
أغلقت بشرى الجهاز، ونظرت إليه بابتسامة عملية:ـ وبكدة يا باشمهندس، نقدر نقول إننا قفلنا المرحلة الأولى من المشروع قبل وقتها بأسبوعين، ونسبة الأرباح المبدئية تخطت الـ 20%.وضع جبريل فنجان قهوته، وسند بظهره إلى الكرسي، وقال بصوته الرخيم ونبرة تحمل تقديراً عميقاً:ـ أنا مابقتش مستغرب الأرقام دي يا بشرى.. أنا بقيت مستغرب إزاي السوق ده كان محروم من عقليتك دي كل الفترة اللي فاتت؟
انتي إضافة لأي مكان بتدخليه، والحقيقة.. إضافة ليا أنا شخصياً.شعرت بشرى بنبضة سريعة في قلبها، لكنها سارعت برفع دروعها الدفاعية كالعادة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حيادية:ـ ده توفيق من ربنا يا باشمهندس، ودعم بابا ليا، وشغلي هو الحاجة الوحيدة اللي مابتخذلنيش.لاحظ جبريل حذرها المعتاد، وكلمتها الأخيرة “مابتخذلنيش” لم تمر عليه مرور الكرام. مال بجسده قليلًا نحو الطاولة، وتحدث بنبرة هادئة وصادقة تماماً:ـ بشرى.
. إحنا بقالنا شهور بنشتغل مع بعض، وأعتقد إننا عدينا مرحلة زملاء العمل. أنا شايف الحصون اللي انتي بتبنيها حوالين نفسك كل ما الكلام يخرج برة الشغل. أنا مش رشاد.. ولا عمري هكون شخص بيقيس البني آدم بصفقة أو بيستخسر في شريكته نجاحها.اتسعت عينا بشرى بصدمة وخفق قلبها بعنف، لم تكن تتوقع أن ينطق باسم طليقها أو أنه يعلم تفاصيل قصتها بهذا العمق. حاولت الكلام لكن صوتها خانها، فتابع جبريل بنبرة حانية واثقة:ـ أنا سألت وعرفتك، مش فضول.. لكن لأني حابب أفهم البني آدمة اللي خ.
طفت انتباهي من أول دقيقة دخلت فيها مكتبي. الوجع اللي عشتيه خلى منك ست قوية ومبهرة، بس متخليش الوجع ده يحرمك من إنك تعيشي حياتك صح مع حد يقدر قيمتك بجد. أنا مش مستعجل يا بشرى، ومستعد أستنى لحد ما تطمني.. بس عايزك تعرفي إن وجودي في حياتك مش مجرد شراكة ورق.تلاقت أعينهما، ولأول مرة لم تكن ابتسامة بشرى باردة أو مهنية؛
كانت ملامحها متأثرة، والأسوار الحديدية التي ظنت أنها لن تسقط أبداً، بدأت تتشقق أمام نبل وطاقة الأمان التي يبثها هذا الرجل في روحها.في تلك الأثناء، كان رشاد يقف بسيارته على الجانب الآخر من الطريق، يراقب المطعم من بعيد بعد أن علم بطريقتة الخاصة بنبأ عشائهما معاً.كان يرى من خلف الزجاج إضاءة المطعم الدافئة، ويرى بشرى وهي تجلس أمام جبريل الجيار، يرى ضحكتها الصافية التي غابت عن بيته لشهور، ويرى نظرة جبريل التي تحمل كل معاني الاحترام والاحتواء.
. النظرة التي لم يمنحها لبشرى يوماً لأنه كان يراها مضمونة.قبض رشاد على عجلة القيادة بعنف حتى ابيضت مفاصله، وامتلأت عيناه بدموع العجز والندم. أدرك في تلك اللحظة أن بشرى لم تعد تراه، ولم تعد حتى تذكره بكره أو وجع؛ لقد تجاوزته بمراحل، وأصبحت في مكانة بعيدة جداً عن صغائره ومقارنات زوجته الجديدة.أدار محرك سيارته وانطلق بسرعة جنونية، هرباً من الحقيقة المُرّة: أنه خسر الجوهرة التي لم يصنها، وأن قطار بشرى انطلق نحو قمة نجاحها وحياتها الجديدة، ولن يعود للخلف أبداً. ولكن اتت اه فكره ليعيدها إليه مره اخرى ياترى ايه الفكره دى ؟؟
مرت الأيام، وكان الندم والغيرة يأكلان قلب رشاد وعقله، لكن بدلاً من أن يدفعه هذا الندم لإصلاح نفسه، تحول بداخلة إلى رغبة انتقامية مسمومة. لم يحتمل فكرة أن تظل بشرى في العالي وهو يتخبط في مشاكله مع نهى.…
مرت الأيام، وكان الندم والغيرة يأكلان قلب رشاد وعقله، لكن بدلاً من أن يدفعه هذا الندم لإصلاح نفسه، تحول بداخلة إلى رغبة انتقامية مسمومة. لم يحتمل فكرة أن تظل بشرى في العالي وهو يتخبط في مشاكله مع نهى. لمعت في رأسه فكرة ظن أنها ستحقق له هدفين: أن يكسر كبرياء بشرى الجديد ويثبت لنفسه وللسوق أنه الأقوى، وأن يجد مدخلاً ليعيدها إلى عصمته بعد أن عرف قيمتها.
علم رشاد من خلال علاقاته في السوق أن هناك مناقصة كبرى مطروحة من الدولة لإعمار مجمع سكني وتجاري ضخم، وأن شركة “الشناوي والجيار” تضع كل ثقلها للفوز بهذا المشروع. تحرك رشاد بكل ما يملك من سيولة، بل وقام برهن بعض أصول شركته ليدخل المناقصة بقوة، متنازلاً عن هامش ربحه بالكامل، فقط ليقدم سعراً أقل لا يمكن لشركة الشناوي أن تنافسه فيه دون خسارة.يوم إعلان نتيجة المناقصة، كان رشاد يجلس في مكتبه يرتشف سيجاره بغرور، حتى رن هاتفه من أحد معارفه في لجنة البت:ـ مبروك يا رشاد بيه.
. المشروع رِسي عليك، فرق السعر بتاعك صدم الكل، حتى جبريل الجيار وبشرى الشناوي معرفوش يجاروه.أغلق رشاد الخط وضيق عينيه بابتسامة انتصار خبيثة. التقط هاتفه على الفور، وبأصابع ترتجف من الحماس، طلب رقم بشرى الذي لم يمحُه يوماً من ذاكرته.في مكتبها، كانت بشرى تجلس مع جبريل يراجعان ميزانية الشركة بعد خسارة المناقصة. لم تكن ملامح بشرى منكسرة، بل كانت هادئة للغاية، بينما كان جبريل ينظر إليها بتقدير وهو يقول:ـ أنا فخور بيكي يا بشرى.
. إصرارك إننا ماننزلش بالسعر عن الحد الآمن حمانا من ريسك كبير. اللي عمله رشاد ده انتحار تجاري، هو داخل يخسر بس عشان يثبت حاجة.في هذه اللحظة، اهتز هاتف بشرى برقم رشاد. نظرت إلى الشاشة للحظات، ثم رفعت عينيها نحو جبريل وكأنها تستأذنه. أومأ جبريل برأسه متفهماً ونهض بهدوء ليقف عند النافذة، معطياً إياها مساحتها الخاصة.فتحت بشرى الخط، ووضعت الهاتف على أذنها دون أن تنطق بكلمة واحدة.جاء صوت رشاد من الطرف الآخر، متلهفاً، يحمل خليطاً من الغرور المصطنع والمشاعر المكبوتة:ـ ألو.. بشرى؟ ألف مبروك عليا المشروع الجديد.. أظن سمعتي النتيجة؟
ظلت بشرى صامتة، فتابع رشاد بنبرة بدأت تتخلى عن قناع العمل وتتحول إلى الرجاء:ـ بشرى.. أنا عارف إنك سامعاني. أنا مخدتش المشروع ده عشان الفلوس، أنا خدته عشان أثبتلك إني لسه واقف على رجلي، وعشان أقولك إن مكيرمكش ولا يعليكِ في السوق ده غيري.. الجيار ده بيستغلك، بيستغل اسم عيلتك وعقليتك عشان يكبر على قفاكي.تنفس رشاد بعمق، ثم قال بصوت خفيض وندم حقيقي:ـ بشرى.. أنا غلطت، ونهى كانت غلطة عمري وبنهي كل حاجة معاها دلوقتي. أنا مش قادر أنساكي، ولا قادر أشوفك مع غيري.
ارجعيلي يا بشرى.. ارجعي لبيتك ومكانك، والشركة دي والمشروع الجديد ده كله هيبقى تحت إيدك وتحت أمرك، بس نفتح صفحة جديدة.طوال حديثه، كانت بشرى تستمع بملامح جامدة كالصخر، لم تهتز فيها شعرة واحدة، ولم تجد في قلبه أي أثر للوجع القديم؛ بل شعرت بشفقة شديدة على صغره.أبعدت الهاتف عن أذنها وقامت بتشغيل “المكبر الصوتي” (الاسبيكر) ليرتفع صوت رشاد في الغرفة، ونظرت إلى جبريل الذي التفت إليها بابتسامة هادئة وواثقة.ردت بشرى أخيرًا، بنبرة صوت باردة، حاسمة، ومميتة لأي أمل بداخلة:ـ خلصت كلامك يا رشاد؟
.. أولاً، مبروك عليك المشروع اللي واخدة بخسارة وراهن فيه شركتك عشان بس ترضي نقصك، السوق مبيحترمش اللي بينتحر تجارياً عشان “لقطة”. ثانياً، الباشمهندس جبريل الجيار أكبر بكثير من تفكيرك المريض، وده شريكي اللي سندي وعرّفني قيمتي اللي إنت دايست عليها.ثم أخذت نفساً عميقاً وأضافت بكلمات سددتها كالسـهام:ـ ثالثاً وأخيراً.. بشرى اللي كانت بتتنازل عشان ترضيك ماتت ويوم ما خرجت من باب بيتك اتدفنت. أنا دلوقتي في مكان بعيد جداً عنك وعن صغائرك، ومبقاش فيه أي مساحة في حياتي لشخص زيك. قضايا الطلاق والنفقة المحامي بتاعي هيقفلها الأسبوع ده.. وفر مجهودك وفلوسك للمشروع اللي هيقصم ظهر شركتك.
وقبل أن ينطق برصاصة واحدة من ذهوله، ضغطت بشرى على زر إنهاء المكالمة، ثم قامت بحظر رقمه (Block) نهائياً.التفتت بشرى إلى جبريل، لتجده يتقدم نحوها وعيناه تشعان بفخر غير مسبوق. وقف أمامها، ومد يده ليمسك يدها برفق وأمان، وقال بصوته العميق:ـ كنت واثق إنك أقوى من إن أي ماضي يهزك.. دلوقتي بس، نقدر نبتدي نخطط للمشروع الحقيقي اللي هيعلم على السوق كله، ومع بعض يا بشرى.
ابتسمت بشرى للمرة الأولى من قلبها، وشعرت بحريتها الكاملة؛ لقد أغلقت صفحة رشاد للأبد، وفتحت ذراعيها للمستقبل بجانب رجل يعرف حقاً كيف يصون الجواهر. خرج رشاد من المكالمة وصوت صفير الهاتف في أذنه يمزق ما تبقى من كبريائه. نظر إلى الشاشة بذهول، حاول إعادة الاتصال لكن العبارة الجافة الجاهزة صدمته: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة”. لقد وضعته في قائمة الحظر، ألقت به خارج حياتها تماماً كأنه لم يكن.شعر رشاد بالاختناق، فغادر مكتبه متوجهاً إلى منزله، وهناك كانت “نهى” في انتظاره، تمسك بمجموعة من الكتالوجات وتتحدث بنبرة متعالية:ـ رشاد، كويس إنك جيت.
. أنا اخترت طقم الصالون الجديد اللي هنغير بيه الصالون القديم، وكلمت مهندس الديكور عشان ييجي يبدأ شغل من الأسبوع الجاي.نظر إليها رشاد بعيون حمراء يملأها الغل، والكلمات التي سمعها من بشرى عن “الانتحار التجاري” و”رهن الشركة” تدق في رأسه كالمطارق. صاح فيها بصوت هز أرجاء الشقة:ـ صالون إيه وديكور إيه؟! إنتي إيه مابتفهميش؟ أنا شركتي على المحك والمشروع الجديد ممكن يضيعنى ، وإنتي كل همك المظاهر والمنظرة الكدابة؟تبدلت ملامح نهى إلى البرود والحدة وقالت:ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما تكبرش المواضيع.. وبعدين إنت اللي اخترت، ومحدش ض.ربك على إيدك!
لو مش قد الجواز ومصاريفه، كنت قعدت جنب ست بشرى بتاعتك اللي كانت راضية بالهَم! لم يتمالك رشاد نفسه، وخرجت منه الكلمة التي كانت تطبخ على نار المشاحنات طوال الأسابيع الماضية:ـ وإنتي طالق يا نهى!.. طالق بالتلاتة، وغوري من وشي ومشوفش وشك في البيت ده تاني!صُدمت نهى، وتحولت ملامحها إلى الغضب الأعمى، وبدأت تصرخ وتتوعده بالمحاكم والمؤخر، بينما تركها رشاد ودخل غرفته وهو يشعر بأنه يغرق في بئر من صنعه، بئر حفرة بيديه يوم أن استرخص الغالي واشترى الزيف.



