
حسن فضل واقف قدامي في الصالة، رقبته مطأطأة ومش قادر ينطق. البيت كان ساكت خالص، والتوتر اللي كان شاحن الجو بقى حزن تقيل يوجع القلب أكتر من الغضب. قرب مني خطوة وقال بصوت مكسور كله ندم سامحيني يا أم يوسف… أنا كنت أعمى، الغشاوة كانت على عيني عشان كنت فاكر إني بعمل بأصل أبويا وبوصيته على بنت عمه. كنت حمار وغبي، مفكرتش فيكي ولا في تعبك مع أمك، ورميت عليكي كلام زفـ,ـت ميطلعش من راجل بيحب مراته وبيحترمها. حقك فوق راسي، اضـ,ـربيني بالجزمة بس متبصليش البصة دي.
بصيت له كتير، بصيت للراجل اللي عشت معاه سنين طويلة على الحلوة والمرة، عمري ما شوفت منه خيانة ولا بخل، بس كانت مشكلته الكبيرة طيبته الزايدة وتسرعه وعقله اللي كان بيتساق ورا فكرة صلة الرحم بشكل أعمى لحد ما كان هيخرب بيته بإيده.
أخدت نفس طويل وقولت له بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف المسألة مش مسألة ضـ,ـرب ولا خناق يا حسن. المسألة إنك في لحظة صدقت فيا الوحشة، هنتني قدام أهلك وهددتني بالطرد من الشقة اللي أنا وأنت دافعين دم قلبنا فيها عشان نعملها سكن لينا ولعيالنا. نسيت إن أمي كانت في المستشفى، ومسألتنيش حتى هي عاملة إيه، كان كل همك إني مسمعتش كلام هبة ومردتش عليها طلبها السخيف.
مسك إيدي الاتنين وباسهم بلهفة وقال حقك عليا والله، أمك دي أمي وأنا هنزل أروحلها دلوقتي حالا أقبل راسها وأطلب رضاها. ومش هسيبك زعلانة، والله العظيم من اللحظة دي ما حد في البيت ده يقدر يتعدى حدوده معاكي، ولا هبة دي هتشوف وشي ولا هتكلم معاها تاني إلا في حدود السلام من بعيد لبعيد، وكلمتك في بيتك هي اللي هتمشي.
سحبت إيدي بالراحة من بين إيديه، وقولت له أنا مش عايزة خراب لبيت حد، ولا فرحانة في خزي هبة وفضيحتها قدام عمها. أنا كان كل همي كرامتي وكرامة عيالي، وإنك تعرف إن الطيبة اللي ملهاش حدود بتتحول لضعف، وإن بيتك لازم يكون له حرمة وسور عالي مفيش مخلوق يقدر ينط من فوقه حتى لو كان أقرب قريب.
أنا مسامحة عشان خاطر عشرتنا، وعشان خاطر يوسف وإخوته، وعشان عارفة إنك مكنتش قاصد تظلمني بذاتك، انت كنت مضحوك عليك. بس اللي حصل ده درس، ومش هيتكرر تاني يا حسن. لو اتكرر في يوم من الأيام ولقيتك بتقدم أي حد عليا وعلى بيتك وبتصدق فيا كلمة من غير دليل، ساعتها مش هستنى لما تقول لي امشي، أنا اللي همشي من نفسي ومن غير ما أرجع. حسن هز راسه بحرقة وقال عمرها ما هتحصل تاني أبدا، والله العظيم ما هتحصل. بيتي وعيالي ومراتي في كفة، والدنيا كلها في كفة تانية.
في المسا، لما إبراهيم جوز هبة رجع، قعد مع أبوه وأخواته تحت في الشقة الكبيرة، وعرف كل اللي حصل، وصوته كان عالي وزعيقه مالي البيت عليها، وعاقبها بإنه حبسها في شقتها ومنعها تنزل أو تطلع إلا بإذنه، ونظرات أهل البيت ليها اتغيرت تماما ومبقاش حد يعبرها ولا ياخد كلامها بمحمل الجد بعد ما كدبها وغلها بان للكل.
أما أنا، فدخلت مطبخي بالليل، ولعت فرني وظبطت نـ,ـاره، وعملت برام رز معمر بالقشطة واللبن والسمنة البلدي زي ما بحب أعمله، ريحته ملت شقتي، بس المرة دي وأنا مرتاحة ومطمنة، مفيش حد هيخبط على بابي بابتسامة كدابة عشان يحط عينه في لقمتي، ولا في حد هيقدر يهد بيتي اللي حصنته بالصبر والحكمة والحق اللي مبيضعش وراه مطالب. جوزي جه قعد جنبي في المطبخ، وبص لي بامتنان، وعرف ساعتها إن بنت الأصول اللي بتصبر هي السند الحقيقي، وإن حبال الكدب مهما طولت، مسيرها تتقطع قدام نور الحقيقة.
بقلم مني السيد الرنة بتاعة تايمر الفرن نزلت في السكون اللي في الصالة زي جرس ، رنة طويلة رنانة قطعت نفس سلفتي اللي كانت واقفة متبسمرة عند عتبة الباب وإيديها بترتعش والطبق اللي في إيدها كان خلاص هيقع لولا إنها سندته على الحيطة. جوزي مشي خطوتين تلاتة في الطرقة بتاعتها، خطى تقيلة وبطيئة كأنه خايف يوصل للحقيقة اللي هتهد الصورة اللي راسمها في خياله طول عمره لبنت عمه المظلومة اليتيمة اللي مفيش أطيب منها.
أنا مفضلتش واقفة مكاني على باب شقتي، دخلت وراه بخطوات واثقة ووقفت على باب المطبخ، ويوسف ابني كان طلع على صوت الحركة ووقف في مدخل الصالة مذهول، وسلفتي دخلت تجري ورا جوزي وهي بتنهج وصوتها بيطلع بالعافية يا أبو يوسف اسمعني بس، انت داخل مطبخي وجوزي مش هنا ليه؟ ده عيب وحرام، هي مراتك عايزة تفتش بيوت الناس وتعمل فتنة وخلاص!
جوزي مالتفتش لكلامها، دخل المطبخ وعينه راحت على طول على البوتاجاز الستانلس الكبير اللي واقف في الركن. الفرن كانت لمبته قايدة من جوة، والإزاز الشفاف مبين صينية بطاطس بالفراخ محمرة واخدة وش دهبي بيلمع وبتغلي بفقاقيع الصلصة المتسبكة، وصوت البوتجاز بيهدر والسخونة طالعة منه واصلة لحد الباب ومخلية المطبخ كله دافي بريحة التوابل والتحمير.


