
لكن المرة دي، ما بقيتش بستنى مكالمة من عيلتي. بقيت بستنى فؤاد. وكل فترة كان بييجي ومعاه قطعة جديدة من الحقيقة. لحد ما مر تقريبًا سنة. وفي زيارة من الزيارات، دخل ومعاه جهاز تابلت. قعد قدامي من غير مقدمات، فتح فيديو، وحط الجهاز على الترابيزة. شوفي. الفيديو كان من كاميرا مراقبة خاصة ببيت أحد الجيران. التاريخ الظاهر على الشاشة كان نفس تاريخ اليوم اللي اتقبض عليا فيه. والمطر كان واضح وهو بينزل بغزارة.
بعد ثواني… ظهرت داليا. كانت ماشية لوحدها تحت المطر. مافيش حد معاها. وصلت قدام بيتي. طلعت السلم. خطوة. خطوتين. تلاتة. وفجأة، كعب الجزمة بتاعتها اتزحلق على الأرض المبلولة. داليا فقدت توازنها… ووقعت. حطيت إيدي على بقي. فؤاد ما قالش كلمة. الفيديو كمل. داليا فضلت على الأرض عدة ثواني. لوحدها. وبعدين… باب بيتي اتفتح. وظهرت أنا. وقفت عند الباب وأنا مصدومة. ما قربتش منها أصلًا. ما لمستهاش. ما زقتهاش. ولا حتى كنت موجودة وقت سقوطها.
رجعت بضهري للكرسي. بعد 18 شهر من إن الناس تتعامل معايا كمجرمة… كنت بتفرج بعيني على الدليل اللي يثبت إن روايتي من أول يوم كانت الحقيقة. لكن فؤاد قال لسه مخلصناش. قفل الفيديو. وطلع ملف تاني. كان ملف طبي حصل عليه بأمر قضائي. فتح صفحة محددة، وحطها قدامي. التقرير صادر من عيادة كانت داليا بتتابع فيها حملها. والتاريخ… قبل زيارتها لبيتي بثلاثة أيام. قريت التقرير. وبعدين رجعت قريته. الكلمات كانت واضحة.
الحمل لم يعد قابلًا للاستمرار. لم يعد هناك نبض للجنين. رفعت عيني ببطء. هي كانت عارفة؟ فؤاد هز راسه. كانت عارفة قبل ما تيجي عندك بثلاث أيام. حسيت بغضب مختلف تمامًا. أنا كنت متعاطفة معاها رغم كل حاجة لأنها فقدت طفلها. كنت فاكرة إن حتى لو كدبت عليا، فهي كانت أم فقدت ابنها. لكن الحقيقة كانت أبشع. داليا كانت عارفة إن الحمل انتهى بالفعل. كانت عارفة إنها هتفقد الطفل. ولما وقعت قدام بيتي…
حوّلت مأساتها لسلاح. واستخدمت الطفل اللي فقدته علشان تتهمني إني السبب. لكن كان لسه فيه سؤال واحد. ليه؟ ليه كانت محتاجة بيتي بالشكل ده؟ ليه كل المؤامرة دي؟ ليه أبويا وأمي دخلوا معاها؟ فؤاد فتح الملف التالت. وكان ده الملف اللي وضح كل حاجة. شركة محمود، جوز داليا، كانت عمليًا مفلسة. ديون بالملايين. بنوك. موردين. ضرائب. شيكات والتزامات مالية متراكمة. الشركة كانت بتغرق. ومحمود كان محتاج سيولة بأي طريقة علشان يمنع الانهيار الكامل.
وداليا كانت بتحاول تنقذه. لكن بدل ما تعترف بالحقيقة… راحت لأبويا وأمي. وأقنعتهم إن شركة محمود على وشك توسع ضخم، وإنهم لو ساعدوه دلوقتي هيكسبوا أضعاف فلوسهم بعدين. أبويا وأمي صدقوها. ورهنوا البيت اللي عايشين فيه علشان يوفروا سيولة لمحمود. وبعدها… كان الدور على بيتي أنا. البيت كان ملكي بالكامل. وكان ممكن يستخدم كضمان للحصول على تمويل جديد. لكن فيه مشكلة واحدة. أنا. أنا مستحيل كنت هوافق أرهن بيتي علشان شركة محمود.
وعلشان كده كان لازم أبقى بره الصورة. داليا حاولت تضيف ملكيتي كضمان. ولما ما قدرتش تعمل ده وأنا موجودة… ظهر التوكيل المزور. بصيت لفؤاد. وأبويا وأمي عارفين إن الشركة مفلسة؟ لأ. كانوا فاكرين إنهم بيمولوا توسع جديد. في الحقيقة… كانوا بيرموا كل مدخراتهم في شركة بتغرق. وفؤاد ما اكتفاش بكده. خلال الشهور اللي فاتت، جمع كل حاجة. سندات الدين. الرسائل اللي قدروا يسترجعوها. البيانات المالية للشركة. طلبات القروض. العقود. الرهن.
والتحويلات. لكن بعدها كشفلي عن الخطوة الأهم. كان بيتفاوض في السر على شراء جزء كبير من الديون المتأخرة. مش باسمه. ولا باسمي. لكن من خلال شركة مدعومة بأموال الصندوق اللي سابه جدي. بصيتله بعدم فهم. يعني إيه؟ قال يعني لما تخرجي من هنا… بدل ما محمود يكون مديون للبنوك والدائنين المختلفين… وقف لحظة. هيكون جزء كبير من ديونه عندك إنتِ. سكت. ثم أضاف وأبوكي وأمك كمان. لأول مرة من ساعة ما دخلت السجن، حسيت إن ميزان القوة بدأ يتحرك.
أنا ما كنتش عايزة فلوسهم. ولا بيتهم. ولا شركة محمود. أنا كنت عايزة الحقيقة. لكنهم اختاروا يحولوا الموضوع لحرب. وفؤاد كان بيجهزني للحرب دي من غير ما حد فيهم يعرف. مرت الشهور الباقية. ولما جه أخيرًا يوم خروجي… وقفت عند باب السجن وأنا شايلة شنطة صغيرة فيها كل اللي كان فاضل من حاجتي. الباب الحديد اتفتح. خرجت. بصيت حواليّا. جزء صغير جوايا، رغم كل حاجة، كان متوقع يشوف أمي. أو أبويا.
يمكن حتى داليا. لكن مافيش حد. ولا فرد واحد من عيلتي كان مستنيني برا السجن. الشخص الوحيد اللي كان واقف هناك… كان فؤاد. واقف جنب عربية سودا. فتح الباب الخلفي وطلع شنطة ملابس. غيري هدومك. جوا الشنطة كان فيه طقم أسود أنيق. بعد وقت قصير، خرجت وأنا لابساه. بصيت لنفسي في المراية. الست اللي كانت بتبصلي ما كانتش نفس البنت اللي دخلت السجن من 18 شهر. فؤاد مد إيده بملف.
قبل ما نتحرك، محتاج توقيعك هنا. فتحت الملف. الصفحة الأولى كانت أوراق شركة. شركة هي اللي اشترت الديون. قريت الاسم شركة الثبات لإدارة الأصول والاستثمارات. قلبت الصفحة. وبعدين وصلت للجزء الأخير. كان فيه منصب مكتوب المدير العام. وتحته مباشرة… كان اسمي. سارة حسين عبدالعزيز. رفعت عيني لفؤاد. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال أهلًا برجوعك يا أستاذة سارة. بصيت ناحية بوابة السجن اللي قضيت وراها 18 شهر بسببهم. وبعدين أخدت القلم. ووقعت.
أنا دخلت السجن وأنا المتهمة. لكن خرجت منه وأنا الشخص اللي ماسك في إيده ديون الناس اللي حطوني فيه. وهم… لسه ما كانوش يعرفوا أي حاجة. يتبع في الجزء الثالث… الجزء الثالث والأخير خرجت من السجن وأنا حاسة إن الشوارع نفسها غريبة عليّا. 18 شهر كانوا كفاية إن الدنيا تتغير. لكن الأغرب إن أنا كمان كنت اتغيرت. فؤاد كان مستنيني بالعربية السودا، ومعاه طقم شيك لونه كحلي غامق، وشنطة فيها كل الأوراق اللي قضينا شهور نجمعها.
بصلي وأنا بركب وقال جاهزة؟ بصيت من الشباك ناحية سور السجن. من زمان. روحنا على المكتب مباشرة. قعدت قدام طاولة كبيرة عليها عقود، إيصالات ديون، نسخ من رهونات، ومستندات تخص شركة محمود. الشركة كانت حرفيًا بتغرق. البنوك عايزة فلوسها. الموردين موقفين التوريد. الضرائب بتطالب بمبالغ ضخمة. ومحمود كان بيحاول يغطي كل حفرة بحفرة أكبر. وفؤاد، في صمت تام، كان سبقهم كلهم.



