
ثواني… وظهر صوت كريم من بره. مراتي جوه… وأنا داخل أشوف ولادي. الأخصائية الاجتماعية ردت بحزم الزيارة انتهت، ومفيش حد هيدخل من غير موافقة الأم. كريم رفع صوته أنا أبوهم، ومحدش يمنعني. لكن الأمن وقف مكانه. الراجل العجوز استغل اللحظة، وحط الحقيبة تحت سريري من غير ما حد يلاحظ. وبعدين خرج من باب جانبي كانت الممرضة فتحته مخصوص. بعد أقل من دقيقة… دخل كريم لوحده، وعلى وشه ابتسامة كلها ثقة.
بص حواليه، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد غريب. وقال وهو بيرفع الملف اللي مضيت عليه خلاص… من بكرة الولاد هيبقوا معايا. ابتسمت بهدوء. وقلت متأكد إنك قريت كل الورق اللي في الملف؟ اتكهربت ملامحه للحظة. فتح الملف بسرعة، وبدأ يقلب الصفحات. كل الأوراق كانت موجودة. كل التوقيعات في مكانها. رفع رأسه وقال بسخرية أيوه… كله سليم. هززت رأسي. أكيد؟ قبل ما يرد… دخل أحد أفراد أمن المستشفى وهو ماسك ظرفًا أبيض مختومًا.
وقال ده وصل لحضرتك من مكتب التوثيق، وقالوا يتسلم فورًا. بص كريم للظرف باستغراب. أما أنا… فابتسمت لأول مرة بثقة حقيقية. لأني كنت عارفة إن الظرف ده هو النسخة الرسمية من المستند الوحيد… اللي هيخلي كل اللي حصل من ساعات يتحول من انتصار بالنسبة لهم… إلى بداية أزمة عمرهم ما كانوا يتخيلوها كريم مد إيده ناحية الظرف بسرعة. لكن موظف الأمن سحبه قبل ما يلمسه، وقال بحزم التسليم باسم الأستاذة ليلى فقط.
أخدت الظرف، وفتحته قدامهم بهدوء. طلع منه مستند واحد… مختوم بختم رسمي. وكمان إيصال استلام. كريم حاول يلمح اللي مكتوب، لكنه ما قدرش. قال بعصبية هو إيه ده؟ طويت الورقة ورجعتها مكانها. وقلت بهدوء ورقة كنت مستنياها من شهور. ضحك باستهزاء. أي ورقة مش هتغير الحقيقة… إنتِ وقعتي. بصيت له بثبات. صح… أنا وقعت. وسكت ثواني. لكن إنت ما سألتش نفسك… ليه كنت هادئة أوي وأنا بمضي؟ ملامحه بدأت تتغير.
أما رانيا، فبصت له لأول مرة بقلق. قالت كريم… هي تقصد إيه؟ رد عليها بسرعة ولا أي حاجة… بتحاول تخوفنا. لكن صوته نفسه مكانش واثق. في اللحظة دي، دخلت الأخصائية الاجتماعية وقالت في طلب رسمي وصل للمستشفى. سلمتني نسخة منه. ثم التفتت لكريم وقالت ومن اللحظة دي، يمنع خروج الطفلين من المستشفى لأي شخص لحين مراجعة الإجراءات القانونية. شهقت حماته، اللي كانت واقفة عند الباب تراقب. وقالت بانفعال يعني إيه؟! إحنا جايين ناخد أحفادنا بكرة!
الأخصائية ردت بهدوء ده قرار مؤقت لحماية حقوق الأطفال، ومحدش يقدر يخالفه. كريم ض.رب كفه في الترابيزة. مين عمل كده؟ رفعت عيني إليه. وقلت أنا. ساد الصمت. حتى رانيا بطلت تتكلم. أكملت بنفس الهدوء من ست شهور، أول ما عرفت إن في ناس بتحاول تستغل ولادي في صراع أكبر منهم… بدأت أوثق كل حاجة. وأشرت إلى كاميرا المراقبة في سقف الغرفة. وآخر دليل… أنتم سجلتوه بنفسكم النهارده. في نفس اللحظة، رن هاتف كريم.
بص للشاشة… وفجأة اختفت الابتسامة من على وشه. المتصل كان مدير الإدارة المالية في شركة العائلة. رد بسرعة. لكن كل اللي سمعناه كان الجملة اللي قلبت ملامحه يا أستاذ كريم… في لجنة مراجعة وصلت الشركة، وطلبوا كل العقود والملفات القديمة… وقالوا محدش يخرج أي مستند من المبنى. قفل المكالمة بيد مرتعشة. وبص لي… كأنه لأول مرة فهم إن اللي كان فاكره نهاية القصة… مكنش إلا أول فصل فيها كريم فضل واقف مكانه، والهاتف لسه في إيده.
بصلي نظرة طويلة، وقال وهو بيحاول يستعيد هدوءه إنتِ بتلعبي لعبة أكبر منك. ابتسمت بهدوء. وأنت متأكد إنك عارف كل قواعدها؟ حماتي قربت منه وهمست يلا نمشي دلوقتي… وبعدين نتصرف. لكنه هز رأسه بعصبية. لأ… لازم أفهم هي عملت إيه. في اللحظة دي، دخل أحد رجال أمن المستشفى ومعاه موظف من الإدارة. قال باحترام أستاذ كريم، في تعليمات إن أي نقاش بخصوص الطفلين يكون بحضور الأخصائية الاجتماعية فقط، وممنوع أي ضغط على الأم داخل المستشفى.
اضطر كريم يتراجع خطوة. وقبل ما يخرج، لف ناحيتي وقال لسه كل حاجة بإيدي. رديت من غير ما أرفع صوتي لو كان ده صحيح… مكنتش جيت بعشرين شخص علشان توقيع واحدة خارجة من عملية. ساد الصمت. أول مرة… ما لقاش رد. خرج هو وعيلته، لكن قبل ما باب الأوضة يتقفل، لمحته بيبص ناحية الحقيبة الجلد القديمة اللي كانت مستخبية تحت السرير. عرفت إنه شافها. أول ما خرجوا، نزلت ومديت إيدي للحقيبة.
فتحتها ببطء. كان فيها ملفات مرتبة بعناية…




