
اتجوزت جوز اختي ابني اتجوز معايا في بيت المرحوم ابوه ، ومع ولادة اول طفل ليه قالي البيت مش مكفينا وانه عايز يعمل اوضتي لطفله علشان اهل مراته جاين للسبوع وعايزه تفرجهم على اوضة ابنها ، وقتها سكت واللي عملته كان اقوى من اي كلام
اللي طلعت بيه من الدنيا هو أحمد.. ابني الوحيد، نني عيني اللي كنت بشوف بيه الدنيا. لما أبوه مـ,ـات وسابنا من سنين طويلة، كنت لسه صبية، بس قفلت على نفسي وعشت ليه هو وبس. قولت مش عايزة راجل يدخل علينا، ولا عايزة كسر خاطر لابني. عشنا أيام صعبة في بيتنا القديم، بيت كان متهالك، السقف بتاعه مع كل شتوة كان بينزل علينا مطر، والغبار كان بيملى علينا الأوضة، وكنا بننام وأنا حاضناه وخايفة السقف يقع في أي لحظة. أبوه الله يرحمه شقى وتعب وطفح الدم عشان يجيبلنا الشقة دي..
أوضتين وصالة ومطبخ وحمام، بس في حتة نضيفة، حتة تسترنا وتخلينا نقف على رجلينا. لما أحمد كبر وخلص علمه، وجه يتجوز، قالي يا أمي، بدل ما أدفع إيجار وأتبهدل وأبقى بعيد عنك، أنا هاخد أوضة ل مراتي، وأنتي أوضة، ولما ربنا يفرجها عليا هشتري بيت كبير وننقل فيه كلنا سوا.. أنا مأقدرش أسيبك. ياااااه.. ساعتها الدنيا مكنتش سايعاني من الفرحة، قولت ابني بار بيا، ابني مش عايز يسيبني لوحدي بعد
العمر ده كله. وافقت وعينيا مليانة دموع فرحة. بس الفرحة مكملتش.. من أول ما نسايبه وأهل مراته جم شافوا الشقة، وشوشهم اتقلبت. كانوا باصين للمكان بقرف، وشايفين إن بنتهم كده مش هتبقى على راحتها، وإن الشقة ضيقة ومش مقامهم. الجوازة تمت، بس من أول يوم والنكد دخل البيت. أحمد مبقاش أحمد اللي أعرفه.. بقيت المح في عينيه نظرة ضيق، وبقى كل شوية يلمح البيت ضيق يا أمي.. البيت مش مكفي. كنت بطبطب عليه وأقوله معلش يا حبيبي، بكرة ربنا يفرجها وتشتري البيت الكبير اللي قولتلي عليه، وننقل كلنا. كان يسكت وميردش.
المصيبة الكبيرة بقى حلت لما مراته ولدت أول طفل.. حفيدي البكري، اللي كنت فاكرة إنه هيملى عليا الدنيا بهجة. دخل عليا أحمد الأوضة، ووشه باين عليه الحرج، بس حرج ممزوج بجحود. قالي يا ماما.. عايز أفاتحك في موضوع. قولتله خير يا بني؟. قالي أصل أخت مراتي عاملة أوضة بيبي كاملة لابنها ومجهزاها على سنجة عشر.. ومراتي هتمـ,ـوت وتعمل زي أختها.. نسايبي جايين في السبوع بكرة، وميردكيش ييجوا يلاقوني أقل من جوز أختها التانية، والواد ملوش أوضة يفرحوا بيها!.
أنا بلمت.. قولتله بكسرة نفس وأنا في إيدي إيه طيب يا ابني؟ العين بصيرة واليد قصيرة، وهما عارفين وضعنا من الأول يا بني، وإحنا ممديناش رجلينا أكتر من لحافنا. بصلي ببرود وقالي بصراحة كده يا أمي.. البيت بقى يزهق ومفيش مكان، وأنا شايف إنك ترجعي تقعدي في بيتنا القديم.. وأنا كل شوية هبقى آجي أطل عليكي وأشوفك محتاجة إيه. أنا حسيت كأن قلم نزل على وشي. جسمي كله اتنفض. قولتله القديم إزاي يا أحمد؟! ده البيت بايظ، المطر والغبار بينزلوا فوق دماغنا هناك، والحيطان مشروخة وممكن يقع في أي وقت! عايز ترمي أمك هناك؟.
رد عليا من غير ما يتهز لا يا ماما.. البيت زي الفل ومفهوش حاجة، أنتي بس اللي خوافة وبتكبري المواضيع. النار قادت في صدري، قولتله بضيق وكسرة طب طالما البيت القديم حلو وزي الفل وينفع للسكنة، خد مراتك وابنك وروحه اعدوا فيه أنتوا!. وشه احمر وعروقه ظهرت وزعق فيا بغضب يا ماما متصغرنيش قدام مراتي! أنا وعدتها إني هحل الموضوع ده.. وبعدين ده بيت أبويا أنا كمان! وأنتي دلوقتي مالك ومال البيوت؟ أنتي خلاص رجلك والقبر! حرام عليكي تخنقيني وتوقفي في طريق مستقبلي ومستقبل ابني!.
أنتي رجلك والقبر..! الكلمة دي نزلت على ودني كأنها رصاصة اخترقت قلبي. الدنيا لفت بيا.. أحمد؟ ابني؟ اللي سهرت عليه الليالي؟ اللي كنت بشيل اللقمة من بقي عشان ياكلها؟ بيقولي أنتي خلاص مكانك القبر؟ دموعي اتجمدت في عينيا، وحسيت بنشفان ريق غريب. ملقيتش كلام أقوله.. الكلام مات جوايا. بصيتله بكسرة وقولتله بصوت واطي حاضر يا أحمد.. حاضر يا بني.. اللي تشوفه.
دخلت أوضتي.. الأوضة اللي فيها ريحة ذكرياتي، ريحة جوزي الله يرحمه، وطفولة ابني. قعدت على السرير وبصيت حواليا.. قولت لنفسي بقى دي النهاية؟. مسكت الشنط وبدأت ألم هدومي.. ألم حتتين القماش اللي حيلتي من الدنيا. فضيت الدولاب، وفضيت الكومودينو، ومسحت كل أثر ليا في الأوضة عشان يفرح بمراته ونسايبه، وعشان تطلع أوضة البيبي زي ما هما عايزين. وهو متكسفش على دمه جاب رجاله وبدأ يفضي الأوضة من كل حاجة.. السرير، الدولاب، .. كل حاجة خرجت برة و الأوضة بقت على البلاط عشان يعمل فيها السبوع بكرة ويفرشها لابنه
بس وانا خارجه سبتله علبه صغيره جمب الستاره ومشيت اما هو ومراته كانو في قمة سعادتهم فرشو الاوضه وزينوها ومخدوش بالهم للعلبه الصغيره اللي سبتها تاني يوم كانو فرحانين بسبوع الولد وكان احمد بيرنلي كتير علشان اجي احضره ابتسمت بقهر وانا بشوف اسمه على الشاشه ..كنت كتباه ..سندي صدق اللي قال مفيش سند غير ربنا رديت عليه بعد الحاح سمعت الدوشه والضحك حواليه وهو بيقول بصوت واطي….انتي فين يا امي كل ده انتي
زعلتي ولا ايه يلا بلاش دلع اقول للناس ايه امي مش حاضره سبوع ابني قولتله بجفا عمري ما تخيلت يطلع مني قولهم امي تعبانه…انا مش جايه….بس سبت لحفيدي هدية سبوعه جمب الستاره شوفها هتعجبك وقفلت قبل ما يرد احمد بص لنسايبه بتوتر وقال…معلش بقى امي تعبانه بس منسيتش حفيدها قالت هديته مفاجأه جمب الستاره مراته قالت بفرحه…اكيد حتت دهب اصل الوليه دي…قصدي حماتي عندها. دهب من القديم الغالي احمد جري جاب العلبه وبص لمراته وقال…عفريته انتي شكلها دهب فعلا وفتح العلبه قدام نسايبه
بس اتجمد مكانه في لحظتها اللي جواها مكانش دهب.. كانت حاجة كفيلة تخليه يتقيد في مكانه، وتخلي مراته وأهلها يتجمدوا من الرعب والصدمة!!!! إيد أحمد كانت بتترعش وهو بيفتح العلبة، وعينين مراته وحماته وأحرازهم كلها مبرقة، مستنيين يشوفوا أطقم الذهب القديمة، الذهب البندقي اللي مبيتعوضش. فتح العلبة.. ملقاش فيها غويشة ولا خاتم. لقى فيها رزمة ورق سميكة، شهادات بنكية، عقود، وجنبهم ورقة مطبقة بعناية، مكتوبة بخط إيد أمه.. الخط اللي كان عارفه كويس، خط حنين بس الحبر بتاعه كان باين فيه قسوة الوجع.
أحمد سحب الورقة ووشه بدأ يتغير، ملامحه اتقلبت من الفرحة والفضول لذهول حقيقي. مراته قربت منه وبصت في العلبة وقالت ببرود واستهزاء إيه ده؟ هي أمك سايبالك ورق؟ إيه الهدية دي؟ فين الذهب اللي بتقول عليه؟ أحمد مردش عليها.. كان مركز في الكلمات المكتوبة.. الكلمات اللي كانت بتنزل على قلبه زي مية نار بتكوي جحوده. إلى ابني أحمد.. نني عيني اللي اتعميت بيه عن الدنيا.
بكتبلك الورقة دي وأنا قاعدة في الأوضة القديمة، الأوضة اللي المطر بينزل فيها على دماغي، والغبار بيملى صدري، الأوضة اللي قولتلي إنها حلوة وزي الفل وإني بطلّع فيها قطط فطسة وبكبر المواضيع. أنا مش زعلانة منك يا أحمد.. أنا زعلانة على نفسي، زعلانة على العمر اللي ضاع وأنا فاكرة إني ساندة ضهري على راجل، مكنتش أعرف إني ساندة على حيطة مايلة، حيطة هدت فوق دماغي في أول هبة ريح.
أنت قولتلي إني رجلي والقبر.. وصح، عندك حق، أنا فعلاً كبرت ومبقاش فاضل في عمري قد اللي فات. بس اللي أنت متعرفوش يا أحمد، إن اللي رجلها والقبر دي، كانت شايلالك مفاجأة تفرّح قلبك وتخليك سيد الناس كلهم. الورق اللي في إيدك ده..
الورق اللي في إيدك ده.. ده شهادات بنكية وعقود استلام تعويض بأكتر من خمسة مليون جنيه! أيوا.. خمسة مليون جنيه يا أحمد. أرض جدي الله يرحمه في البلد، اللي كانت عليها مشاكل وقضايا من سنين طويلة، الحكومة خادتها للمنفعة العامة ونزل ليها تعويض ضخم جداً، وبصفتي الوريثة الوحيدة لأبويا، الفلوس دي كلها نزلت في حسابي من كام أسبوع بس.
تعرف أنا عملت إيه أول ما استلمت الفلوس؟ بكيت.. بكيت من الفرحة وقولت بكرة السبوع بتاع ابنه، أنا هروح البنك وأسحب الفلوس كلها، وأحطها في علبة قطيفة، وأدخل عليه وسط نسايبه وأهل مراته، وأقوله خد يا أحمد يا حبيبي.. خد يا سندي.. عيش واتهنى أنت ومراتك وابنك، اشتري البيت الكبير اللي نفسك فيه، وارفع راسك قدام الدنيا كلها وطير بفرحتك. كنت ناوية أتنازلك عن كل مليم، لأني مكنتش عايزة من الدنيا غير إني أشوفك مبسوط، وأمـ,ـوت وأنا مطمنة إنك مش محتاج لحد.
الحقيقة الصادمة الشقة المزيونة أحمد رجله مكنتش شايلاه، بدأ يتنفس بصعوبة، وعينيه زغللت وهو بيكمل قراية.. مراته لاحظت شكله، سحبت منه الورق التاني اللي في العلبة، وبدأت تقرأ العقود، وفجأة صرخت بصوت هز الشقة يا نهار أسود!! إيه ده يا أحمد؟! أحمد ساب مراته ورجع يبص في الرسالة، يقرأ السطور اللي جاية اللي كانت الصدمة الأكبر فيها بس أنت متستاهلش يا أحمد.. متستاهلش جنيه واحد من الفلوس دي حلال عليك الشقة اللي أنت كنت مبسوط بيها وفرحان ومقعد مراتك فيها ومستقوي بيها عليا.. بس خدي المفاجأة بقى يا ابن عمري الشقة دي مش ملكنا!
أبوك الله يرحمه لما جاب الشقة دي، مكانش معاه تمنها كاش، فعمل عقد إيجار محدد المدة، عقد مدته عشر سنين بنظام الإيجار القديم المؤقت، ودفع مبلغ كبير مقدم عشان الإيجار يبقى بسيط. العقد ده يا أحمد قرب يخلص.. فاضل فيه بالظبط ست شهور، وصاحب البيت القديم كلمني من شهر وقالي إنه مش هيجدد وعايز شقته عشان يجوز ابنه فيها! أنا كنت شايلة الهم، وكنت ناوية بالفلوس التعويض دي أشتري الشقة دي كاش من صاحبها أو أشتريلك فيلا في حتة نضيفة.. بس أنت مستنيتش.. استعجلت ورميتني، وكنت عايز تخلص مني وتوديني للمـ,ـوت بأيدك عشان خاطر أوضة بيبي تتباهى بيها قدام نسايبك.




