
—لو أمي وأبويا ض/ربوكي، يبقى أكيد أنتي اللي عملتي حاجة غلط! أنتِ عارفة طبعهم، وأنتِ اللي استفـ,ـزيتيهم لما رفضتي تديهم الفلوس. ده كان أول كلام قاله لي حازم لما دخل عليا الأوضة في قصر العيني. لا قال لي “ألف سلامة”، ولا “سامحيني”. قعد على الكرسي جنب السرير وبص لي وكأني أنا اللي عملت مشكلة ملهاش لازمة ووجعت دماغه!
عشر سنين متجوزين. عشر سنين وانا مستحملة أمه، فوقية، وهي بتتدخل في كل صغيرة وكبيرة.. لبسي، شغلي، حتى الأكل اللي بحطه على السفره. عشر سنين وأبوه، الحاج كامل، يكرر على مسامعي: “بنت الأصول هي اللي تشيل أهل جوزها وما تحسبهاش بالقرش”. وعشر سنين بدم قلب شغلاناتي كحاسبة ومراجعة حسابات بصرف معظم مرتبي عشان أسند البيت اللي في مصر الجديدة، البيت اللي كانوا بيتباهوا بيه قدام الناس إنه عز العيلة وميراثهم!
بس ليلة إمبارح كل حاجة انفجرت.. والسبب كان الميراث. جدتي الله يرحمها كانت متوفـ,ـية من 3 شهور، وسابت لي شهادات استثمار بـ 3.8 مليون جنيه، شقى عمرها كله. قبل ما تمـ,ـوت ماسكة إيدي وقالت لي: — الفلوس دي يا مريم عشان محدش يستقوى عليكِ ولا تضطري تطلبي الحماية من حد. أول ما رجعت من الشغل، لقيت فوقية وكامل قاعدين لي في الصالة. كامل حط قدامي ورق مطبوع لشركة استثمار عقاري في العاصمة الإدارية، وقال لي بمنتهى البساطة إنهم محتاجين 3 مليون جنيه عشان يدخلوا شركاء في المشروع.
رديت بهدوء: “أسفة يا عمي، الفلوس دي مش هتطلع من البنك”. في ثانية، الهدوء ده اتحول لجحيم. بدأت فوقية بالشتيمة، وبعدين شدتي من شعري. كامل ضـ,ـربني بالقلم على وشي. ولما حاولت أبعد عنهم ونزل أدافع عن نفسي، الاتنين هجموا عليا ضـ,ـرب ورزع، وهم بيصرخوا في وشي إن فلوس الست ملك لبيت جوزها وأهله! فاكرة كويس لما وقعت جنب سفرة الصالون.. فاكرة وأنا بغطي بطني بإيديا بحاول أحمي نفسي.. وفاكرة فوقية وهي بتمسك فازة وتقول:
— مش هتنزيلي من الباب ده ولا هتشوفي الشارع غير لما توقعي على الإيصالات وتنزلي تحولي الفلوس! بعدها.. الدنيا اسودت. واحدة جارتنا سمعت الصريخ والصوت العالي وطلبت الإسعاف والشرطة. حازم جه المستشفى تاني يوم. كنت لسه بتمسك بأي أمل خايب، وبقول يمكن لما يشوفني متكسرة ومترمية في المستشفى بالمنظر ده، دموعه تنزل أو يحس بالذنب. بس الموقف طلع أوسخ من كده بكثير. — أبي وأمي مش بلطجية —قالها وهو بيبص لي ببرود—. إيدك أنتِ اللي ناشفة وما بتسمعيش الكلام، وهم إيدهم تقلت عليكِ شوية عشان تتأدبي. اديهم الفلوس وخلي الأيام تفتح صفحة جديدة ونلم الموضوع.
— أنت كنت عارف إنهم هيطلبوا الفلوس دي مني بـ القوة؟ بص للناحية التانية وتهرب من عيني. اللمحة دي كشفت لي كل حاجة. — أنا بس قلت لهم يتكلموا معاكي بالعقل. — ولما كلموك وقالوا لك إنهم ضـ,ـربوني ودخلوني المستشفى؟ قام وقف وعدل بدلتو: — بلاش دراما بقى يا مريم، ارتاحي عشان عندي اجتماع مهم في الشركة! أول ما الباب اتقفل، اتفـ,ـجرت في البكاء. بكيت على الـ 10 سنين اللي ضاعوا من عمري وأنا فاكرة إن التنازل والاستحمال معناه حُب وأصل.
على الساعة اتنين بالليل، مسكت التليفون وطلبت دانيال، زميلي من أيام كلية التجارة، بس هو كمل حقوق وبقى محامي شاطر جداً. — دانيال.. أنا محتاجة أخرج من هنا من غير ما يعرفوا طريق ليا.. وعايزة أرفع قضايا وأعمل بلاغ رسمى.
وحكيت له على حاجة حازم وأهله كانوا فاكرين إنها اتنست خالص: من خمس سنين، لما كامل كان هيتسجن وبيت مصر الجديدة هيتباع في المزاد العلني بسبب قروض وتسهيلات بنكية عجز عن سدادها، أنا اللي دفعت الفلوس كلها وخلصت الدين. ومعايا كل التحويلات البنكية، وإيميلات البنك، ومعايا عقد اتفاق موقع ومبصوم منه هو شخصياً بيقر فيه بإنه مديون ليا بالمبلغ ده ورهن لي البيت ضمان للفلوس! دانيال جه المستشفى قبل الفجر. عملنا المحاضر، وطلبنا عدم تعرض ومحضر عدم تعدي، وأخدنا التقرير الطبي الكامل اللي بيثبت الإصابات، وقدمنا بلاغ في النيابة بتهمة ضـ,ـرب وأحداث عاهة والشروع في السرقة بالإكراه.
قبل ما يمشي، فتح اللابتوب بتاعه وبص لي وقال: — مريم.. المشكلة مش بس في بيت مصر الجديدة ولا في الفلوس اللي خدها منك زمان. في كشف الحساب والتحويلات القديمة الخاصة بـ قرض كامل، ظهر اسم شركة استيراد وتصدير.. أنا كـ مراجعة حسابات عارفة الشركة دي كويس جداً! دي الشركة الوحيدة اللي بتورد خامات للشركة الكبيرة اللي حازم شغال فيها مدير مبيعات. والصدمة؟ إن صاحب الحساب والشركة دي.. هو ابن عم حازم وسره مع أبوه!
ساعتها عرفت إن اللي جاي مش مجرد قضايا ضـ,ـرب.. ده فيه كـ,ـارثة وتزويـ,ـر واختـ,ـلاسات هتطير رقابهم كلهم. في الصباح الباكر، نقلني دانيال لـ مستشفى خاص في التجمع الخامس عشان أكون في أمان، وفي نفس الوقت كانت النيابة بتستكمل أخذ أقوالي وسماع شهادتي.
