
أغمضت غادة عينيها للحظة. وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة ستكون بخير. هل تحتاج دخول مستشفى؟ لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء. هزت غادة رأسها بسرعة. ثم سألت السؤال الذي يف.ضح أي شخص عاش ضيق المال طويلًا كم الحساب؟ ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم. ورغم أن البطاقة السوداء داخل حقيبتها تستطيع دفع أضعافه بلا معنى شعرت غادة بانقباض داخل صدرها. الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة. بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد.
ظل ينظر إليه طويلًا. التهاب صدر. طفلة عمرها ست سنوات. ثلاث ليالٍ في محطة باردة. أغلق الهاتف بقوة هذه المرة. ثم وقف فجأة. لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة. أستاذ فهد؟ ألغِ كل اجتماعات اليوم. تفاجأت. لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين قلت ألغيه. لم تجادله. لأنها رأت شيئًا غريبًا على وجهه. توترًا لم تره من قبل. خرج فهد من البرج الزجاجي لأول مرة دون موكب أو سائق. قاد سيارته بنفسه وسط شوارع دبي المزدحمة.
ولم يكن يفهم تمامًا لماذا يفعل ذلك. كان يستطيع تحويل مليون درهم لغادة وينتهي الأمر. هذا ما يفعله عادة. حل سريع. بعيد. بارد. لكن هذه المرة الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط. وصل إلى الفندق الذي ظهرت بياناته في العمليات البنكية. وقف في الاستقبال. أبحث عن السيدة غادة العتيبي. نظر موظف الاستقبال إليه بتوتر فور أن تعرف على وجهه. لحظة أستاذ. بعد دقائق، نزلت غادة وهي تمسك يد ليان. وفور أن رأته، توقف جسدها بالكامل.
كأنها لم تتوقع أبدًا أن يأتي بنفسه. أما ليان فتشبثت بمعطف أمها فورًا. اقترب فهد ببطء. ثم نظر إلى الطفلة. وجهها بدا أفضل قليلًا. لكن الإرهاق ما يزال واضحًا. قال بهدوء كيف هي الآن؟ ترددت غادة قبل الرد. أفضل الحمد لله. ثم أضافت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها أخذتها للطبيبة فقط لأن حرارتها ارتفعت أمس. هز رأسه بهدوء. ثم نظر نحو ليان. هل أنتِ بخير الآن؟ حدقت به الطفلة بصمت طويل.
ثم سألت فجأة أنت الغني؟ تجمدت غادة فورًا. ليان! لكن فهد رفع يده قليلًا. وكاد يبتسم لأول مرة منذ يومين. تقريبًا. ظلت الطفلة تنظر إليه بتركيز طفولي صادق. ثم قالت ماما قالت إنك مو شرير. شعر فهد بشيء غريب يض.رب صد.ره مباشرة. ليس لأنه تأثر بالجملة فقط بل لأنه أدرك أن هذه الطفلة كانت تضع احتمال أن يكون شريرًا أصلًا. وكأن الحياة علمتها ذلك مبكرًا. جلسوا في مقهى هادئ داخل الفندق.
غادة طلبت قهوة عادية فقط. أما ليان، فكانت منشغلة بالأرنب الصغير الذي اشترته بالأمس. راقب فهد طريقة غادة وهي تنظر إلى الأسعار قبل أي طلب. حتى الماء. حتى القهوة. قال فجأة ماذا كنتِ تعملين قبل كل هذا؟ رفعت عينيها نحوه بتردد واضح. ثم قالت كنت موظفة استقبال في عيادة تجميل. لم يتوقع الإجابة. كانت تبدو له كأنها خرجت من سنوات طويلة من الفقر. لكنها أكملت بهدوء كان عندي شقة صغيرة وحياة عادية.
وماذا حدث؟ صمتت للحظات. ونظرها اتجه تلقائيًا نحو ليان. ثم قالت والد ليان تركنا بعد ديون كبيرة باسمه وباسمي. بقي صامتًا. فأكملت حاولت أشتغل أكثر من وظيفة لكن لما مرضت ليان تغيبت كثيرًا وخسرت عملي. قالت الجملة الأخيرة ببساطة مرهقة. بدون محاولة لكسب تعاطفه. وهذا بالضبط ما أربكه. لأن معظم الناس في عالمه يبالغون في شرح معاناتهم عندما يريدون شيئًا. أما غادة فكانت تحكي وكأنها تعبت حتى من الشرح. نظر فهد نحو الطفلة.
كانت تضحك بهدوء مع الأرنب. ثم سأل دون أن يشعر لماذا لم تطلبي مساعدة من أحد؟ ضحكت غادة ضحكة صغيرة بلا فرح. طلبت. ثم سكتت. لكنه فهم أن وراء الكلمة أشياء كثيرة لم تقلها. بعد لحظات، أخرجت شيئًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة. بطاقته السوداء. نظر إليها باستغراب. انتهت الأربع والعشرون ساعة، قالت بهدوء. يمكنكِ الاحتفاظ بها. هزت رأسها فورًا. لا أستطيع. لماذا؟ نظرت نحوه مباشرة لأول مرة منذ جلسوا.
وكان التعب داخل عينيها أعمق من أي شيء آخر. لأنني لا أريد أن أعتاد أن ينقذني أحد. ساد الصمت بينهما. أما ليان فكانت في الخلفية تحاول إلباس الأرنب الصغير كمامتها الطبية الصغيرة وهي تضحك وحدها. أخذ فهد البطاقة من فوق الطاولة ببطء. لكن أصابعه بقيت ثابتة عليها لثوانٍ. لم يكن معتادًا أن يرفض أحد شيئًا يقدمه. خصوصًا عندما يكون ذلك الشيء قادرًا على تغيير حياة كاملة. أما غادة فكانت تنظر إليه بهدوء متعب، وكأنها تحاول حماية آخر جزء بقي لها من نفسها.
قال أخيرًا ليان ما تزال تحتاج مكانًا ترتاح فيه. أعرف. وأنتِ تحتاجين وقتًا حتى تقفي على قدميكِ. خفضت عينيها قليلًا. ثم قالت بصراحة بسيطة الوقت صار أغلى شيء أخاف أخسره. لم يفهم الجملة بالكامل. لكنه شعر بثقلها. بعد نصف ساعة، أوصلتهما سيارة الفندق إلى مبنى صغير في منطقة هادئة بدبي. لم يكن فاخرًا. لكنه نظيف وآمن. وقفت غادة تنظر إلى العمارة بتردد. ما هذا؟ قال فهد بهدوء شقة مفروشة. شهر واحد فقط.

