روايات

انا اسمى عصام

وبصيت في عينها حسيت بحاجة غريبة… مش إعجاب ولا حاجة من اللي ممكن تيجي في بالك، لكن إحساس بالخوف والشفقة في نفس الوقت. أنا كنت لسه صغير، وكل اللي كنت محتاجه وقتها حد يقولي إن اللي أنا حاسه طبيعي، وإن الوحدة اللي عايشها مش معناها إني ضعيف. سناء مسحت دموعها بسرعة وقالت: ـ معلش يا عصام، أنا حكيتلك كلام كتير… يمكن ما كانش ينفع أحكيه لحد في سنك. قولتلها: ـ لا يا طنط، عادي… أنا فاهم إن حضرتك تعبانة.

سكتت شوية، وبعدين قالت: ـ عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ قولتلها: ـ إيه؟ قالت: ـ إني طول الوقت مستنية جوزي يرجع، وفي نفس الوقت شايفة أختي نجوى بتربي ابنها لوحدها، وكل واحدة فينا فاكرة إن التانية مرتاحة أكتر منها. وفجأة سمعنا صوت نجوى من بره: ـ سناء؟ سناء قامت بسرعة وقالت: ـ أيوه؟ ـ تعالي دقيقة. خرجت سناء، وأنا فضلت لوحدي في الأوضة. بعد أقل من دقيقة سمعت صوت نجوى وهي بتقول: ـ عصام موجود؟

قولت: ـ أيوه يا طنط. دخلت نجوى، وكانت ماسكة كوبايه شاي، وحطتها قدامي. وقالت: ـ حسن اتصل وقال إنه هيتأخر شوية. أنا اتوترت وقلت: ـ طيب أنا ممكن أرجع بيتي. بصتلي باستغراب: ـ دلوقتي؟ الساعة قربت عشرة! قولتلها: ـ جدتي هتقلق عليا. قالت: ـ جدتك عارفة إنك هنا؟ هزيت راسي: ـ أيوه، حسن كلمها قبل ما نطلع. قالت: ـ خلاص، نام هنا الليلة، وبكرة الصبح روح. سكت شوية، وبعدين قلت: ـ حاضر. خرجت نجوى من الأوضة، وبعدها بدقائق سمعت صوت باب البيت بيتفتح.

حسن دخل وهو بيضحك وقال: ـ يا عم عصام، إنت لسه صاحي؟ بصيتله بضيق: ـ أنت سبتني لوحدي كل ده! ضحك وقال: ـ يا ابني ما أنا قولتلك نص ساعة. قلت: ـ نص ساعة إيه؟ أنت اختفيت بالساعات! وفجأة سكت حسن. بصلي وقال: ـ أنا آسف. قولت: ـ على إيه؟ قال: ـ على كل حاجة. استغربت. قال: ـ أنا كنت عايزك تيجي عندنا مش عشان المذاكرة بس. قولت: ـ أمال عشان إيه؟ قعد جنبي وقال:

ـ عشان أنا عارف إنك من شهرين مش طبيعي. كل ما أشوفك في المدرسة ألاقيك ساكت، مش بتتكلم، وبتقعد لوحدك في الفسحة. سألتك كذا مرة وكنت بتقول مفيش حاجة. سكت. كمل: ـ أنا كنت خايف عليك. نزلت عيني في الأرض. ولأول مرة من فترة طويلة اتكلمت بصدق. قولتله: ـ أنا تعبت يا حسن. قال: ـ من إيه؟ قولت: ـ من إني حاسس إني لوحدي. أبويا وأمي بعيد، وجدتي بتعمل اللي تقدر عليه، بس أنا ساعات بحس إني محتاج حد يقولي “أنا جنبك”.

حسن حضني وقال: ـ وأنا جنبك يا صاحبي. دخلت نجوى في اللحظة دي وقالت: ـ ودي أهم حاجة لازم تعرفها يا عصام. بصيتلها. قالت: ـ إن طلب المساعدة مش عيب. أنت مش آلة مذاكرة. أنت بني آدم، وليك طاقة وبتتعب. سناء كانت واقفة وراها، وقالت: ـ وبكرة الصبح هنكلم أبوك وأمك. قولت: ـ لأ، مش عايز أقلقهم. نجوى ردت بحزم: ـ لأ. لازم يعرفوا إن ابنهم محتاجهم. وفعلًا، تاني يوم الصبح، قبل ما أرجع البيت، قعدنا كلنا في الصالة.

نجوى اتصلت بأمي. أول ما أمي سمعت صوتي قالت: ـ عصام؟ قولتلها: ـ أيوه يا ماما. قالت: ـ مال صوتك؟ حاولت أتماسك، لكني معرفتش. قولتلها: ـ وحشتيني. سكتت ثواني. وبعدين سمعت صوت بكاها. قالت: ـ وإنت كمان وحشتني يا حبيبي. دخل أبويا على المكالمة، وقال: ـ عصام، لو في حاجة مضايقاك قولها. وقتها حكيت. حكيت عن المذاكرة، وعن إحساسي بالوحدة، وعن الأيام اللي مكنتش قادر أقوم فيها من السرير، وعن إني بقيت أكره الكتب رغم إني طول عمري بحب الدراسة.

أبويا فضل ساكت. وبعدين قال جملة عمري ما نسيتها: ـ إحنا سافرنا عشان نأمن مستقبلك، مش عشان نخليك تحارب لوحدك. أمي قالت: ـ هنرتب إننا ننزل قريب، ولو محتاجين نرجع قبل كده هنرجع. أنا لأول مرة حسيت إن الحمل اللي فوق صدري خف. بعد المكالمة، حسن قال: ـ إيه رأيك نبدأ من النهارده؟ قولت: ـ نبدأ إيه؟ قال: ـ المذاكرة. ضحكت: ـ أنت مجنون؟ قال: ـ لا، بس هنبدأ ساعتين بس. وبعدهم نخرج نتمشى. نجوى قالت:

ـ وأنا هعملكم الغداء. سناء ضحكت وقالت: ـ وأنا هعمل الشاي. ضحكنا كلنا. وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا. أنا كنت فاكر إن مشكلتي إن أبويا وأمي بعيدين. لكن الحقيقة إن مشكلتي الأكبر كانت إني صدقت إن لازم أتحمل كل حاجة لوحدي. رجعت البيت في نفس اليوم. لقيت جدتي مستنياني على الباب. أول ما شافتني قالت: ـ اتأخرت ليه يا عصام؟ حضنتها وقلت: ـ كنت محتاج أتكلم يا تيتة. قالت: ـ تعالى يا حبيبي.

قعدت جنبها وحكيتلها كل حاجة. مسكت إيدي وقالت: ـ أبوك وأمك ربّوك على الاعتماد على النفس، بس أنا عمري ما علمتك إنك تخبي تعبك. قولتلها: ـ أنا خايف أفشل في الثانوية. ابتسمت وقالت: ـ النجاح مش إنك تذاكر 24 ساعة. النجاح إنك لما تقع، تقوم تاني. من اليوم ده بدأت حياتي تتغير. عملت جدول بسيط. ساعتين مذاكرة، راحة، أكل، نوم، ومكالمة يومية مع أهلي. وحسن بقى صاحبي اللي أذاكر معاه كل يوم تقريبًا. أما بيت حسن، ففضل بالنسبة لي مكانًا آمنًا أروح له لما أحس إني مخنوق.

نجوى كانت تعاملني كابنها، وسناء كانت دائمًا تقول لي: ـ يا عصام، ركز في مستقبلك… إحنا الكبار عندنا مشاكلنا، لكن أنت لسه قدامك العمر كله. والكلمة دي فضلت في دماغي. بعد شهور، دخلت امتحانات الثانوية. كنت خايف. لكن المرة دي مكنتش لوحدي. جدتي كانت بتصحيني قبل الامتحان، وأمي كانت تتصل بيا، وأبويا يبعتلي رسالة، وحسن يستناني قدام اللجنة. وفي آخر يوم امتحانات، خرجت من المدرسة ووقفت قدام البوابة. حسن خبطني على كتفي وقال: ـ خلصنا يا بطل.

ضحكت وقلت: ـ خلصنا. وبعدها بشهور ظهرت النتيجة. كنت واقف جنب جدتي، والموبايل في إيدي. فتحت النتيجة. سكت. جدتي قالت: ـ جبت كام؟ بصيتلها ودموعي نزلت. قولتلها: ـ جبت نتيجة تفرحك يا تيتة. حضنتني وهي بتعيط. وفي نفس اللحظة رن تلفوني. كانت أمي. رديت عليها. قالت: ـ مبروك يا عصام. قولتلها: ـ الفضل ليكم. قالت: ـ لأ يا ابني… الفضل ليك إنك رغم كل اللي حسيت بيه، كملت. قفلت المكالمة، وبصيت لجدتي. وقتها افتكرت اليوم اللي كنت قاعد فيه في أوضة حسن، ماسك صورة أبويا وأمي، وحاسس إن الدنيا كلها سايباني.

وفهمت إن أحيانًا الإنسان مش بيحتاج إن كل مشاكله تختفي… هو بس محتاج حد يمسك إيده ويقوله: “أنا معاك… متخافش.” ومن يومها، كل ما أقابل طالب صغير ساكت لوحده، أسأله: ـ عامل إيه؟ يمكن كلمة بسيطة منه أو مني تغيّر يوم كامل. لأني عرفت بنفسي إن أقسى حاجة مش إنك تكون لوحدك… أقسى حاجة إنك تكون وسط ناس كتير، وتفتكر إن مفيش حد ممكن يفهمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى