
خرجت وقفلت الباب وراها، وسابتني واقف في مكاني مكسور ومذلول، منتظر معركة الصبح اللي هتبدأ مع العصابة، وأنا عارف إني حتى لو كسبت كل القضايا وقطعت الوصلات.. بيتي اللي اتهد عمره ما هيرجع يتبني تاني. الليلة دي منمتش دقيقة واحدة. فضلت قاعد في العربية تحت بيت أهلي القديم، باصص في الفراغ والسجاير بتاكل في صدـ,,ـــري، مستني النهار يشقشق عشان كابوس المحاكم يبدأ. مع أول خيط ضوء، المحامي حازم رن عليا، صوته كان صاحي وفايق كأنه داخل معركة حربية:
“أنا في طريقي للنيابة ومعايا بلاغ التدليس والابتزاز. إنت تطلع فوراً على مستشفى الأمراض النفسية، الدكتور هناك بلّغ إن البنت بدأت تفوق من المهدئ وتدخل في نوبة هياج جديدة، وأنا بعت مندوب من عندي بإخطار رسمي للمستشفى عشان محدش يسلمها لأهلها ولا يخرجها غير بإذن النيابة.”
دورت العربية وطرت على المستشفى، ركبي كانت بتخبط في بعضها من الرعب. أول ما دخلت الطرقة، سمعت الصريخ والعياط.. صوت جاي من الأوضة المعزولة في آخر الممر، صوت تقشعر له الأبدان؛ بتخبط في الباب الحديد وبتشتم بألفاظ غريبة وبتنادي بأسماء ملهاش وجود. الممرضين كانوا واقفين برة ووشوشهم مقلوبة، وأول ما الدكتور شافني جاي، مسكني من دراعي بنرفزة: “أخيراً شرفت يا أستاذ؟ البنت هتكسر العزل، والمستشفى مش ملزمة تتحمل مسؤولية مريض عنيف مش متوفر له علاجه الخاص! أهلها اتصلوا وقالوا إنهم جايين يستلموها، وإنت جوزها ولازم تمضي إقرار!”
“محدش هيستلم حاجة!” الصوت ده مكنش صوتي، التفت لقيت مندوب مكتب أستاذ حازم داخل بخطوات واثقة، ورفع في وش الدكتور ورقة مختومة بختم النسر: “أنا وكيل الزوج، وده إخطار رسمي بفتح تحقيق في نيابة قسم كذا، البنت تحت تصرف النيابة العامة للكشف عليها عن طريق الطب الشرعي لإثبات عيب عقلي سابق على الجواز تم إخفاؤه بالتدليس.. خروجها أو تسليمها لأي طرف تزوير واشتراك في جري.مة.” الدكتور وشه جاب ألوان، وتراجع خطوتين لورا وهو بيبص للورقة: “تمام.. طالما دخلت نيابة وطب شرعي، إحنا نتــ,,ـــــحفظ عليها هنا رسمي لحد ما يجينا مندوب التحقيق.”
ملحقتش أتنفس، إلا ولقيت الباب الخارجي للمستشفى بيترزع بقوة.. ودخل أبوها، لابس عبايته السودة وعينه بتطق شرار، ووراه صاحبي اللي وشه كان أصفر زي الميت، ومعاهم اتنين رجالة من قرايبهم. أبوها أول ما لمحني في الطرقة، هجم عليا وهو رافع عصايته في الهوا: “يا ناصب يا واطي! حابس بنتي هنا وبتفضحنا في المستشفيات؟! قسماً بالله ما هتخرج من هنا حي، والوصلات اللي في جيبي دي هتبيتك في السجــ,,ـــــن الليلة!” كنت لسه هرجع لورا برعب، بس مندوب المحامي وقف في وشه فجأة، وطلع تليفونه وشغّل التسجيل وهو بيتكلم بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
“ارفع صوتك كمان يا حاج صالح.. ارفع عشان التسجيل طالع صوت وصورة على مكتب النائب العام دلوقتي، ومعاه بلاغ بالنصب والابتزاز وتشكيل عصابي لإكراه مواطن على توقيع إيصالات أمانة!” أبوها اتلجم في مكانه، والعصاية نزلت في إيده ببطء وهو بيبص للمندوب بعدم فهم: “إكراه مين يا بني أدم إنت؟! ده ماضيها بيده ورضاه!” المندوب ضحك بسخرية وهو بيشاور على صاحبي اللي كان واقف وراهم بيترعش:
“مش ده الأستاذ اللي توسط في الجوازة؟ أحب أقولك يا كابتن إنك متسجل في البلاغ كمتهم تاني بتهمة التوسط في النصب والتحريض على توقيع إيصالات بيضاء.. والطب الشرعي في السيدة زينب كفيل يثبت إن التوقيع كان على بياض ومن غير تسليم مالي حقيقي، يعني جناية خيانة ائتمان وتزوير هتلبسها إنت وحماك، غير فضيحة السجــ,,ـــــن ليك ولعيالك في وظيفتك!” صاحبي الدم هرب من وشه تماماً، وبص لحماه برعب حقيقي وبدأ يزعق بهستيريا:
“أنا قولتلك يا عم صالح بلاش الحوارات دي! قولتلك بلاش الوصلات وخلونا نخلص بالمعروف! أنا مش هضيع مستقبلي وأدخل السجــ,,ـــــن عشانكم.. البت مريضة وكل البلد عارفة إنها محجوزة من زمان!” “اخرس يا جبان!” أبوها زعق فيه ومسكه من تلابيبه وهو هيتجنن من الغدر المفاجئ، والطرقة اتقلبت لخناقة شوارع بين أهل البنت وصاحبي اللي رماني في النــ,,ـــــار ودلوقتي النــ,,ـــــار بتمسك في هدومه هو! وقفت أبص للمشهد بذهول.. العصابة اللي كانت لسة من ساعات بتلوِي دراعي وبتهدد بخراب بيتي وسجــ,,ـــــني، بقت بتاكل في بعضها زي الكلاب المسعورة عشان ينجوا بروسهم!
وسط الدوشة دي كلها، تليفوني رن في جيبي. طلعته وبصيت للشاشة.. لقيت اسم “منى” منورها. فتحت الخط وإيدي بتترعش، وصوتي طلع مخنوق: “ألو.. يا أم العيال..” ردت عليا بنبرة جليدية، قاطعة زي حد السيف، معندهاش فضول تسأل ولا حتى مهتمة باللي بيحصل في المستشفى: “المحامي بلغني إنهم بدأوا يقطعوا في بعض وهيجيبوا الوصلات عشان يفلتوا بجلودهم.. حسابك مع النصابين دول هيخلص النهاردة، بس حسابي أنا معاك هيبدأ بكرة في محكمة الأسرة.. متنساش تجيب بطاقتك وأنت جاي تمضي على مؤخري وحقوق عيالي.”




