
بصيت في عينيها مباشرة. وقلت إنتِ عايزة تحتفظي بطفلك؟ ردت فورًا أيوه. قلت لها بحسم يبقى ما تمضيش على أي ورقة. اتوترت وقالت بس أنا ما أقدرش أحارب عيلته لوحدي. رديت عليها من غير ما أفكر ومش هتحاربيهم لوحدك. حتى أنا استغربت من نبرة صوتي. إيدي كانت بتترعش فوق رجلي، لكن الصدمة اللي كانت خـ,ـانقاني بدأت تتحول لحاجة تانية. حاجة أقوى. حاجة خلتني أخيرًا أشوف الأمور بوضوح. عشر سنين كاملة، وعيلة جوزي فاكرين إن سكوتي معناه إني غبية.
كانوا فاكرين إني فرحانة إني دخلت دايرتهم الغنية، وإن أخطائي البسيطة في نطق الألماني معناها إني مش بفهم بسرعة. وكانوا فاكرين إن تعلقي الشديد بفكرة الأمومة هيخليني أصدق أي كذبة يحطوها قدامي، لمجرد إنها ممكن توصلني للحلم اللي نفسي فيه. لكنهم كانوا غلطانين تمامًا. أخدت نسخة العقد معايا، وطلبت من سلوى تبعتلي كل التسجيلات والرسائل والمكالمات المسجلة اللي عندها، من غير ما تسيب حاجة. في المساء، رجع جوزي البيت وهو ماسك باقة ورد بيضا.
ابتسم وقال لأجمل زوجة في الدنيا. بصيت له وحسيت بغثيان. وفضلت أفكر كام مرة رجع من عند سلوى، وبعدها دخل حضني وقبّلني بنفس الشفايف دي؟ سألني بمنتهى العادية كان يومك عامل إيه؟ قلت هادي. فك رابطة الكرافتة الحرير من حوالين رقبته وقال ماما عايزانا نروح نتغدى عندهم يوم الأحد كمان الأسبوع ده. رديت بهدوء أكيد. ابتسم، وبان عليه الارتياح. كان مبسوط إن كل حاجة ماشية زي ما هو متوقع. وإن مراته لسه هي نفس الست الهادية اللي ما بتسألش كتير.
في الليلة دي، دخلت الحمام وقفلت الباب ورايا. نزعت الدبلة الألماس من إيدي. ما رميتهاش. حطيتها بهدوء في آخر درج في الدولاب. كنت عايزة أفتكر اللحظة دي بالضبط. اللحظة اللي قررت فيها إني مش هكون ملكه تاني. تاني يوم الصبح، قعدت مع المحامية هالة عبد الرحيم، وهي محامية معروفة بقوتها وخبرتها في قضايا الأحوال الشخصية، وكانت واحدة من زميلاتي في الشغل هي اللي رشحتها لي. كانت في أوائل الستينات، وشعرها قصير وفيه خصلات فضية، وملامح وشها ثابتة بشكل غريب، ما كانتش بتبين أي رد فعل وهي بتقرأ.
قرت العقد بعناية. وسمعت التسجيلات كلها. وبعدين رفعت عينيها فوق نظارتها وبصتلي. وقالت جوزك مهمل جدًا. سكتت لحظة وأضافت لكن عيلته مش كده. سألتها إيه اختياراتنا؟ ردت بهدوء أول حاجة، نأمّن موقف سلوى ونحميها قانونيًا. تاني حاجة، نأمّن فلوسك وحقوقك المالية. وتالت حاجة، نسيبهم يتكلموا براحتهم. استغربت. وقلت ليه؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت لأن الناس المغرورة لما تكون مقتنعة إن الست الوحيدة اللي قاعدة معاهم غبية ومش فاهمة كلامهم، بيتكلموا براحتهم جدًا.
فضلت أسبوعين كاملين أروح عزومات العيلة كأن مفيش حاجة حصلت. كنت أعمل الحلويات. وأخبز الفطائر. كنت بابتسم بأدب كل ما مريم — تصححلي طريقة كلامي بالإنجليزي، رغم إن الألماني هو اللغة اللي كانت بتستخدمها علشان تتريق عليّا من ورايا. كنت بقعد ساكتة وأنا بسمع حماتي بتتكلم عن البيبي اللي لسه ما جاش للدنيا، وكأنه قطعة أثاث غالية هما طالبينها مخصوص علشان يحطوها في الصالون. وكان جوزي يطبطب على إيدي قدامهم ويتفاخر إنه مستحيل أسيبه.
كان بيقول بثقة دي متعلقة بيا زيادة عن اللزوم. كنت بابتسم له من الناحية التانية من السفرة. بس مش لفترة طويلة. في السر، كنت بسجل كل كلمة بتتقال. وفي نفس الوقت، كانت المحامية هالة بتساعد سلوى تتواصل مع مؤسسة قانونية محلية بتدافع عن حقوق الستات. راجعت العقد اللي كتبه مكتب أبو جوزي، وحفظت كل التهديدات والرسائل اللي بعتوها لسلوى، وجهزت لها إنذار قانوني قوي يمنع جوزي وعيلته من الضغط عليها أو تهديدها.
أما المواجهة الكبيرة، فكانت في بيت حماتي وحمايا، في عزومة ضخمة اتجمع فيها أكتر من عشرين فرد من العيلة. كانوا مجهزين سفرة طويلة، والأكل مالي المكان، والمشروبات الغالية متقدمة للضيوف كأنهم بيحتفلوا بانتصار كبير. وأنا قضيت معظم الصبح في المطبخ بلعب دور الزوجة المطيعة اللي بتخدم الكل. لأن ده بالضبط المكان اللي هما كانوا متوقعين إني أفضل فيه. بعد الساعة واحدة بشوية، وصلت سلوى. حماتي هي اللي كانت عازماها علشان يخلصوا الاتفاق.
كانت لابسة فستان كحلي بسيط، ووشها كان مليان خوف لدرجة إني كنت نفسي أقوم أروح لها وأقف جنبها فورًا. لكن استنيت. قعدوها في آخر السفرة، بعيد عن جوزي. وهو حتى ما حاولش يبصلها. حماتي بدأت الكلام بصوت هادي ومليان تعالي الطفل محتاج استقرار يا سلوى. ردت سلوى بسرعة وبنتي هتلاقي الاستقرار ده معايا. مريم أطلقت ضحكة ساخرة وقالت وبفلوس مين؟ جوزي اتوتر، وكح في المنديل اللي كان ماسكه، وعمل نفسه محرج من الكلام.
لكن ما فتحش بقه علشان يدافع عن أم بنته. أبو جوزي خبط بخفة على كوباية العصير وقال إحنا كل اللي بنحاول نعمله إننا نتجنب فضيحة كبيرة ومشاكل مالهاش آخر. سارة ست حساسة جدًا. لو خلصنا الموضوع النهارده بهدوء، كل واحد يقدر يكمل حياته. في اللحظة دي، خرجت من المطبخ وأنا شايلة إبريق تقيل مليان مية ساقعة. وقبل ما أحط الإبريق على السفرة، سمعت جوزي بيتكلم بالألماني. وقال أول ما سلوى تمضي الورق، هقنع سارة إن التبني كان فكرتها هي من البداية. هتكون فرحانة لدرجة إنها مش هتسأل أي سؤال.


