
الكلمات نزلت عليا زي جردل مية تلج.. اتلجمت مكاني وأنا شايف التبجح في عين الراجل، وصاحبي اللي نفض هدومه ووقف جمب حماه بيعدل ياقته وعينه مكسورة بس مليانة غدر، الجيران حوالينا اتلموا، عينهم عليا بغضب وعصبية بلديات؛ مش فارق معاهم تقرير مستشفى ولا غش وتدليس، فارق معاهم غريب واقف يزعق ويفضح بنت بلدهم على باب دارها. “حق إيه اللي تاخده مني؟!” صوتي طلع مبحوح ومخنوق من كتر القهر، “دي سرقة ونصب.. جواز باطل ومبني على غش، هرفع عليكم ق.ضية تدليس وهسجــ,,ـــــنك إنت وهو، ومش دافع مليم لا في علاج ولا في غيره!”
صاحبي قرب مني نص خطوة، ووطى صوته بفحيح أفعى وهو باصص في الأرض: “ارقع بالصوت واعمل اللي تعمله يا صاحبي.. الورق في إيدك روح بيه النيابة، بس عما تثبت الغش وتلف في المحاكم سنين، هتكون البنت محبوسة في المستشفى بتهمة محاولة شروع في .ك وإنت ملزم بنفقتها وعلاجها قانوناً، وأبوها هيطالب بمؤخرها وقايمتها اللي ماضيلهم عليها على بياض، ولا نسيت الوصلات اللي مضيتها يوم كتب الكتاب عشان ترضيهم؟ فوق.. إنت داخل المصيدة برجليك، وعيالك اللي سبتهم في القاهرة أولى بالقرشين اللي هتدور تصرفهم على المحاكم وفضايحك!”
الدم هرب من وشي لما فكرت في وصولات الأمانة اللي كنت ماضي عليها بغبائي وعمايا يوم الفرح، الورق اللي كتبته عشان “أطمن قلب أبوها” زي ما صاحبي قالي وقتها! حسيت بقلبي بيسقط في رجليه، أنا مش بس ضيعت مراتي وبيتي.. أنا سلمت رقبتي لعصابة محترفة، قانونياً أنا الزوج المسؤول، ولو سيبتها في المستشفى ومصرفتش عليها ممكن يلفقوا ليا إهمال أو يطالبوني بمؤخر وقايمة تكسر ضهري وتسجــ,,ـــــنني. أبوها شاوره لشباب من عيلته كانوا بدأوا يقربوا، وقال بنبرة قاطعة فيها كل معاني التهديد:
“تركب عربيتك وتغور من هنا، تروح تدبر علاج بنتي وتصرف عليها بالتي هي أحسن.. بنتنا على ذمتك، وأي تقصير منك، قسماً برب العزة ما هيكون ليك مطرح أمان لا في شغلك ولا في بيتك اللي في البندر.. يلا يا رجالة فضوا الليلة!” رجعت لورا خطوة خطوة، والرجالة حواليا بيحاصروني بعيونهم، كل خطوة كانت بتدوس على كرامتي وتفكرني بإن اللي يبيع بيته وأصله عشان سراب، يستاهل يتداس بالجزم. ركبت العربية وإيدي بترتعش لدرجة إني معرفتش أحط المفتاح في الكونتاكت من أول مرة.. دورت ومشيت، سيبت بلدهم ورايا والشمس بتبدأ تشقشق، بس الدنيا كلها في عيني كانت سواد مالوش آخر.
الطريق راجع للقاهرة كان طويل تليفوني رن تاني، بصيت في الشاشة لقيت رقم المحامي بتاع مراتي.. أم ولادي.. الرنة دي كانت مسمار أخير في نعش حياتي؛ من ورايا بيت بيطالب بحق ولاده وبيتهد، ومن قدامي عصابة رابطة رقبتي بوصلات ومريضة محتاجة ألوفات عشان مت.ش، وأنا في النص.. غرقان في قاع بير ماليش منه مخرج. ركنت العربية على يمين الطريق الزراعي بعد ما سبت بلدهم بكام كيلو. طفيت المــ,,ـــــوتور وسندت راسي على الدريكسيون، وصوت تزييق التليفون في التابلوه مش راضي يقف. بصيت لرقم محامي مراتي وهو بينور ويطفي.. الرنة فصلت، وبعد ثواني معدودة جالي إشعار رسالة منه:
“أستاذ فلان، المدام وكلتني رسمياً لرفع دعوى طلاق للضرر وحبس لنفقة الصغار، ومطالب بحقوقها الشرعية بالكامل وقائمة المنقولات.. ياريت نتواصل للحل الودي تجنباً للمحاضر والنيابة.” الرسالة كانت كفيلة تلجم أي ذرة تفكير باقية في نفوخي. رفعت راسي وبصيت لنفسي في مراية العربية؛ وشي شاحب، عيني مدممة، وذقني نابتة زي المتشردين. في ظرف أربع وعشرين ساعة، اتحولت من زوج مستقر وأب محترم، لواحد هربان من أهل مراته التانية ومهدد بالحبس، ومطرود من بيته ومراته الأولى بتجره في المحاكم.
مسكت التليفون وطلبت رقم صاحبي تاني، يمكن.. يمكن لما نكون لوحدنا من غير حماه يحس بذنب، أو يفتكر عيش وملح سنين. التليفون رن مرتين وبعدين إداني “مشغول”، جربت تاني لقيته قفل الخط وعملي بلوك! ضحكت بهستيريا وأنا بضــ,,ـــــرب الدريكسيون بقبــ,,ـــــضة إيدي لحد ما جلدي اتجرح: “يا رخيص.. بعتني برخيص يا ابن الإيه!” فتحت التابلوه وطلعت منه الكارثة التالتة: روشتة المستشفى، المكتوب فيها بخط الإيد اسم الحقن المستوردة. اتصلت على كذا صيدلية كبيرة وأنا سايق راجع القاهرة، الإجابة كانت واحدة في كل مرة زي شريط متسجل:
“مش موجودة يا فندم، الصنف ده ناقص من شهور ومش بينزل غير جدول ومستورد، لو لقيته في السوق السودا الأمبول مش هيقل عن ستة أو سبعة آلاف، ومحتاجة أمبولين في الأسبوع.” أربعة عشر ألف في الأسبوع؟! يعني أكتر من مرتب شهر كامل عشان أهدي جنون واحدة أهلها نصبوا عليا بيها! دخلت القاهرة والشوارع كانت زحمة بحركة الناس اللي رايحة شغلها ومدارسها.. كل العربيات اللي جنبي فيها ناس مروحة أو رايحة تاكل لقمة عيشها في سلام، وأنا الوحيد اللي حاسس إن الحبل مشدود حوالين رقبتي على الآخر.




