
في اللحظة دي، صوت رجلين طالعة على السلم كان بيعلى، والباب بتاع الشقة كان مفتوح على مصراعيه، فلقينا حمايا وحماتي وسلفتي التانية الكبيرة طالعين على الصوت، ما هي العمارة بيت عيلة وصوت الزعيق كان واصل للدور الأرضي. حماتي دخلت بجلابيتها السودة وشالها على كتفها وهي بتقول بنبرة عتاب حامية في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب آخر الشارع والناس بتبص على شبابيكنا، جرى إيه يا أبو يوسف؟ مش قولتلك سيب مراتك تهدا يومين وبلاش تطلع تتخانق معاها؟
حمايا راجل كبير، شعره أبيض وله هيبة، دخل وسند على عكازه ووقف في نص الصالة، عينه دارت بين جوزي وسلفتي وبيني وبين يوسف ابني اللي واقف متكتف ووشه مليان غضب على أمه، وقال بصرامة في إيه يا حسن؟ فهمني بالراحة إيه اللي مطلعك شقة أخوك وبتزعق مع مراته كده وأخوك في شغله؟
حسن جوزي بص لأبوه، وشه كان مكسور بجد، الراجل اللي كان نازل إمبارح فارد ضهره ومقتنع إنه بينصر الغلبانة اليتيمة، حس إنه كان ألعوبة في إيد واحدة ملهاش أمان. أشار بإيده على المطبخ وقال بصوت موجوع تعال شوف يا حج. شوف بنت أخوك اللي ربيناها وسطنا وبنقول لحمنا ودمنا ووصيتني عليها زي أختي. شوف الفرن اللي مقومة القيامة عليه بقالها شهور وخلتني أبهدل أم يوسف بسببه وأهينها قدامكم، الفرن شغال وزي الفل ومسوية فيه فراخ أهو، وبتخطط من ورا ضهرنا إزاي تخرب بيتي وتطرد مراتي وتستفرد بالبيت كله!
حماتي بصت لهبة بذهول، ودخلت المطبخ شافت المنظر بعينها، ورجعت وهي بتبص لها بقلة حيلة وقالت إيه ده يا هبة؟ هو الفرن مش كان محروق ومستنية إبراهيم جوزك يصلحه؟ بتعملي كده ليه يا بنتي؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده أم يوسف دي كانت بتشيل اللقمة من بق عيالها وتطلعها لك، وكنت دايمًا أقول حسن مراته مفيش أطيب منها ومستحملاكي زي أختها!
هبة شافت إنها خلاص وقعت في بير ملوش قرار، والكل باصص لها نظرة احتقار مفيهاش أي تعاطف، حاولت تستعطف حمايا، جريت عليه ومسكت في جلبابه وبدأت تبكي بنواح يا عمي اسمعني، والله العظيم هما فاهمين غلط، أم يوسف غيرانة مني عشان حسن بيعاملني كويس وبيسأل عليا، وهي اللي كبرت الحكاية في دماغه عشان توقع بيني وبينكم، أنا يتيمة وماليش حد غيركم، هتعملوا فيا كده عشان صينية أكل؟
حمايا زق إيدها بهدوء بس بحزم يقطع الخلف، راجل قديم وبيفهم الأصول وميرضاش بالظلم أبدا، خبط بعكازه على الأرض وقال بصوت جهوري هز الحيطان اخرسي خالص! اليتم مش معناه تغلبي وتفتري وتاكلي في لحم الناس اللي آووكي في بيوتهم. أم يوسف دي ست بيت أصيلة، شالت ابني وشالتنا في مرضنا وعمرها ما طلعت منها العيبة في حق حد في البيت ده. أنا كنت ساكت ومستني لما أشوف آخرة الدلع والوصاية اللي عمالين تعملوها، وكنت حاسس إن في حية بتلدغ في الخفا بس قولت ولاد عم ومحبش أظلم.
لكن توصل بيكي الدناءة إنك تستغلي مرض أمها، ست كبيرة نايمة في المستشفى، وتعملي عليها نمرة عشان تخلي ابن عمك يطـ,ـردها من بيتها؟ التفت حمايا لحسن جوزي، وبص له بغضب أب حقيقي وانت يا مغفل! فين عقلك؟ فين رجولتك اللي بتبان على مراتك وعيالك؟ تصدق كلام وتجري تبهدل شريكة عمرك اللي بقالك معاها عشرين سنة ومشوفتش منها إلا كل خير؟ عشان مين؟ عشان حتة برام رز وصينية بطاطس؟ لو كنت راجل حكيم كنت وزنت الأمور، وكنت شوفت مراتك اللي بتجري على أمها العيانة وجيت شيلت عنها، مش تيجي تهد بيتك بإيدك عشان تسمع كلام شيطان؟
حسن نكس راسه في الأرض، كان شكله يصعب على الكافر، مكنش قادر يرفع عينه في عين أبوه ولا في عيني. الدمعة كانت محبوسة في عينه والكسوف مالي كيانه.
حمايا كمل كلامه وبص لهبة وقال بصرامة مفيهاش رجعة اسمعي يا بت، لما إبراهيم جوزك يرجع من شغله، أنا اللي هقعد معاه راجل لراجل، وهعرفه كل اللي عملتيه بالظبط، وهو اللي هيتصرف معاكي. ومن اللحظة دي، رجلك دي متخطيهاش عتبة شقة أم يوسف أبدا، ولا ليكي دعوة بأكلها ولا شربها ولا بوتجازها. عندك شقتك ومطبخك وفرنك اللي مش عاجبك، تعيشي فيه في حالك، ولو سمعت صوتك طالع ولا لمحتك بتبصي لبيتها بنظرة مش تمام، قسما بالله لتكوني عند أهلك في بلدكم ومش هتدخلي البيت ده تاني حتى لو كان تمن ده إيه.
هبة وطت راسها ودخلت أوضتها ورزعت الباب وراها من كتر الخزي، وحماتي وسلفتي التانية نزلوا مع حمايا بعد ما بصوا لي وقالولي حقك علينا يا أم يوسف، انتي أصيلة وبنت أصول ومحدش يقدر يمسك بكلمة في البيت ده. فضلنا أنا وحسن ويوسف ابني واقفين في مدخل شقتنا. يوسف بص لأبوه بحزن وعتاب شاب حس إن كرامة أمه اتهانت، ومشي دخل أوضته وقفل الباب، عشان يسيبنا لوحدنا.

