
فجأة، دخل أحد رجال الشرطة برفقة طبيب المستشفى المقيم، وتقدم نحو سرير مريم بعد أن استأذن محمود. نظر الضابط إلى مريم بأسف وقال: * “حمد الله على السلامة يا مدام مريم.. للأسف الشديد إحنا جايين بناءً على بلاغ رسمي أتقدم من ساعة واحدة في القسم.” فزع محمود ووقف حائلاً بين الضابط وسرير أخته: * “بلاغ إيه يا فندم؟ أختي لسه طالعة من عمليات ولادة قيصرية!”
أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ ما فيها بصوت هادئ ولكن ثقيل كالجبل: * “الأستاذ حسام تقدم ببلاغ يتهم فيه الزوجة مريم بإسقاط وتدليس أنساب، وادعى فيه إن الطفل ده مش ابنه، وإن عنده تقارير طبية مثبتة من سنتين بإن يعاني من عقم دائم ويستحيل عليه الإنجاب، ويثبت بالتقارير إنها كانت بتخدعه طوال فترة الحمل!” سقطت الكلمات كالقنبلة داخل الغرفة. شهقت مريم وانقبض قلبها وهي تنظر إلى طفلها الرضيع، ثم إلى شقيقها الذي وقف مصدوماً لا يستوعب ما يسمعه.
تكشفت الحقيقة المرعبة أخيراً: لم يكن حسام يريد مجرد ربط أنابيب، بل كان يخطط لقطع الطريق على وجود أي أطفال آخرين حتى يسهل عليه طردها ووصمها بفي أبشع تهمة، والتخلص منها دون أن تدفع العائلة بباطله! لقد كان يعدّ لهذا الكابوس منذ أشهر طويلة، والربط كان الخطوة الأخيرة ليضمن عدم إنجابها مجدداً حتى لا ترفع قض.ية إثبات نسب مستقبلاً، وليجبرها على السكوت تحت تهديد الشرف! نظر محمود إلى مريم بعينين تتساءلان في ذهول، بينما صرخت مريم بدموع حارقة وهستيرية وهي تحتضن طفلها الصغير بقوة:
* “والله كذاب! ده ابنه وحقه! ده مجرم وبيتبلى عليا عشان يهرب من الفعلة اللي كان هيعملها فيا!” اقترب الضابط وقال بصرامة: * “التحقيقات هي اللي هتثبت كل حاجة يا مدام.. ومطلوب منك ومن الطفل النزول لمعمل الطب الشرعي لإجراء تحليل الـ DNA بناءً على قرار النيابة.” هنا، أدركت مريم أن حربها مع حسام لم تكن مجرد خلاف على وسيلة منع حمل، بل كانت بداية لمعركة شرسة تمس شرفها، أمومتها، ومستقبل طفلها الرضيع الذي لم يهنأ بساعة واحدة في هذا العالم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” ساد الذهول والتوجس أرجاء غرفة الإفاقة. كان هواء الغرفة محملاً برائحة المعقمات الصديقة للمستشفيات، لكنه بالنسبة لمريم صار أثقل من القطران. غطت وجهها بكفيها المرتجفين، بينما اقتحمت نوبة من البكاء الصامت أحشاءها المجهدة من جرح القيصرية. لم يكن الجرح في جسدها سوى وخزة بسيطة مقارنة بتلك السكينة الغادرة التي غرسها حسام في شرفها وأمومتها.
اقترب محمود من الضابط بملامح حادة كالسيف، ووجه يغلي بالدم المغلي، متحدثاً بنبرة هادئة لكنها تتفجر بالوعيد: * “حضرتك بتقول إيه؟ أختي مريم أشرف من الشرف نفسه! حسام ده نذل ومجرم، وكان محضر اللعبة دي من بدري لما فشل إنه يعطل رحَمها ويربط أمعاءها في المستشفى التاني! التقرير اللي معاه ده مزور زي ما كان هيزور تقرير الولادة بالظبط!” رد الضابط ببرود مهني وهو يضع أوراقه في المجلد الأسود:
* “يا أستاذ محمود، أنا مش جاجي أحكم أو أتهم.. أنا بصلّغك بأمر النيابة. الزوج قدم بلاغ رسمي ومعاه تقرير طبي صادر من مركز عقم معروف، وبيطالب بعدم إثبات نسب الطفل له. القاضي أصر على التحفظ على الأوراق ورصد حالة الأم والجنين، والمحضر هينعرض على النيابة الصبح.. طبعاً مراعاة لحالتها الصحية، الأطباء أفادوا إنها محتاجة 44 ساعة رعاية قبل التحرك للطب الشرعي.”
انسحب الضابط برفقة أمين الشرطة، ليترك الغرفة تغرق في دوامة من التساؤلات المرعبة. التفت محمود نحو مريم، وكانت عيناه تتفحصان ملامحها للوهلة الأولى بنوع من الحيرة القاتلة.. حيرة سريعة تداركها فوراً عندما رأى الانهيار الصادق في عيني أخته، لكن تلك اللحظة القليلة من الشك كانت كافية لتذبح مريم من الوريد إلى الوريد. توسلت مريم وهي تشد على يد شقيقها بكل ما أوتيت من قوة:
* “محمود.. أنت شاكك فيا؟ والله العظيم ده ابنه! أنا عمري ما دخلت حد بيته ولا شفت راجل غيره! حسام بيعمل كده عشان يحرق قلبي، وعشان يغطي على الجريمة اللي كنت هقفشها عليه في المستشفى الاستثماري! الحقني يا محمود.. ده عايز ياخد مني شرفي وابني في يوم واحد!” انحنى محمود وقبل رأسها بدموع حارقة، وشد على يدها: * “وحق لبن أمك اللي رضعناه، ما تشكي لحظة إني أفرط فيكي ولا أصدق الندل ده! الطفل ده ابن اختي وابن حسام، وحقك هجيبه من نفوخه.. بس لازم نفهم السر، ليه بيلعب اللعبة الخبيثة دي؟ ليه يرمي شرفه في الطين بنفسه؟”




