روايات

أنا متجوز ومخلف اتنين

سكتت، وصوت نَفَسها السريع كان هو الصوت الوحيد اللي بيشق صمت الشقة القاتل. حاولت أقف، ركبي كانت بتخبط في بعضها زي العيل الصغير، مديت إيدي عشان ألمس طرف عبايتها، أترجاها، بس رجعت خطوتين لورا بقرف كأنها شافت حشرة سامة. “اسمعيني بس يا أم العيال.. وحياة عيالنا اسمعيني، أنا استاهل الحــ,,ـــــرق، استاهل كل كلمة قولتيها، بس متخربيش البيت.. العيال ذنبهم إيه؟ أنا غلطت وروحي كانت في إيدي الليلة، دبريني!” ضحكت.. ضحكة مكتومة، طالعة من قاع قلب محروق، وهزت راسها بأسى:

“العيال؟! دلوقتي افتكرت العيال؟! وإنت رايح تدفع شقاهم شبكة للعروسة الجديدة كنت فاكرهم؟ وإنت بتكدب عليا وتقولي مصلحة شغل، مكنتش خايف عليهم؟ البيت ده اتخرب بالدقيقة اللي حطيت فيها إيدك في إيد أبوها، مش دلوقتي لما الحبل التف حوالين رقبتك!” شاورت بإيدها على باب الشقة، إيدها مكنتش بتترعش، كانت ثابتة بقوة عمري ما شفتها فيها طول سنين جوازنا:

“الباب اللي دخلت منه ده، تخرج منه حالاً. مش هتبات هنا دقيقة واحدة، ولا هتدخل على ولادي وإنت شايل ريحة الخيانة وخراب البيوت وراك. المحامي بتاعي هيتواصل معاك، والقرش اللي كان رايح للحقن المستوردة، هتدفعه غصب عنك نفقة ومصاريف للعيال اللي افتكرتهم على باب المصحة!” لفت ضهرها ومشيت ناحية أوضة الولاد، قبل ما تفتح الباب التفتت وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش حتى غضب.. كان فيها فراغ موحش، فراغ بيقول إن الراجل اللي كان مالي عينها مات ومبقاش له أثر. دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء تام، حتى مسمعتش صوت طقّة الترباس، كانت قفلة قاطعة، قفلة نهاية.

فضلت واقف لوحدي في الصالة، الهوا بارد، ريحة البيت اللي كان أماني بتخنقني، والموبايل في جيبي رن فجأة.. طلعته بإيد مرتعشة، لقيت رقم المستشفى بينور الشاشة، والممرض أو الدكتور هناك مستني يعرف: هيتصرفوا إزاي في الكارثة اللي متسجلة باسمي؟ رجعت لورا خطوة، سحبت أكرّة الباب وخرجت للسلم وأنا حاسس إني عريان، خسرت كل حاجة في ليلة واحدة؛ مراتي، بيتي، احترامي لنفسي.. وبقيت خارج للشارع أواجه جحيم أنا اللي بنيته طوبة طوبة بطمعي وسذاجتي.

قفلت الباب ونزلت السلالم وأنا مش شايف قدامي، الدم كان بيغلي في عروقي لدرجة الودان اللي بتصفر. الخزي اللي حسيت بيه قدام مراتي اتحول في ثانية لنــ,,ـــــار غضب عامية، نــ,,ـــــار مش هتبرد غير لما أطربقها على دماغ النصابين اللي دمروا حياتي. ركبت عربيتي وسوقت زي المجنون على الطريق الزراعي، دايس بنزين على آخره، وعيني مش شايفة غير وش أبوها وهو بيتمسكن في كتب الكتاب، وصاحبي اللي رماني في المحــ,,ـــــرقة دي عشان يخلّص نسايبه من بلوتهم.

وصلت بلدهم مع أذان الفجر، البلد كانت لسه نايمة في سكون يغيظ، وأنا نازل من العربية أرزع الباب ورايا. مشيت بخطوات واسعة لحد ما وقفت قدام بيتهم، وبدل ما أخبط بالراحة، فضلت أضــ,,ـــــرب بإيديا ورجليا على الباب الخشب ضــ,,ـــــربات كانت كفيلة تكسره في ثواني، وصوتي طالع يعلّي على أذان الفجر في الحارة: “افتح يا حاج صالح! افتح يا غشاش يا نصاب.. افتح بدل ما أهد البيت ده على نفوخك ونفوخ عيلتك!”

الكلاب بدأت تهوهو في الحارة، وشبابيك البيوت اللي جمبهم اتفتحت، وجيرانهم بدأوا يطلوا بروسهم مستغربين الدوشة. شوية وصوت تكات الترباس اتسمعت، والباب اتفتح وطلع منه أبوها، لابس جلابيته وبيفرك في عينه، ووراه صاحبي اللي طلع بايت عندهم! أول ما شفت وش صاحبي، الشياطين كلها نطت في وشي، هجمت عليه زي الطور الهايج وجبته من تلابيب جلابيته لزقته في الحيطة: “بقى إنت يا واطي؟! إنت يا ابن الحرام تلبسني في قنبلة موقوتة عشان تخلص قرايبك؟! مريضة شيزوفرينيا ومحجوزة في مستشفى مجانين وعايزة ت.ني تلبسوهالي وتقولولي فلقة قمر وستر وغطا؟!”

صاحبي اتفاجئ وحاول يفك إيدي بصعوبة وهو وشه محتقن، أما أبوها فبدل ما ينكسف أو يخاف من الفضيحة وسط الجيران اللي بدأوا يتجمعوا، لقيته بيرجع خطوة لورا ووشه بيتقلب لبرود وتبجح يقهر: “نزل إيدك يا بني أدم إنت.. إنت فاكر نفسك داخل على ناس ملهاش ضهر ولا إيه؟ بنتي مفيهاش حاجة، بنتي سليمة وزي الفل، والكل عارف إنها بتجيلها خنقة وعصبية شوية من الحسد، ودكتور المستشفى اللي إنت مروحها له ده بيكبر الحكاية عشان يقلّب في فلوس!”

“فلوس وخنقة؟!” زعقت فيها لدرجة إن صوتي اتشرخ وأنا بطلع تقرير المستشفى من جيبي وبرميه في وشه وسط الناس: “بنتك شيزوفرينيا رسمي ومسجلة في المصحة بقالها شهور ومقطوع علاجها يا نصابين! كانت هتدبحني الليلة دي في الشقة، والبوليس والاسعاف اللي لحقوني منها! أنتوا بعتوهالي غش وتدليس عشان تشيلوني مصاريفها وتخلصوا من عارها!” أبوها داس على الورقة بجزمته، ورفع صباعه في وشي بنبرة كلها تهديد ومكر:

“صوتك ده ميعلاش هنا في بلدنا، والورقة دي تبلها وتشرب ميتها.. إنت دخلت برجلك وطلبت القرب، وكتبت الكتاب برضاك ودخلت بيها، يعني بنتي في عصمتك وشايلها لحم ودم وقانون.. وكلمة زيادة في حقها ولا محاولة إنك ترميها، قسماً بالله ما هتخرج من المركز ده سليم، وحق بنتي هناخده منك تالت ومتلت بالقانون وعُرف البلد!”

انت في الصفحة 3 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى