
عدى يومين، وجوزي حاسس إن الحكاية طولت وإنه لازم يروح يطمن بنفسه على لقمة عيشه ويشوف العمرة وصلت لفين. دخل الورشة وصدره منفوخ وهو بينادي بصوته العالي: «يا نسيبي! يا معلم فلان! طمني على الميكروباص، الزباين بتسأل وعايز أنزله عالخط جنب التاني». بص حواليه في الورشة ملقاش أثر للعربية، الورشة رايقة والعربية مش مركونة في مكانها، بص لأخويا وقال له وهو مستغرب: «أومال فين الميكروباص يا عم؟ نزلته ولا دخلته جوة الدوكو ولا إيه؟».
أخويا رمى مفتاح الإنجليزي من إيده على البنك برنة ترن في الودان، ومسح إيده بالجراباية بمنتهى الهدوء وبرود الأعصاب، ورفع عينه فيه وقال له بكلمة واحدة قاطعة: «الميكروباص اتفك واتباع حتة حتة يا نسيبي». جوزي وشه اتخطف، ورجليه مبقتش شايلاه، وفضل يبرق وهو فاكره بيهزر: «إنت بتقول إيه؟! بتهزر معايا ولا إيه يا معلم؟ عربيتي فين؟!».
أخويا قرب منه ووقف قدامه بكل هيبة وقوة، وقال له بصوت جهوري سمّع الورشة كلها: «مابهزرش! ميكروباصك اتفرط قطعه قطعه واتباع بالمليم، وفلوسه راحت للي شقيانة فيه.. راحت لأختي تمن الدهب اللي انت مدّيت إيدك عليه من وراها وسرقته عشان تفرش بيه شقة أمك وتسفرها تحج بمال حرام! فاكرها مقطوعة من شجرة ومش هتلاقي اللي يجيب لها حقها؟ أهو دهبها رجعلها كاش في حجرها!». جوزي شاط والدـ,ـم غلي في عروقه، وبقى يزعق ويشوح بإيديه وعروق رقبته ناطّة: «إنت مجنون؟! دي سرقة ونصب علني! أنا هوديك في داهية وهعملك محضر وهحبسك، ده مال أكل عيشي!»
أخويا ضحك باستهزاء وقرّب وشه منه وقاله بكل جبروت وثقة: «أعلى ما في خيلك اركبه يا بطل! وريني هتعمل إيه.. إنت مسلمني العربية بإيدك، وتعرف تثبت حاجة في القسم ابقى قابلني.. زي ما قولت لأختي لما سرقتها وقولتلها ملكيش إثبات، إحنا بقى شربناك من نفس الكاس اللي سقيتها منه.. اتفضل من غير مطرود وباب الورشة يفوت جمل!».
جوزي لقى نفسه متكتف والدنيا بتلف بيه، حس إن اتغدر بيه واتردله القلم قلمين، فساب الورشة وهو بيغلي وبيتوعد، وملاقاش قدامه غير إنه يجري على بيت أبويا، دخل عليه وشه أحمر وعيونه طالع منها شرار وهو بيصرخ: «الحقني يا حمايا! شوف ولادك بيعملوا فيا إيه وبياكلوا شقايا عيني عينك في وضح النهار!». دخل جوزي بيت أبويا يلهث كأنه مقطوع النفس، عروقه ناطّة وصوته رنّ في الصالة وهو بيخبط بإيديه الاتنين على الطبلية: «الحقني يا حمايا! ابنك سرقني! فكك الميكروباص وباعه قطع غيار وضحك عليا، بقى دي الأصول ودي الجيرة وده رد الجميل؟».
أبويا كان قاعد برزانته بيشرب شاي، حط الكوباية براحة وبص له من تحت لتحت وقال له بصوت هادي كأنه سمّ: «اقعد يا راجل يا ابن الأصول، وطي حسك عشان الجيران.. سـ,ـرقة إيه وأصول إيه اللي بتتكلم عنها؟ هو أنت سبت في بيتك أصول لما مديت إيدك على دهب بنتي وشقاها من ورا ضهرها وسفرت بيه أمك وفرشتلها بيه شقتها؟». جوزي لجمت لسانه الكلمة، بس لسه بيكابر: «يا حمايا ده أمي وحج لبيت ربنا، وهي مراتي ومالنا واحد! مش يقوم ابنك يفرط أكل عيشي ويبيع الميكروباص حتة حتة؟ ده كدا خرب بيتي!».
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أخويا والشرار طالع من عينيه، متوقع إن جوزي هيجري يشتكي. أبويا أول ما شاف أخويا، قام وقف ووشه اتغير تماماً، بص لأخويا وزعق فيه بغضب: «أنت إزاي تعمل كدا من غير ما ترجعلي؟! ما قولتليش ليه يا غبي وفكيتها حتة حتة كأننا حرامية تقطيع؟ ما كنت جيت قولتلي وأنا كنت بيعته سليم بعقد مسجل وجبت لك حق أختك تالت ومتلت ومن غير وجع دماغ الصاج والحديد ده!».
أخويا دمه غلي من لوم أبويا، وبص لجوزي وقال له: «عشان أحرق قلبه زي ما حرق قلب أختي، أخليه يدور على مسمار فيه ميلاقيهوش!». جوزي مسكش نفسه، شاف الإهانة جاية من كل ناحية، فصرخ في وش أخويا: «أنت نصاب وبلطجي!»، وفي ثانية كانت شرارة، جوزي اندفع عليه وأخويا رد له الضـ,ـربة ببوكس رجّ صوته في الصالة، وبدأ العراك.. اتقلب البيت لساحة حـ,ـرب، شتـ,ـائم بتخبط في الحيطان، وكراسي بتطير، ومسكة في الخناق بين الاتنين، وأبويا بيحاول يفصل بينهم ويزعق بصوته كله: «بس يا ولد أنت وهو! البيت له حرمة!».
وسط الهرج والمرج ده، والدم اللي فار، والرجالة اللي ملخومة في ضـ,ـرب بعض وتصفية الحسابات، أنا كنت واخدة شنطتي في هدوء تام ونازلة على السلم من غير ما حد يحس بيا.
ركبت تاكسي وروحت على الصاغة دغري، دخلت المحل ونزلت الرزم الكاش قدام الجواهرجي، اشتريت بدل الغوايش والسلسلة اللي ضاعوا طقم دهب تقيل ومحترم، ورجعت بيهم وأنا رافعة راسي. وما وقفتش هنا.. بالقرشين الزيادة اللي فضلوا من بيعة الميكروباص، طلبت نجارين وعمال بياض، وفي ظرف كام يوم كانت شقتي مقلوبة شغل، غيرت العفش المتهالك اللي كنت مستخسرة فيه القرش، ودهنت الشقة على أحدث طراز، وجبت كل اللي كان نفسي فيه ومحروشة عشانه.
رجعت حقي وزيادة، وخليت الكل يعرف إن القرش اللي بيطلع من عرق شقايا، مفيش راجل على وجه الأرض يقدر يبلعه ويهضمه بالساهل. رجعت حماتي من الحج والزغاريد مالية العمارة، دخلت شقتها وهي ساندة على دراع ابنها، أول ما شافت العفش الجديد والدهانات وريحة النظافة، عينيها دمعت من الفرحة وفضلت تضـ,ـرب كف على كف، وبقت تدعي له بصوت عالي سمّع العمارة كلها: «ربنا يوسع رزقك يا ضنايا، ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة، ويخلف عليك بالخير والبركة قد ما فرحت قلبي وعزيتني في كبري!».
التفتت لي وخدتني بالحضن وبـ,ـاست راسي وهي بتقول: «وأنتي يا بنتي ربنا يجبر بخاطرك ويسعدك، دايماً ساندة جوزك ووشك خير عليه». كنت وقتها وافقة لابسة عبايتي الشيك، وطقم الدهب الجديد بيلمع في رقبتي وإيديا، بصيت في عين جوزي اللي كانت مكسورة وعاجزة، ورديت عليها بابتسامة باردة وواثقة: «حج مبرور وذنب مغفور يا حماتى ، ده أقل واجب، وعقبال ما تشوفي شقتنا إحنا كمان لما جددناها على سنجة عشرة، ربنا ما يحرمنا من خير ابنك!».
جوزي بلع ريقه ولسانه لزق في سقف حلقه، كان واقف وشه أصفر زي الليمونة ومش قادر ينطق بنص كلمة ولا يفتح بقه بحرف واحد قدام أمه، لا قادر يكسر فرحتها ويقول لها إن الحجة والعفش دول دفع تمنهم ميكروباص من لقمة عيشه، ولا قادر يعترف بالفضـ,ـيحة والضـ,ـربة اللي أخدها على قفاه ومسح فيها كرامته عند أبويا وإخواتي.. فضل ساكت ومكتوم، يبتسم ابتسامة ميـ,ـتة وكل مسمار في الشقة الجديدة حاسس إنه بيتحرق بيه من جوة.
من اليوم ده، انقلبت الموازين في البيت.. بقى هو اللي بيصحى من النجمة مطحون في الوردية على الميكروباص الوحيد اللي فاضل معاه، ويطبق ليل مع نهار عشان يسد مصاريف البيت، وبقى يدخل في الجمعيات دي يخرج من دي يدخل في غيرها، كل قرش يجيبه يربطه عشان يجمع مقدم لميكروباص جديد بدل اللي اتفرط، والغـ,ـرور والعنجهية اللي كلمني بيهم زمان اتبخروا للأبد.
أما أنا، ففضلت قاعدة في شقتي المتجددة، أباشر خياطتي وزبايني ودهبي في إيدي، يشوفه كل يوم ويفتكر إنه كان فاكرني حيطة مايلة.. بس اتعلم بالدرس القاسي إن الست لما تكون جدعة وشقيانة، وراها ضهر وسند قادرين يقلبوا الطرابيزة في ثانية ويرجعوا لها حقها تالت ومتلت.
دارت الأيام ومرت الشهور ثقيلة عليه، وهو بين الصبح والليل ما بينفّسش، عينه ما بتشوفش النوم وكتفه انهدّ من لف الدركسيون وسداد الجمعيات اللي كانت خانقاه من رقبته. كان يرجع آخر الليل مهدود الحيل، هدومه ريحتها جاز وعرق، يدخل يلاقيني قاعدة على مكنتي بخيط ببال رايق، ودهبي بيلمع في إيدي وتحت نور اللمبة، يبص لي ويسكت، يبلع غيظه ومرارته وما يجرؤش يلمح بحرف، كأنه شايف قدامه جبل اتكسرت عليه شوكته زمان.
لحد ما جه اليوم اللي قبض فيه آخر جمعية، وراح ودفع المقدم واستلم ميكروباص جديد زيرو، نزل بيه الشارع وهو بيوزع شربات، وعينه رايحة جاية عليا وهو فرحان إنه أخيراً رجّع اللي ضاع منه وبقى عنده عربيتين شغالين على الخط زي الأول.
اليوم ده، دخل عليا البيت ووشه مرتاح لأول مرة من شهور، شايل في إيده فاكهة وحاجة حلوة، وحط المفاتيح على الطربيزة برنّة هادية، وقعد جنبي بهدوء غير العجرفة بتاعة زمان. بص لي وقال بنبرة مكسور منها شوك الكبرياء: «الميكروباص وصل يا أم عمر ، وبقى عندي اتنين شغالين، والحمد لله الغمة انزاحت والرزق هيرجع يفيض». رديت عليه بهدوء تام وأنا باخد منه الحاجة: «مبروك عليك يا بو فلان، ربنا يجعله قدم خير ورزق حلال، ويكفيك شر طريقك».
بدأت المية ترجع لمجاريها في البيت، رجع يتكلم ويتعامل معايا عادي ويضحك ويهزر، بس كانت المعاملة متغيرة من الجذور.. العين المكسورة عمرها ما رجعت تبجّح، والنظرة العالية اتبدلت باحترام وحساب لكل كلمة تخرج من بقه قبل ما ينطقها. بقى قبل ما يقرر مليم يخرج من جيبه، ييجي يقعد معايا ويقول لي: «إيه رأيك نعمل كذا؟»، ومبقاش يتجرأ حتى يبص لعلبة دهبي المركونة على التسريحة، ولا حتى يسألني قرش خياطتي رايح فين ولا جاي منين.
عرف وقتها إن الطيبة مش هبل، وإن السكوت مش قلة حيلة، وإن اللي وراها رجالة ما يتلويش دراعها.. عاش معايا راجل بيت بيتقي الله فيا، وحاطط في باله دايماً إن القلم اللي خده في الميكروباص الأولاني، ممكن يتكرر تاني وأشد لو فكر يوم يدوس على كرامتي أو يمد إيده على شقايا.




