل موظف الاستقبال، وفي إيده ملف صغير. قال ده وصل من قسم السجلات بالمستشفى. ناول الملف للدكتورة. فتحته. وكانت أول ورقة فيه عبارة عن كشف بمواعيد الزيارات الطبية الخاصة بي خلال الشهور الماضية. بدأت تقارنها بالدفتر الأسود. وفجأة توقفت عند تاريخ واحد… رفعت رأسها وقالت الغريب… سألتها بسرعة إيه؟ قالت وهي تشير إلى التاريخ

في اليوم ده، السجل بيقول إنك ما حضرتيش أي زيارة… بينما الدفتر الأسود مسجل فيه متابعة كاملة في نفس الساعة بصيت للتاريخ أكثر من مرة. كان فعلًا نفس اليوم. لكنني كنت متأكدة من حاجة واحدة. قلت للدكتورة اليوم ده… أنا ما خرجتش من البيت أصلًا. رفعت رأسها بسرعة. متأكدة؟ هززت رأسي. كان عندي دور برد شديد، وأحمد هو اللي قال لي ارتاحي، وأنا هأجل أي حاجة. الدكتورة وضعت القلم على المكتب.

وقالت للممرضة اعملي جدول. الممرضة فتحت ورقة جديدة. الدكتورة بدأت تكتب في عمودين اللي آية فاكراه. اللي موجود في السجلات. كلما قارنوا تاريخًا… كانوا يلاقوا اختلافًا بسيطًا. مرة في موعد. ومرة في توقيت. ومرة في مكان الزيارة. لكنهم لم يستنتجوا شيئًا. قالت الدكتورة الاختلافات دي لازم تتراجع مع المستشفى نفسها. ممكن تكون أخطاء إدارية، وممكن يكون ليها تفسير تاني. في اللحظة دي… رن هاتف الدكتور سامح. رد باختصار، ثم أغلقه.

وقال قسم السجلات وافق يبعت النسخ الأصلية بدل الصور. الدكتورة تنفست براحة. ممتاز… النسخ الأصلية هتسهل المراجعة. بعد دقائق… دخل موظف يحمل حقيبة مستندات مختومة. فتحها أمام الجميع. أخرج ملفات الحمل الأصلية. كل ورقة عليها ختم المستشفى وتاريخ إصدارها. بدأت الدكتورة تقلبها ببطء. ثم توقفت عند استمارة متابعة. قالت دي عليها توقيع المريضة. نظرت إليها. اتسعت عيناي. ده… مش توقيعي. ساد الصمت في الغرفة. الدكتورة لم تقل إن هناك تزويرًا.

بل قالت بهدوء لازم نعمل مقارنة رسمية لو كان فيه شك. ثم وضعت الاستمارة في ملف منفصل. وفجأة… دخل فرد الأمن مرة أخرى. كان يحمل صندوقًا صغيرًا وصل للتو من قسم السجلات. قال الصندوق ده كان محفوظ مع الملفات القديمة. فتحته الدكتورة. كان بداخله… فلاش ميموري صغيرة. وعليها ملصق أبيض مكتوب بخط اليد نسخة احتياطية غرفة السونار 3. نظرت الدكتورة إلى الدكتور سامح. فقال لو دي فعلاً النسخة الاحتياطية… ممكن يكون عليها تسجيلات أو صور محفوظة من الفحوصات.

وضعت الدكتورة الفلاشة على المكتب، ونظرت إليّ قائلة هنفتحها بحضور مسؤول تقنية المعلومات، عشان نحافظ على سلامة البيانات وما يحصلش أي تلاعب. وفي تلك اللحظة… رن هاتفها مرة أخرى. كان المتصل من قسم تقنية المعلومات. قالوا جملة واحدة لقينا حاجة مهمة جدًا قبل ما نوصل… ويُفضل ما حدش يشغل الفلاشة على أي جهاز عادي الدكتورة دينا حطت الفلاشة في ظرف مخصص للأدلة، وقفلت عليه بالشريط اللاصق. وقالت بحزم مش هتتفتح هنا.

الدكتور سامح هز رأسه موافقًا. صح… أي وسيط تخزين لازم يتفحص الأول، وبعدها يتفتح على جهاز مخصص. أنا كنت ببص للفلاشة كأنها هتجاوب على كل أسئلتي. لكن بدل الإجابات… كل دقيقة كانت بتجيب لغز جديد. بعد ربع ساعة… وصل مسؤول تقنية المعلومات. دخل ومعاه حقيبة سوداء صغيرة. طلع منها جهاز لابتوب مخصص للفحص، وجهاز تاني لفحص وسائط التخزين. وصل الفلاشة بالجهاز الأول. فضلت الشاشة السودا ثواني… وبعدين ظهر شريط تحميل.

كلنا كنا ساكتين. وفجأة… ظهر مجلد واحد. اسمه US_ROOM3_BACKUP. ضغط عليه. طلع جواه عشرات الملفات. كل ملف عليه تاريخ ووقت. قال مسؤول التقنية دي نسخ احتياطية لصور السونار… وفيه ملفات فيديو قصيرة. الدكتورة قالت افتحوا الملف الخاص بتاريخ آية. بدأ يبحث… لكن وقف فجأة. غريبة. سألته إيه؟ قال فيه ملف باسمها… ضغط عليه. ظهر تنبيه على الشاشة الملف تالف. جرب يفتحه مرة تانية. نفس الرسالة. قال استنوا. فتح برنامج استعادة بيانات.

بدأ الفحص. مرّت دقيقة… اتنين… خمسة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. لقيت نسخة احتياطية أقدم. فتحها. اشتغل الفيديو. ظهر جهاز السونار… وصوت خفيف في الخلفية. لكن الصورة وقفت بعد ثوانٍ. قال مسؤول التقنية الفيديو ناقص. بدأ يشغل الجزء اللي بعده. اشتغل. ثم توقف مرة أخرى. الدكتور سامح قال واضح إن الملف اتعرض لعطل، لكن فيه أجزاء لسه سليمة. وفجأة… في آخر ثانية قبل ما الفيديو يقف… ظهر شخص دخل إطار الكاميرا من بعيد.

ملامحه ما كانتش واضحة. لكن اللي كان واضح جدًا… إنه كان لابس بالطو أبيض. والفيديو انتهى عند اللحظة دي. الغرفة كلها سكتت. مسؤول التقنية قال ممكن نقدر نسترجع بقية الملف… لكن ده هيحتاج وقت. الدكتورة أغلقت شاشة اللابتوب بهدوء. وقالت إذن هنستنى النسخة الكاملة… ومحدش هيبني أي استنتاج على ثوانٍ ناقصة من تسجيل. وفي اللحظة نفسها… وصل إشعار جديد من المعمل المركزي. عنوانه كان تم الانتهاء من جميع الفحوصات… التقرير النهائي جاهز للتسليم بعد ساعتين من الانتظار…

وصل التقرير النهائي. الدكتورة دينا فتحته بهدوء، وراجعت كل صفحة أكثر من مرة، ثم قالت النتائج مطمئنة بالنسبة للبيبي… والحمد لله نبضه ونموه طبيعيين. حطيت إيدي على بطني، وأول مرة من الصبح حسيت إن قلبي هدأ. لكنها كملت وفيه حاجة أهم… كل الشكوك اللي كانت عندنا اتفسرت. بصيت لها باستغراب. قالت الكتلة اللي ظهرت في السونار ما كانتش جسمًا غريبًا ولا أي حاجة خطيرة… كانت مجرد جسم طبي صغير خاص بمتابعة الحمل، وظهر بطريقة خلتنا نحتاج أشعة إضافية للتأكد.

تنفست الصعداء. ثم سألتها طيب… كل اللي حصل ده؟ ابتسمت وقالت خلانا نراجع كل حاجة صح، من غير استعجال ولا اتهامات. في نفس اللحظة… وصل تقرير فحص الكوباية والحقن. أكد أن المشروب يحتوي على أعشاب ومكونات غذائية، وأن الحقن من النوع المسجل طبيًا، ولم يثبت وجود أي مادة غير مصرح بها فيها. أما اختلاف أرقام التشغيلات… فكان بسبب أنها من دفعات تصنيع مختلفة، وهو أمر طبيعي. الدكتور سامح جمع أوراقه وقال

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى