
. الحقيقة السمعة الطيبة لإدارتك في السوق الفترة الأخيرة، وطريقتك في إدارة الأصول هي اللي جابتني هنا بنفسي عشان نناقش إدارة المشروع المشترك الجديد.عادت بشرى إلى مكتبها، وأشارت له بالجلوس وهي تحافظ على ابتسامتها المهنية الباردة:ـ الشرف لينا يا فندم. وإحنا كمان في شركة الشناوي وقتنا غالي جداً ومبندخلش في إدارة مشروعات إلا لو كنا واثقين من نجاحها بنسبة مية في المية. اتفضل، أنا سامعاك، وإيه تفاصيل خطتك للعرض ده؟جلس جبريل، وفتح ملفاته وهو يراقب ثباتها. بدأ يشرح رؤيته لإدارة المشروع وتطويره ، وبلُغته الصارمة كان يتوقع أن تكتفي بالموافقة أو طلب مهلة للدراسة، لكن بشرى فاجأته؛
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من ال…
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من التوتر والمشاحنات التي لا تنتهي مع زوجته الجديدة “نهى”.الإنبهرار الأول والمشاعر المزيفة التي دفعته للتخلي عن بشرى بدأت تذوب تحت وطأة الواقع الضاغط. لم تعد نهى تلك المرأة الحالمة التي لا تطلب شيئاً، بل ظهرت حقيقتها الاستهلاكية؛
طلباتها لا تنتهي، ومقارناتها بغيرها أصبحت عبئاً يومياً على كاهله.في إحدى الليالي، جلس رشاد في الصالة ممسكاً بهاتفه، يتابع صفحة أخبار السوق والمقاولات، ليتسمر مكانه فجأة وهو يقرأ الخبراً: *”شراكة استثمارية ضخمة بين مجموعة الشناوي ومجموعة الجيار لإعمار منطقة الأصول المشتركة.. والمدير العام بشرى الشناوي تؤكد: الخطوة القادمة ستغير موازين السوق .
انقبض قلبه وجف حلقه وهو يرى صورتها؛ كانت تقف بكامل أناقتها وثقتها، وبجانبها لفت انتباهه ذلك الرجل، جبريل الجيار، بهيبته ونظرته المليئة بالفخر الموجهة نحوها.في هذه اللحظة، خرجت نهى من الغرفة وهي تلوح ببطاقة مشترياتها وتتحدث بنبرة حا.دة:ـ رشاد.. أنا كلمتك الصبح وقلتلك إن الليميت بتاع الفيزا مش مكفي، وعايزة أشتري الفستان والشنطة اللي قلتلك عليهم عشان فرح صاحبتي الأسبوع الجاي. إنت مبتردش عليا ليه؟أغلق رشاد الهاتف بعنف وقام واقفاً، وقد فاض به الكيل:ـ فستان إيه وشنطة إيه دلوقتي يا نهى؟! إنتي مابتشبعيش؟ ما لسه جايبلك طقم الأسبوع اللي فات!
إنتي فاكرة جيبى ده مبيفضاش؟لوت نهى فمها بضيق وقالت بنبرة مستفزة:ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما إنت اللي كنت بتدلع وتقوللي اؤمري يا حبيبتي وكل اللي عايزاه هيجيلك.. إيه اللي اتغير دلوقتي؟ ولا هي الحجج بدأت عشان توفر؟نظر إليها رشاد وكأنه يراها لأول مرة على حقيقتها. قفزت إلى ذاكرته فوراً صورة بشرى؛ بشرى التي تحملت معه في بداياته، التي كانت توازن الأمور بحكمة، التي ضحت بطموحها وسنة كاملة من عمرها في بيته دون أن تشتكي أو تطلب ما يفوق طاقته، بل كانت هي السند والأمان الذي لم يدفعه مليمًا واحدًا لشرائه.
قال بصوت مخنوق بالندم والغضب:ـ اللي اتغير إني فقت.. فقت وعرفت إن فيه ناس بتعوز بني آدم عشان يسندها، وناس تانية بتعوز بنك يصرف عليها!صاحت نهى بحدة وعيناها تتسعان:ـ قصدك إيه؟ قصدك مين يعني؟ لو مش عاجبك طلقني ورجع ست بشرى بتاعتك اللي كنت مابتسمعش صوتها! بس افتكر إنها هي اللي رمتك، والكل في السوق بيتكلم عن نجاحها دلوقتي ومحدش فاكرك أصلاً!ض.رب رشاد الطاولة بيده بعنف أهتزت له أركان الغرفة، وصرخ فيها:ـ اخرسي!
ماتجبيش سيرتها على لسانك!تركها ودخل غرفته وأغلق الباب وراءه بقوة، وجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه. كلمات نهى الأخيرة أصابت منه مق.تلاً؛ “الكل بيتكلم عن نجاحها ومحدش فاكرك”. أخرج هاتفه مجدداً ونظر إلى صورتها مع جبريل. شعر بغيرة تحرق ضلوعه، ليست فقط غيرة رجل على امرأته السابقة، بل غيرة إنسان فاشل يرى من تركها تصعد إلى القمة بخطوات ثابتة، بينما هو يهبط إلى القاع مع امرأة اختارها بهواه.أدرك رشاد، وهو يستمع إلى صوت بكاء نهى المصطنع في الخارج، أن حبل العلاقة بينهما بدأ يتآكل سريعاً، وأن طيف بشرى ونجاحها الجديد لن يتركا له مجالاً ليعيش بسلام في خياره الخاطئ.
وفي نفس الوقت الذي كانت فيه جدران شقة رشاد تهتز بالمشاحنات، كانت هناك جدران أخرى تشهد ولادة مشاعر من نوع مختلف تماماً.داخل أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل، كان الضوء خافتاً والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الخلفية لتعزل المكان عن صخب القهوة والموقع. كان هذا أول عشاء عمل يجمعهما بعيداً عن المكاتب الخرسانية، لمناقشة التقرير الربع سنوي الأول للمشروع الذي حقق أرقاماً فاقت التوقعات.كانت بشرى تجلس بكامل أناقتها الهادئة، تراجع بعض الأرقام على جهازها اللوحي، بينما كان جبريل يتابعها بنظراته الدقيقة التي لم تعد تخلو من الدفء والاهتمام.



