روايات

الشهر التاسع حكايات روماني مكرم

  * “أنا اتقال لي بره في الممر كل حاجة! سمعتك يا حسام وأنت بتتفق مع الدكتورة تبيعوا ضميركم وتعملوا لي ربط رغماً عني وتزوروا تقرير طبي! لو حد قرب مني دلوقتي هصرخ وألم المستشفى كلها وهطلب البوليس فوراً بتهمة الشروع في إحداث عاهة مستديمة والتزوير!”   ساد الذهول الغرفة. شحب وجه الطبيبة تماماً وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة، متلعثمة:   * “يا مدام.. أنتِ فاهمة غلط.. ده كلام..”  

بينما تحول وجه حسام إلى اللون الأحمر القاني، واشتعلت عيناه بظلم جحيمي. أدرك أن مخططه الخبيث قد انك.سر على عتبة الباب، وأن مريم عرفت كل شيء. اقترب منها بتهديد واضطراب، وأمسك بمعصمها بقوة وقسوة شديدة:   * “أنتِ نهيتِ كل حاجة بعضك ده.. اطلعي قدامي على العربية! مفيش ولادة هنا ولا في غيره لحد ما تعقلي!”   صرخت مريم من شدة الم قبضته ومغص الولادة المتزايد:   * “سيب إيدي يا مجرم! يا ناس.. الحقوني!”

  دخل إداري المستشفى وبعض أفراد الأمن على أثر الصراخ، وساد الهرج والحديث الحاد. استغلت مريم حالة الارتباك، وسحبت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الطاولة بخفة، واتصلت برقم شقيقها الأكبر “محمود”، الرجل الصارم الذي كان دائماً مصدر أمانها.   بصوت يختنق بالبكاء والألم صرخت في الهاتف:   * “الحقني يا محمود! حسام جايبني مستشفى (….) ومتفق مع الدكتورة يقطعوا عقبي ويخدروني من غير أذني! تعالالي بسرعة أنا في خطر!”

  سمع حسام المكالمة، فحاول سحب الهاتف منها، لكن الأمن تدرب للتدخل لمنع أي اعتداء جسدي داخل أروقة المستشفى، خصوصاً بعد أن بدأت الممرضات والأطباء الآخرون يتجمعون متسائلين عما يحدث. الطبيبة المتواطئة انسحبت بجبن إلى مكتبها وأغلقت الباب على نفسها، خائفة من فضيحة قد تنهي مسيرتها المهنية.   قال حسام وهو يحاول السيطرة على أعصابه أمام الناس والجمهور المتجمع:   * “يا جماعة دي مراتي وفي حالة هستيريا من ألم الولادة وبتتخيل حاجات مش حقيقية!”

  ردت مريم وهي تتكئ على أحد رجال الأمن، والدموع تحرق وجهها، لكن نبرتها كانت واضحة كالسيف:   * “أنا بكامل عقلي! والست الدكتورة اللي جوه واخدة عربون عشان تزور تقرير طبي وتقول إن كان فيه خطر على حياتي! لو راجل صح خليهم يتصلوا بمدير المستشفى يفتشوا مكتبها دلوقتي!”  

ارتبك حسام، وشعر أن الفخ الذي نصبه لمريم قد أطبق على رقبته هو. كان يعلم أن شقيقها محمود رجل لا يرحم، وأنه في طريقه إليه الآن رفقة رجال العائلة. أدرك حسام أن البقاء في هذا المكان يعني مواجهة مفتوحة لن يستطيع التملص منها، خصوصاً مع وجود تسجيلات كاميرات المراقبة في الممرات التي قد تدينه وهو يقف أمام مكتب الطبيبة في العتمة.   نظر إلى مريم بنظرة تتطاير منها شرارات الانتقام والوعيد، وقال بصوت خافت لا يصله أحد غيرها:

  * “فاكرة إنك كده كسبتِ؟ وحياة ابني اللي في بطنك ده، للخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه.. والطفل ده مش هتشوفيه ولا هتربيه إذا كان بكتفي بيه بالسيف!”   استدار حسام بغلّ، وغادر المستشفى بسرعة قبل وصول عائلتها، تاركاً خلفه دوياً من الشكوك والفضائح.   بعد أقل من عشرين دقيقة، اقتحم محمود شقيق مريم المستشفى كالإعصار، ومعه اثنان من أقاربهم. وجدوا مريم مستلقية على الكرسي متحرك في الاستقبال، تعاني من آلام مخاض متقدمة ووجهها شاحب كالمو.ت.

  احتضنها محمود بلهفة وهو يرتجف خوفاً عليها:   * “مريم! إيه اللي حصل؟ فين حسام الندل ده؟”               بكت مريم في أحضان أخيها وهي تمسك بيده بكل ما تبقى لها من قوة:   * “خدني من هنا يا محمود.. خدني أي مستشفى حكومي أو مكان أمين.. حسام كان عايز يدمر حياتي ويحرمكم مني ومن عيالي لل أبد!”    

لم يضيع محمود ثانية واحدة. نقلوا مريم فوراً بسيارة إسعاف خاصة إلى مستشفى تعليمي كبير تحت إشراف أطباء موثوقين من معارف العائلة. هناك، أدخلت مريم فوراً إلى غرفة العمليات لإجراء جراحة قيصرية عاجلة، بعد أن وصلت حالة المخاض إلى مرحلة حتيمة.   خارج غرفة العمليات، كان محمود يجوب الممر يميناً ويساراً كالعاصفة، يديه تتشتتان غضباً، محاولاً الاتصال بحسام الذي أغلق هاتفه تماماً وتوارى عن الأنظار. كانت هناك أسئلة حارقة تدور في ذهن الجميع: لماذا يفعل حسام ذلك؟ ما السر الرهيب الذي يدفعه للتضحية بزوجه وطفله القادم بهذه الطريقة الإجرامية؟

  بعد ساعة ونصف من الانتظار القاتل، خرج الطبيب الجراح وهو يبتسم ابتسامة متعبة ومهدئة:   * “مبروك يا جماعة.. مريم قامت بالسلامة، وجابت ولد زي الفل.. صحته ممتازة ووزنه طبيعي.”   تنفس محمود الصعداء، وتساقطت دموع الإغاثة من عينيه. دخل ليرى أخته في غرفة الإفاقة. كانت مريم تتفتح عينيها ببطء، وتنظر حولها بضبابية، حتى وقعت عينها على الطفل الصغير الملتف بدثار أبيض بجانبها.   ابتسمت ابتسامة باهتة مليئة بالألم، وحملت طفلها الرضيع، وضعت وجهها الصغير على صدرها، وشعرت لأول مرة منذ أيام بأمان دافئ. لكن هذا الأمان لم يدُم سوى دقائق معدودة.

انت في الصفحة 3 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى