روايات

أنا متجوز ومخلف اتنين

الخط قطع في وشي، والصمت رجع تاني في وداني رغم الصريخ والبهدلة اللي حواليا في المستشفى. بصيت للسقف وأنا حاسس بمرارة غسلت كل فرحة بنجاتي من السجــ,,ـــــن.. نجاتي من العصابة كانت رخيصة، بس التمن اللي دفعته من بيتي وعشرتي، هو اللي هيفضل كاسر ضهري لآخر يوم في عمري.

المعركة مع النصابين خلصت أسرع مما كنت أتخيل.. الخوف من السجــ,,ـــــن والفضيحة خلى صاحبي يضغط على حماه بكل قوته، وجابوا وصولات الأمانة في مكتب المحامي، قطعتها بإيدي وحــ,,ـــــرقتها قدام عينيهم، والنيابة أثبتت واقعة التدليس والمرض العقلي السابق للجواز، وصدـ,,ـــر قرار رسمي بإيداع البنت مصحة حكومية للعلاج وسقطت كل حقوقها من على كتافي بحكم بطلان العقد. خرجت من الدايرة دي حر طليق من السجــ,,ـــــن.. لكن روحي كانت لسه مربوطة في ساقية الندم.

منى مانتظرتش يوم واحد، ولا قبلت أي وساطة ولا قعدة عرب. وقفت قدام المأذون رافعة راسها، مفيش في عينيها دمعة واحدة، واخدة كل مليم من مؤخرها وحقوقها بالقرش، وبصتلي النظرة الأخيرة وقالت: “عيالك هتشوفهم بالمعروف وبأمر المحكمة، غير كده متعديش عتبة الباب.” وطلقتها.. والكلمة خرجت من زوري كأنها بتدبحني أنا. مرت سنة كاملة.. سنة كانت أطول من عمري كله.

اتعلمت فيها يعني إيه الراجل يرجع لبيت فاضي بارد، ياكل لقمة ناشفة مفيهاش ريحة نفس حبيب، ويقعد بالساعات باصص في السقف يفتكر النعمة اللي رفصها برجليه. كنت بشتغل ورديتين وتلاتة، أقبــ,,ـــــض من هنا وأحط الفلوس في حسابها للولاد بزيادة عن اللي حكمت بيه المحكمة، عشان بس متمدش إيدها لحد ولا تحس بعوزة. سنة كاملة وأنا وراها زي ضلها.. كنت استناها من بعيد وهي مروحة بطلبات البيت، أسبقها ع السلم وأشيل عنها الشنط وهي تبصلي بقرف ومتردش.

أقف تحت البلكونة بالساعات في عز البرد، بس عشان ألمح خيالها. أبعتلها مع الولاد هدايا وورق كاتب فيه اعتذارات بدم قلبي، فترجعلي الهدايا مع البواب والورق مقطع ميت حتة. أوسط أهلها، وأهل الخير، وأمي تروح تبوس راسها، وهي راكبة راسها ورافضة حتى تسمع اسمي: “اللي يبيعني في سوق النخاسة لرخيص، ملوش عندي رجعة.” لحد ما جه اليوم اللي بنتي الصغيرة تعبت فيه وسخنت بالليل فجأة. لقيتها بترن عليا بنبرة كلها خوف وأمومة تاه منها العند: “البنت بتشنج يا أحمد، الحقنا!”

طرت بالعربية، شيلت البنت وجريت بيها على المستشفى حافي، فضلت سهران جمبها لحد الفجر والكمادات في إيدي، وعيني على منى اللي كانت قاعدة منهارة على كرسي الاستقبال. لما البنت فاقت والدكتور طمنا، منى سندت راسها على الحيطة وغمضت عينيها، التعب هدّها. قربت منها، وقعدت على ركبي في الأرض قدامها، مسكت طرف عبايتها بضعف راجل مكسور من جواه:

“سنة يا منى.. سنة بدوق فيها المر اللي شربتهولك كاس ورا كاس. قسماً بعزة جلال الله اتعلمت الأدب، وعرفت إن الدنيا كلها بكدبها وزينتها متسواش تراب رجلك ولا حسك في بيتي. أنا اتعاقبت وخدت جزائي وزيادة، ومستعد أفضل تحت طوعك خادم ليكي ولعيالي بقية عمري.. بس افتحيلي باب جنتك تاني وماتحرمينيش منكم.” بصتلي، ولأول مرة من سنة كاملة شفت الدموع بتلمع في عينيها من غير كبرياء. بصت لإيديا اللي متبهدلة من الكمادات، ولذقني اللي غزاها الشيب، وللهفة اللي مكنش فيها ذرة كدب.. سكتت كتير، وسحبت نَفَس طويل كأنها بتطرد وجع سنة بحالها، وقالت بصوت واطي مهزوز:

“الأدب اللي اتعلمته ده، لو اتنسى في يوم يا أبو العيال.. مش هسيبك تمــ,,ـــــوت في قهرتك سنة، هكون أنا اللي دافناك بإيدي.. قوم غسل وشك، ويلا عشان نروح بيتنا.” شيلت البنت على دراعي، ومنى ماشية جمبي، خطواتها مكنتش سريعة ولا لهوجة زي زمان، كانت هادية، راسية، خطوة واحدة بتعلم حدود جديدة لكل يوم جاي. نزلنا لسكون الشارع وركبنا العربية، وفي المراية كنت شايف ملامحها الشاردة؛ العفو اللي ادتهولي مكنش معناه إن الجرح اتمسح بجرّة قلم، ده كان تصريح مشروط بإن النجاة دي فرصة وحيدة وأخيرة، ملهاش تكرار.

وصلنا العمارة، السلالم اللي كنت بطلعها السنة اللي فاتت كلها بخوف وذل كأني شحات، طلعتها المرة دي وأنا شايل روحي بين إيديا. فتحتْ باب الشقة بالمفتاح، نفس الريحة اللي كانت وحشاني، ريحة البيت والأمان، دخلت حطيت البنت في سر,,ـــــيرها وغطيتها، وخرجت للصالة لقيتها واقفة في نفس المطرح اللي بدأت منه الحكاية، في نص الصالة، عاقدة دراعاتها وبتبصلي بعين مليانة حذر ووعي كامل:

“البيت ده يا أحمد اتفتح من جديد عشان البنتين دول ميلقوش نفسهم في يوم مشتتين، مش عشان أنا نسيت إنك في لحظة غفلة رخصتنا. الباب اللي اتقفل في وشك سنة كاملة، المفتاح بتاعه هيفضل في إيدي أنا.. الأمان اللي كسرته مش هيرجع بالكلام ولا بالنواح، هيرجع بالفعل والستر اللي تصونه حبة حبة.” نزلت عيني في الأرض، مش مكسور من الضعف، لكن احتراما لست كانت بمية راجل، حمت ضهري وهي موجوعة مني، وعلمتني إن البيوت مبتقفش على نزوة عابرة ولا وش فلقة قمر، البيوت بتقف على الأصالة اللي بتصون وقت المحنة.

قربت منها، بوست راسها وإيديها بهدوء، وقلت وأنا باصص في عينيها من غير كدب ولا مواربة: “المفتاح في إيدك يا أم العيال، وحياتك عندي ما هيلتفت قلبي ولا عيني لغيرك حتى لو الدنيا اتقفلت في وشي، أنا شفت قاع البير وطلعت منه على إيدك، والراجل اللي ميتعلمش من وجع ضهره يبقى ميستاهلش يكون له أهل ولا دار.”

دخلت أوضتها بهدوء وسابت الباب موارب، وأنا فرشت مطرحي في الصالة زي ما اتفقت مع نفسي، عارف إن الطريق لسه طويل عشان أرجع الراجل اللي كان مالي عينها زمان، بس كفاني إني الليلة دي نايم تحت نفس السقف، صوت نَفَس ولادي حامي دفا البيت، وباب الجحيم اللي فتحته بإيدي اتقفل بالضبة والمفتاح للأبد.

انت في الصفحة 8 من 8 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى