روايات

حكاية امي حكايات زهرة حصري

قعدت تحت رجليها، حضنت ركبتها وبكيت… بكيت بكاء عمره ما خرج مني. كنت حاسة إن الجبل اللي شايلته بقالي 10 سنين وقع فوق دماغي وفرمني. أخويا اللي كنت بحلم باليوم اللي ألاقيه عشان يرجع الروح لأمي… رجع هو عزرائيل اللي جاي يقبض روحها! الليل جه، والمستشفى بقت زي المقبرة. النور العالي طفى، وفاضل بس النور الصفيح بتاع الممرات. المدير والأطباء مشيوا، ومفاضلش غير أطقم التمريض اللي بتنام على الكراسي. أنا ما مشيتش. استخبيت في الحمام لحد ما الهدوء حل، وطلعت أتسلل على صوابع رجليا لحد أوضة أمي.

فتحت الباب بالراحة. أمي           كانت نايمة، أو بمعنى أصح غايبة عن الوع,ي من أثر الأدوية. قعدت جنبها على الأرض، مسكت إيدها المكمشة اللي فيها آثار الكانولا، وبستها. سامحيني يا أمي… أنا السبب. أنا اللي تمنيت يرجع… كنت فاكرة إنه هيكون السند، طلع السك,ين اللي طعننا في ظهرنا. بس والله ,ا هخليه يكمل… والله ما هسيبه يقت,لك حت,ة حتة.

فتحت شنطتي، وطلعت منها ملف قديم… ملف أنا كنت محتفظة بيه بقالي سنين. الملف ده كان فيه صور قديمة لأمي وهي صبية، ورسائل كانت كاتباها لأبوها بتترجاه فيها يرجعلك ابنها، وشهاد,ة طبية قديمة من أول مستشفى دخلتها لما اتجننت، مكتوب فيها نصاً المريضة تعاني من صد,مة نفسية حادة ونوبة ذهان إثر فقدان طفلها ,الرضيع قسراً.

وكان فيه حاجة تانية… حاجة الجدة الله يرحمها أدتهالي قبل ما تموت. ورقة صغيرة، بقط حبر دبلان، كتبها عم علي بنفسه لجدته زمان لما كان مسافر، بيكتبلها فيها الولد معايا، وكل ما يكبر هفهمه إن أمه رمته عشان يفضل يكرهها وما يفكرش يرجع يطالب ببيت أبوه ولا أرضه… الورث بقى بتاعنا خلاص والبت دي مش هتشوف منه مليم ولا هتشوف ابنها تاني. الجدة كانت خايفة تطلع الورقة دي وأخوها حارس، بس أدتهالي وأنا صغيرة وقالتلي لو الزمان دار واقتبلتم… وريها لعلي.

أخدت الملف في إيدي، ومشي بخطوات تقيلة في الممرات لحد ما وصلت لأوضة الأطباء المقيمين. النور كان شغال تحت الباب. فتحت الباب من غير ما أخبط. علي كان قاعد على المكتب، قالع الجاكيت الأبيض، حاطط راسه بين إيديه، ومسكات شاي دافية جنب منه. كان شكله تعبان…   الملامح الشديدة القاسية كانت مطفية شوية في العتمة، وكان باين عليه إنه مش مرتاح. رفع راسه لما سمع الباب، وعينيه اتملت غض,ب أول ما شافني

أنت لسه هنا؟! أنا مش أمرت إن المواعيد تخلص والأقارب يمشوا؟ إزاي الأمن سابك؟ ما ردتش عليه بكلام. مشيت بهدوء، وحطيت الملف القديم على المكتب قدامه… حطيته بفرقعة هزت الفنجان. إيه ده؟ قالها باستخفاف. ده ملف المحاكمة… المحاكمة اللي أنت نصبتها لأمك من غير ما تسمع غير القاضي اللي ظلمها. أنا مش فاضي للهبل ده…

افتحه! صر,خت فيها بنبرة خلت ج,سمه يقش,عر. افتحه يا دكتور يا متعلم! يا بتاع الأرقام والحقائق! افتح وشوف الورث اللي عمك أخد تمنه… شوف خط إيد عمك وهو بيعترف إنه ربك على الكره عشان ما تطالبش بحقك وحق أبوك! شوف رسائل أمك اللي كانت بتستجدى فيها أهلها عشان بس يخليك تنام في حضنها ليلة واحدة! علي بص للورق، وحاول يعمل نفسه مش مه,تم، بس عينيه راحت غصب عنه على الورقة الأصفر القديمة… خط جده وعمه كان عارفه كويس.

إيده اترعشت وهو بيمدها وياخد الورقة. بدأ يقرأ… وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور. وجهه بدأ يتغير… من البرود والغضب، للذهول، وبعدين للصفرار… كل نقطة د,و,و,م في وش حربت وهربت. ده… ده مش خط عمي… قالها بصوت طالع بالعافية، بس نبرة الشك كانت مالية كلامه. خط عمك… وأنت عارف خطه كويس! جدتك الله يرحمها هي اللي إدتها,لي… أدتهالي وهي بتبكي وتقولي حفيظة مظلومة يا بنتي، ابنها اتربى على السم. أمك ما باعتكش يا علي… أمك اتشدت من شعرها في الشارع يوم جنازة

أبوك، وأنت أتاخدت من حضنها وهي عندها عشرين سنة! أبوها حلف ما تفضل في بيته، وجوزها لأبويا غصب… وأبويا كان بيموتها ضرب كل ما تنادي باسمك! أمك اتجننت عشانك! كانت بتجيب العيش تحط عليه شمعة وتغنيلك في عيد ميلادك وهي بتكلم الهواء! كانت تفتكرك جائع فتحط الأكل في بقها وتبكيه! علي مسك الورقة، وإيده بقت تتفض زي الورقة الشجر في العاصفة. فتح الملف، شاف الصور… صور أمه وهي شابة صغيرة، ماسكاه في حض,نها وبتبتسم ابتسامة صافية، وصورة تانية لها وهي مكسورة، وشها مليان لطم ودموع.

شاف الشهادات الطبية… التاريخ من 24 سنة! يعني من بعد ما أتاخد منها بسنة واحدة! لا… لا… عمي قال لي… صوت علي كان بيم,,وت، كان بيتق,و,طع. عمك خدعك! قربت منه وحطيت إيدي على المكتب، وبصيت في عينيه بكسرة وغضب عمك ربى جواك غول عشان يغطى على س,رقته لأرض أبوك! خليك تكره الوحيدة اللي كانت مستعدة تفديك بروحها! وأنت جيت… بعد 30 سنة… بدال ما تداوي جرحها، جيت تكهرب دماغها! جيت تمسح اللي فاضل من ذكرياتها عنك! أنت عملت إيه يا علي؟! أنت كملت على اللي عمله عمك فيها!

علي قام وقف مرة واحدة، الكرسي وقع وراه بظهيرة عالية. مسك الورق في إيده وضمها على صدره كأنه خايف يروح منه، عينيه اتملت بالدموع… دموع قاسية طلعت بالعافية من راجل بقاله 30 سنة مقسي قلبه. أنا… أنا افتكرت… بص لإيديه اللي كانت من شوية بتظبط جهاز الكهرباء، وحس بانه,,يار كامل… الجبل اللي بناه على الكره والطموح والانتق,ام انهد فوق راسه في ثانية واحدة. جري برة الأوضة زي المجنون. .. خطواته كانت متلخبطة، بياكل الأرض أكل، وأنا بجري وراه.

وصل لأوضة أمي، فتح الباب ودخل. أمي كانت لسه مرمية على السرير، النفس طالع نازل بالعافية، ووشها باهت تماماً. علي قرب منها بخطوات مكسورة… الدكتور العظيم، الخبير العالمي، طاح على ركبه جنب السرير… نزل كبريائه كله تحت رجليها. مسك إيدها الباردة، وحطها على وشه، وبدأ يبكي… بكاء هيستيري، صوت شهقاته كانت بتهز الأوضة كلها أمي… أمي رد عليا… أنا علي… أنا علي يا أمي… أمي ما اتحركتش… عينيها بصلته بجمود، النظرة الميتة اللي سابهالها جهاز الكهرباء.

حط راسه في حضنها، وبقى يبوس إيديها ورجليها ويهزها سامحيني… والله ما كنت اعرف… ق,تلوكي جوايا وخلوني أق,تلك… رد عليا يا أمي، اصر,خي فيا، اضر,بيني، بس ما تبصيليش كده… أنا علي ابنك اللي كنت بتعمليله شمعة في عيد ميلاده… أنا علي اللي كنت بتناديله… بس أمي كانت في عالم تاني… الكهرباء اللي أداهالها بدافع الانتقام، مسحت الشفيرة الأخيرة اللي كانت فاضلة في عقلاها… الشفيرة اللي كانت شايلة اسمه.

علي بقى يصرخ ويضرب راسه في حرف السرير الحديد، ودموعه نازلة على ملائة السرير المقطعة. الدكتور اللي جه ينتقم، اكتشف إنه ق,تل أمه بإيده مرتين… مرة لما صدق الكدبة، ومرة لما طفى النور اللي كان فاضل في عينيها. وقفت عند الباب، بتفرج عليه وهو بيموت ألف مرة في الدقيقة. الحقيقة رجعت… بس رجعت متاخرة أوي. رجعت بعد ما الجرح ما بقاش ينفع معاه علاج، وبعد ما علي بقى هو السجين الحقيقي في المس,تشفى دي… سجين ذنبه اللي مش هيتمحي العمر كله.

 

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى